Print this page

انسحاب مستشاري التحالف الدولي من العراق تحوّل استراتيجي وتوازنات صعبة في ظلّ واقع إقليمي مضطرب

مع تسارع خطوات إنهاء مهمة التحالف الدولي

في العراق، تتجه الأنظار إلى التداعيات الأمنية والإستراتيجية لهذه المرحلة الانتقالية، في ظل بيئة إقليمية متوترة وتزايد وتيرة الهجمات التي تستهدف مواقع عسكرية ومقار دبلوماسية. ويأتي ذلك في وقت تؤكد فيه الحكومة العراقية عزمها الانتقال من الاعتماد على الدعم الخارجي إلى بناء قدرات أمنية ذاتية وشراكات ثنائية محدودة.
وعلى الصعيد الميداني في العراق قال مصدر في العمليات المشتركة أن مستشاري التحالف الدولي انسحبوا من قيادة العمليات ومعسكر الدعم باتجاه الأردن.يأتي هذا الانسحاب بالتزامن مع توتر أمني متصاعد، إذ أفاد مصدر في الحشد الشعبي للجزيرة باستهداف مقر اللواء 15 التابع له في منطقة الحمرة بمحافظة صلاح الدين وفق ''الجزيرة''.
من جهته أكّد رئيس الوزراء العراقي محمّد شياع السوداني أن انتهاء مهمة التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن لمحاربة تنظيم مايعرف بـ''الدولة الإسلامية''، سيتمّ في موعده المقرر في سبتمبر، وذلك في مقابلة مع صحيفة إيطالية نشرت أمس الأول الاثنين.
وفي نسخة أولى للمقابلة نشرتها كورييري ديلا سيرا على موقعها الإلكتروني، نقلت عن السوداني قوله إنه تمّ "تقديم موعد" انتهاء مهمة التحالف الدولي. لكن الصحيفة قامت بتحديث نصّ المقابلة بعد ساعات.
وكان العراق أعلن في منتصف جانفي اكتمال عملية انسحاب التحالف الدولي من أراضيه الاتحادية، أي ما عدا إقليم كردستان، تنفيذا لاتفاق بين بغداد وواشنطن ينص على انسحاب مستشاري التحالف بالكامل من الإقليم الشمالي بحلول سبتمبر 2026، وتحوّل علاقة العراق مع دول التحالف إلى شراكات أمنية.وقال السوداني لكورييري ديلا سيرا بحسب النصّ المعدّل "قررنا مع حلفائنا تأكيد إنهاء مهمة التحالف الدولي في سبتمبر 2026".وأضاف "بمجرد عدم وجود أي وحدات عسكرية أجنبية على الأراضي العراقية، سيكون من الأسهل تفكيك الفصائل المسلحة".
وبحسب التفاهمات المعلنة، تعتزم بغداد إنهاء وجود مستشاري التحالف الدولي بحلول سبتمبر 2026، مع تحويل طبيعة العلاقة إلى التعاون في مجالات التدريب والتأهيل وتبادل المعلومات. وقد بدأت بالفعل ملامح هذا التحول مع انسحاب المستشارين من مراكز القيادة العملياتية، وإعادة تموضعهم خارج الأراضي العراقية.
ووفق مراقبين فإنّ هذا الانسحاب يسلط الضوء على فجوات محتملة في بعض الجوانب الفنية التي كان التحالف يضطلع بها، لا سيما في مجالات الإنذار المبكر، وإدارة المجال الجوي، والتنسيق الدولي في حالات الطوارئ. وعلى الرغم من أن القوات العراقية راكمت خبرة ميدانية مهمة خلال السنوات الماضية، فإن التحدي يكمن في تعويض القدرات التكنولوجية المتقدمة التي كانت توفرها منظومات التحالف، خصوصاً في مجال الدفاعات الجوية.
وقد لعب التحالف دورا في دعم العراق استخباراتيا وتقنيا ، حيث ساهم في توفير معلومات دقيقة عن التهديدات، إضافة إلى تشغيل أنظمة متطورة لرصد الصواريخ والطائرات المسيّرة واعتراضها. كما كان له حضور فاعل في تدريب القوات العراقية وتطوير خططها العملياتية، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على تقليص نشاط الجماعات المتطرفة وعلى رأسها تنظيم "داعش" الإرهابي.
اختبار حقيقي
ومع هذا التحوّل، تواجه المؤسسات الأمنية العراقية اختبارا حقيقيا لقدرتها على إدارة الملف الأمني بشكل مستقل، خاصة في ظلّ استمرار التحديات المرتبطة بالإرهاب والتوتّرات الإقليمية. ويبرز هنا ملف حماية الأجواء كأحد أبرز نقاط الضعف، إذ تشير تقديرات إلى أنّ منظومات الدفاع الجوي العراقية لا تزال بحاجة إلى تطوير كبير لتواكب حجم التهديدات المتنامية.
في موازاة ذلك، يفرض غياب التحالف إعادة ترتيب الأولويات داخل المنظومة الأمنية، سواء من حيث الاستثمار في التكنولوجيا العسكرية أو توسيع نطاق التعاون مع دول صديقة لتعويض النقص في بعض المجالات الحيوية. كما يطرح تساؤلات حول سرعة استجابة العراق لبناء بدائل فعالة تضمن استمرارية الجاهزية الأمنية.
ووفق متابعين لا تقتصر التداعيات على الجانب العسكري فحسب، بل تمتد إلى البعد الدبلوماسي، حيث كان وجود التحالف يشكل مظلة ردع غير مباشرة توفر قدراً من الحماية للبعثات الأجنبية. ومع تراجع هذا الغطاء، تتزايد المخاوف من تعرض المصالح الدولية لمخاطر أكبر، خصوصا في ظل تصاعد حدة التوترات في المنطقة.
بالتوازي، يعكس انسحاب بعثات تدريبية دولية أخرى، مثل بعثة حلف شمال الأطلسي، تحولا أوسع في طبيعة الانخراط الدولي في العراق، ما قد يؤثر على برامج تطوير القيادات الأمنية وبناء المؤسسات العسكرية على المدى الطويل.
هذا ويرى محللون أن انسحاب التحالف الدولي يمثل نقطة تحول مفصلية في المشهد الأمني العراقي، تضع البلاد أمام معادلة دقيقة بين تعزيز السيادة الوطنية من جهة، وضمان استقرار أمني مستدام من جهة أخرى. نجاح هذه المرحلة سيعتمد إلى حد كبير على قدرة العراق في سد الفجوات التقنية، وتطوير منظومته الدفاعية، وبناء شراكات متوازنة تواكب تحديات المرحلة المقبلة.

المشاركة في هذا المقال