العادي للاتحاد العام التونسي للشغل بالمنستير في ظرف دقيق يتسم بتصاعد التوترات الداخلية وتعقّد المشهد النقابي، حيث ينعقد هذا الاستحقاق وسط جدل واسع حول شرعيته ومخاوف من تعمق الانقسام داخل المنظمة، ويأتي المؤتمر في سياق غير مسبوق من حيث حدة الخلافات، إذ عبرت أطراف نقابية عن رفضها للمسار الحالي واعتبرته لا يعكس توافقًا حقيقيا، مقابل تمسك القيادة القائمة بضرورة عقده وهو ما يضع المنظمة أمام اختبار حقيقي لقدرتها على إدارة أزماتها الداخلية في ظل تزايد التشكيك في شرعية المسار التنظيمي ودعوات إلى المقاطعة مع التوجه إلى تقديم طعون على غرار جامعة البريد.
تتجه الأنظار إلى أشغال المؤتمر وما ستفرزه من توازنات جديدة داخل هياكل القرار، وسط آمال بأن يشكل هذا الموعد فرصة لإعادة ترتيب البيت الداخلي واستعادة منسوب الثقة، مقابل مخاوف من أن يتحول إلى محطة تعمّق الانقسام والخلافات، وينتظر أن يشارك في المؤتمر 614 نائبا، موزعين بين 539 ممثلا عن النقابات الأساسية و75 عضوا من الهيئة الإدارية الوطنية، في رقم يعكس اتساع المشاركة رغم حالة التوتر. كما بلغت الترشحات لمختلف الهياكل القيادية 92 مترشحا، من بينهم 46 مترشحا للمكتب التنفيذي الوطني و25 لهيئة النظام الداخلي و21 لهيئة المراقبة المالية، وهو ما يعكس حجم التنافس داخل المنظمة ورغبة مختلف الأطراف في إعادة تشكيل موازين القوى في المرحلة القادمة.
برنامج أشغال مكثف على ثلاثة أيام
في إطار التحضيرات، تم اقتراح حسان العرفاوي لرئاسة المؤتمر، إلى جانب ترشيح حافظ الربعي لخطة نائب رئيس، في انتظار استكمال بقية تركيبة رئاسة المؤتمر خلال الجلسة الافتتاحية. وتمثل هذه التعيينات جزءا من الترتيبات التنظيمية التي تسبق انطلاق الأشغال الفعلية، والتي ستشهد انتخاب مختلف هياكل المؤتمر وتوزيع المهام بين لجانه. ويمتد المؤتمر على ثلاثة أيام تتوزع بين جلسات تنظيمية ونقاشات عامة وأعمال انتخابية، حيث يتم في اليوم الأول انتخاب رئاسة المؤتمر وتشكيل اللجان الأساسية، من بينها لجنة فحص النيابات وفرز الأصوات ولجنة اللوائح العامة والمهنية والداخلية، إضافة إلى لجنة لائحة الصراع العربي الصهيوني، كما يتم عرض التقريرين الأدبي والمالي ومشروع إعادة الهيكلة. وتتواصل الأشغال في اليومين الثاني والثالث عبر تدخلات النواب ومناقشة اللوائح قبل المرور إلى المصادقة عليها، لتختتم الأشغال بإجراء الانتخابات التي ستفرز قيادة جديدة للاتحاد.
صراع الشرعية يطغى على الأجواء
المؤتمر قبل انطلاقه طغى عليه صراع واضح حول الشرعية، إذ ترى أطراف معارضة أن شروط انعقاده لا تستجيب لمقتضيات الشفافية والتوافق، وهددت بالطعن في نتائجه، في حين تؤكد القيادة الحالية أن المؤتمر يمثل استحقاقا قانونيا لا يمكن تعطيله. وقد تجلّى هذا الخلاف في شكل تحركات احتجاجية ودعوات إلى المقاطعة، ما يعكس عمق الأزمة التنظيمية التي يعيشها الاتحاد ويطرح تساؤلات جدية حول مدى قدرة هذه المحطة على إنهاء حالة الانقسام، وقد وجهت المعارضة النقابية نداء إلى النقابيين الرافضين لمؤتمر المنستير إلى الحضور بكثافة اليوم الأربعاء على الساعة التاسعة صباحا أمام النزل الذي ينعقد فيه المؤتمر وذلك للمساهمة في التصدي العملي لانعقاد المؤتمر. كما أعلنت نقابة أعوان المالية بصفاقس عن مقاطعتها لأشغال المؤتمر والتي اعتبرت أن وجود مرشحين من المكتب التنفيذي المتخلي هو في حد ذاته رفض للاعتذار وهروب من تحمل المسؤولية وتحريف لواقع وإيهام للرأي العام النقابي بأن البقية ممن تقاسموا المناصب في المكتب التنفيذي ولم يترشحوا هم سببا في الأزمة والحال أنهم مشتركون فيها.
