Print this page

بين إعادة الإعمار وعودة اللاجئين الشرع في جولة أوروبية تعيد رسم علاقات سوريا مع الغرب

في خطوة تعكس تحوّلا في تموضع سوريا

على الساحة الدولية، أجرى الرئيس السوري أحمد الشرع أول زيارة رسمية له إلى ألمانيا منذ توليه السلطة، قبل أن يتوجّه إلى بريطانيا ضمن جولة أوروبيّة تحمل أبعادا سياسية واقتصادية متشابكة، في سياق إعادة صياغة العلاقات مع العواصم الغربية.
وفي برلين، عقد الشرع مباحثات مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس، أسفرت عن مجموعة من التفاهمات التي تعكس توجها عمليا نحو فتح صفحة جديدة في العلاقات الثنائية.واتفق الجانبان على إطلاق مسار تعاون اقتصادي يركز على دعم مشاريع إعادة الإعمار في سوريا، مع اهتمام خاص بقطاعات البنية التحتية والطاقة. كما أبدت ألمانيا استعداداً مبدئياً للمساهمة في برامج إعادة التأهيل الفني والمؤسساتي، بما يشمل تدريب الكوادر ودعم المؤسسات الخدمية.
وفي ملف الاقتصاد، ناقش الطرفان آليات تخفيف القيود المرتبطة بإدماج سوريا تدريجياً في النظام المالي الدولي، دون الإعلان عن خطوات فورية، لكن مع تأكيد أهمية العمل عبر قنوات متعددة الأطراف لتسهيل المعاملات الإنسانية والتنموية.
أما في ما يتعلق بملف اللاجئين، فقد كان حاضرا بقوة على جدول الأعمال، حيث جرى بحث سبل تشجيع العودة الطوعية والآمنة للاجئين السوريين من ألمانيا، بالتوازي مع تحسين الظروف المعيشية داخل سوريا. وأكد الجانب الألماني ربط هذا المسار بضمانات تتعلق بالاستقرار والأوضاع الأمنية.
وأعلن المستشار الألماني فريدريش ميرتس ، أنه يسعى إلى إعادة 80% من السوريين المقيمين في ألمانيا، والذين يتجاوز عددهم 900 ألف شخص، إلى وطنهم، في حين قال الرئيس السوري أحمد الشرع إن بلاده تعمل بالتعاون مع الحكومة الألمانية على برنامج يتيح للسوريين المساهمة في إعادة إعمار وطنهم من دون التخلي عن حياتهم التي بنوها في ألمانيا.وجاءت تلك التصريحات خلال زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى ألمانيا.
وأكد ميرتس أن الطرفين يعملان معا على ملف عودة اللاجئين السوريين في ألمانيا إلى بلدهم، مضيفا خلال مؤتمر صحفي على هامش زيارة الشرع إلى برلين: "نعمل معا لكي يتسنّى للسوريات والسوريين العودة إلى وطنهم".
خطة العودة
وعلى المدى البعيد، قال ميرتس إنه خلال السنوات الثلاث المقبلة سيعود نحو 80% من السوريين المقيمين حاليا في ألمانيا إلى وطنهم، مشيرا إلى أن غالبية السوريين الذين لجؤوا إلى ألمانيا إبان فترة حكم الرئيس المخلوع بشار الأسد يرغبون في العودة إلى بلدهم لإعادة بنائه والعيش هناك بأمان وحرية وكرامة.وخاطب الرئيس الشرع قائلا إن "هؤلاء الأشخاص موضع ترحيب لديكم"، معربا عن تقديره لتعبير الشرع عن ذلك أيضا، وأردف قائلا: "ولربما كانت هذه هي الرسالة الأساسية لزيارتكم اليوم في برلين".وأعرب ميرتس عن اعتقاده أن الاستقرار السياسي والنمو الاقتصادي في سوريا سيكونان أمرين حاسمين لضمان نجاح إعادة البناء.وأضاف "يجب أن يسهم في ذلك بشكل رئيسي أولئك الذين يعودون إلى سوريا حاملين معهم تجارب جديدة، وأفكارا مستمدة من سنواتهم في ألمانيا وفي أنحاء العالم".
كما أعلن ميرتس عن نيّة ألمانيا "دعم" إعمار سوريا بعد الحرب، مشيرا إلى أن وفدا من الحكومة الألمانية سيزور دمشق لهذا الغرض في الأيّام القليلة المقبلة، ولكنه أشار إلى أن هذه المشاريع المشتركة ستبقى رهن التطوّر المحرز في تمتين أسس دولة القانون في سوريا، وفق قوله.وتحتضن ألمانيا أكبر جالية سورية في الاتحاد الأوروبي، مع أكثر من مليون فرد وصل أغلبهم في ذروة موجة الهجرة التي سجّلت في 2016- 2015 إبّان الحرب في سوريا.

كما شملت المباحثات التعاون في قطاع الطاقة، لا سيما في مجالات الكهرباء وإعادة تأهيل الشبكات، في ظل اهتمام أوروبي أوسع باستقرار إمدادات الطاقة في المنطقة.
في المحطة التالية، يتوجه الشرع إلى لندن، في زيارة تأتي بعد سنوات من القطيعة. وتأتي هذه الخطوة في إطار استئناف العلاقات الدبلوماسية، مع توجه بريطاني للانخراط في دعم المرحلة الانتقالية في سوريا.وركزت المحادثات في لندن على ملفات التعافي الاقتصادي، والتعاون الأمني، ومكافحة التنظيمات المتطرفة، إلى جانب قضايا الهجرة غير النظامية، التي تشكل أولوية للسياسات البريطانية.
تحولات في الموقف الأوروبي
ووفق مراقبين تعكس هذه الجولة، وخصوصا نتائج لقاء برلين، تحوّلا تدريجيا في المقاربة الأوروبية تجاه سوريا، بدأ منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد نهاية عام 2024، حيث تتجه الدول الأوروبية نحو اعتماد سياسة تقوم على الانخراط المشروط بدلا من العزلة.
وقد تجسد هذا التحول في إعادة فتح السفارات وتبادل الزيارات الرسمية، إذ أعادت ألمانيا فتح سفارتها في دمشق بعد أكثر من عقد من الإغلاق، فيما افتتحت سوريا قنصليتها في بون، في مؤشر واضح على استئناف العلاقات الدبلوماسية.بالنسبة لدمشق، تمثل زيارة برلين محطة مفصلية في مسار إعادة التموضع الدولي، حيث تسعى إلى كسر العزلة الاقتصادية، وجذب الاستثمارات، وفتح قنوات تعاون جديدة مع أوروبا.وتأتي هذه التحركات في وقت تحاول فيه سوريا تجنب تداعيات التصعيد الإقليمي في الشرق الأوسط، والحفاظ على توازن دقيق في علاقاتها الدولية.
وكان الشرع قد قام بزيارة إلى فرنسا في ماي الماضي، في خطوة اعتبرت مؤشرا أوليا على عودة سوريا إلى المشهد الدبلوماسي الأوروبي، وهو مسار يبدو أنه يتسارع مع نتائج زيارته إلى ألمانيا والجولة الجارية نحو بريطانيا.

وتشير مخرجات لقاء برلين إلى بداية مسار تدريجي لإعادة بناء الثقة بين سوريا وأوروبا، يقوم على مقاربة عملية تربط بين التعاون الاقتصادي والاعتبارات السياسية والأمنية. ورغم غياب اختراقات كبرى حتى الآن، فإنّ ما تحقّق يعكس إرادة متبادلة لفتح قنوات جديدة، قد تمهد لمرحلة أكثر استقرارا في العلاقات، إذا ما توافرت الظروف المناسبة.

المشاركة في هذا المقال