دعوات إلى التناصف وتعزيز دور النساء
في خضم هذه التوترات، برزت دعوات من الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات إلى ضرورة استغلال المؤتمر لإحداث إصلاحات داخلية تعزز الديمقراطية داخل المنظمة، خاصة فيما يتعلق بتمثيلية النساء. وأكدت رئيستها رجاء الدهماني أن نسبة مشاركة النساء، التي لا تتجاوز 7.5 بالمائة من مجموع النواب، تظل ضعيفة ولا تعكس حضورهن الفعلي داخل القواعد النقابية، داعية إلى دعم المترشحات وتكريس مبدأ التناصف داخل مختلف الهياكل القيادية، بما يجعل من القيادة القادمة نموذجا في المساواة والتمثيلية. وذكرت الجمعية في نداءها بالدستور الذي أقر مبدأ المساواة بين المواطنين والمواطنات، ومبدأي تكافؤ الفرص والتناصف بين النساء والرجال في تحمّل مختلف المسؤوليات وفي جميع المجالات وبالقوانين المنظمة للعمل النقابي وخاصة، مجلة الشغل التي أقرت عدم التمييز بين الجنسين في فصلها الخامس، كما تشير أيضا، إلى النظام الأساسي للمنظمة الذي أكد بدوره على تخصيص مقعدين على الأقل للنساء صلب المكتب التنفيذي الوطني، وبالمكاتب التنفيذية القطاعية والجهوية، وتخصيص مقعد على الأقل، لهن، في هيئات الرقابة الوطنية والقطاعية والجهوية وبباقي الهياكل النقابية.
مشاركة 46 نائبة من مجموع 614 نائبا في المؤتمر
واعتبرت الجمعية أن الوضع الحالي يفرض على الجميع اجتياز مرحلة جديدة، تحقق مزيدا من العدالة والتمثيلية النسائية والاستقلالية والديمقراطية داخل هياكل منظمة حشاد العتيدة. فالنساء النقابيات، يشكّلن جزءا هاما من القواعد النقابية، ويساهمن يوميا في النشاط النقابي رغم كل صعوبات وعوائق النضالات الاجتماعية، غير أنّهن لسن ممثّلات بالقدر الكافي في مواقع اتخاذ القرار. وحسب موقع "الشعب نيوز" من المنتظر أن تشارك في أشغال المؤتمر 46 نائبة من مجموع 614 نائبا أي بنسبة 7.5 بالمائة.
الهيئة الإدارية تضع اللمسات الأخيرة
وقبيل انطلاق المؤتمر بساعات، انعقدت الهيئة الإدارية الوطنية برئاسة نور الدين الطبوبي للنظر في آخر الترتيبات التنظيمية وضمان حسن سير الأشغال، في خطوة تعكس أهمية هذا الموعد والرهانات المعلقة عليه. وقد تم خلال هذا الاجتماع التطرق إلى الجوانب اللوجستية والتنظيمية، إضافة إلى السعي لتوفير الظروف الملائمة لإنجاح المؤتمر رغم التحديات المطروحة. وتعد هذه الهيئة بمثابة اللمسات الأخيرة قبل الدخول في مرحلة الحسم، حيث تتجه الأنظار إلى ما ستفرزه النقاشات والانتخابات من مخرجات قد تحدد مستقبل الاتحاد لسنوات قادمة.
تبقى مخرجات المؤتمر رهينة قدرة مختلف الأطراف على تغليب منطق الحوار والتوافق بما يحفظ وحدة المنظمة وتستعيد دورها الوطني في الدفاع عن حقوق الشغالين.