تشكيل اقتصاداتها تحت ضغط التحولات المناخية، تبدو تونس وكأنها تدخل مرحلة مفصلية تتجاوز منطق الامتثال البيئي إلى رهانات إعادة الهيكلة الصناعية وفي هذا الإطار نظمت منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية والوكالة الوطنية لحماية المحيطANPE، بتونس، ورشة تشاورية وطنية إيذانًا بإطلاق المرحلة الثالثة من خطة إدارة التخلص من مواد الهيدروكلوروفلوروكربون .(PGEH)
مبدئيا المسألة ليست مجرد إعلان تقني، بل خطوة تحمل في طياتها سؤالًا استراتيجيًا فهل يمكن لتحول بيئي محدود الميزانية أن يصبح نقطة ارتكاز لاقتصاد أخضر تنافسي؟
القرار البيئي و العمق الاقتصادي
من حيث الظاهر، قد تبدو المسألة بسيطة وهي التخلص من مواد تبريد مضرة بطبقة الأوزون ومسببة للاحتباس الحراري بحلول سنة 2030. لكن القراءة الاقتصادية العميقة تكشف أن البرنامج يمثل تجربة إصلاح قطاعي شامل، لأن قطاع التبريد وتكييف الهواء ليس قطاعًا معزولًا، بل بنية تحتية خفية تقوم عليها سلاسل إنتاج كاملة، من الصناعات الغذائية إلى الصيد البحري وصولًا إلى الخدمات اللوجستية وأي تغيير في هذا القطاع يعني بالضرورة إعادة تشكيل شبكة واسعة من الأنشطة الاقتصادية المرتبطة به.
والنجاح الذي تحقق خلال المرحلتين الأولى والثانية بين 2014 و2026، والذي أفضى إلى خفض الاستهلاك بنسبة 70٪، يمنح بالتأكيد تونس رصيد مصداقية مهمًا، غير أن هذا النجاح نفسه يطرح تحديًا جديدًا فالمرحلة الثالثة هي الأصعب، لأنها لا تستهدف التخفيض بل الإلغاء الكامل. وهنا يتحول البرنامج من مشروع تحسين تدريجي إلى اختبار لقدرة الاقتصاد الوطني على بلوغ نقطة الصفر في استخدام مادة صناعية كانت لعقود عنصرًا أساسيًا في البنية التقنية للقطاع.
إن المرحلة الجديدة تمثل تحولًا هيكليًا دائمًا يعبّر عن إدراك رسمي لطبيعة الرهان، و التحول الهيكلي في المفهوم الاقتصادي لا يعني فقط استبدال تكنولوجيا بأخرى، بل إعادة توزيع القيمة داخل السوق، وخلق وظائف جديدة، وإعادة تعريف المهارات المطلوبة. وهذا ما يجعل الخطة أقرب إلى سياسة صناعية خضراء غير معلنة منها إلى مشروع بيئي تقليدي.
اقتصاد المعرفة بدل اقتصاد المعدات
اللافت في هذا المشروع اقتصاديًا، أن ميزانية المرحلة الثالثة لا تتجاوز 1،12مليون دولار، وهو مبلغ محدود مقارنة بحجم القطاع. غير أن هذا الرقم يعكس فلسفة مختلفة في إدارة التحول بمعنى الاستثمار في المعرفة بدل المعدات، فالمحور الأساسي للخطة يتمثل في التكوين والاعتماد المهني وإعادة تأهيل مراكز التدريب، وخاصة المركز القطاعي في القيروان، بما يسمح بتأهيل فنيين قادرين على التعامل مع المبردات الطبيعية مثل الأمونيا وثاني أكسيد الكربون. هذه المقاربة تعكس فهمًا متقدمًا لاقتصاديات الانتقال الطاقي، حيث يصبح رأس المال البشري أهم من رأس المال المادي، والسوق كعامل حاسم في نجاح الانتقال.
إن الرهان الحقيقي لا يكمن في التدريب وحده، بل في قدرة السوق على استيعاب هذا التحول، فنجاح أي انتقال تكنولوجي هو بالأساس مرتبط بمدى استعداد المؤسسات للاستثمار في تحديث معداتها، وهو أمر يتأثر بعوامل الكلفة والتمويل والطلب، وهنا تظهر أهمية المشاريع النموذجية التي ستُنفذ في قطاعات مثل الصيد البحري والصناعات الغذائية، لأنها تعمل كمختبرات تطبيقية تُثبت جدوى الحلول الجديدة عمليًا، وتقلص مخاطر التردد لدى المستثمرين.
يكتسب البرنامج أهمية مضاعفة، فالأسواق العالمية، خصوصًا الأوروبية، تتجه بسرعة نحو فرض معايير بيئية صارمة على الواردات. وبالتالي فإن تحديث أنظمة التبريد في الصناعات التونسية لا يحمي المناخ فقط، بل يحمي أيضًا قدرة المنتجات الوطنية على النفاذ إلى الأسواق الخارجية. بهذا المعنى يصبح الامتثال البيئي شرطًا تجاريًا، لا مجرد التزام قانوني.
التحديات القائمة
رغم المؤشرات الإيجابية، تظل عدة تساؤلات مطروحة، أولها قدرة المنظومة التمويلية المحلية على مواكبة التحول، إذ أن تحديث المعدات الصناعية يتطلب استثمارات قد تفوق إمكانات المؤسسات الصغيرة والمتوسطة. وثانيها سرعة التكيف المهني، لأن نجاح البرنامج مشروط بوجود عدد كافٍ من الفنيين المؤهلين قبل حلول موعد الإلغاء النهائي. أما التحدي الثالث فيكمن في استدامة الزخم السياسي والمؤسساتي، إذ إن التحولات الهيكلية تحتاج إلى استمرارية في السياسات تتجاوز الدورات الإدارية القصيرة.
في الواقع فإن المؤشرات العامة توحي بأن تونس تحاول استباق المستقبل بدل انتظار ضغوطه. فالانتقال من مواد HCFC إلى بدائل طبيعية ليس مجرد إجراء تقني، بل خطوة نحو الاندماج في الاقتصاد العالمي منخفض الكربون، وهو اقتصاد يتشكل بسرعة وسيحدد موازين التنافس خلال العقود القادمة. كما أن هذه التجربة تقدم نموذجًا مغايرًا للصورة النمطية عن السياسات البيئية في الدول النامية، إذ تبدو أقرب إلى شراكة دولية تُستثمر لتحقيق مكاسب داخلية.
في النهاية يمكن أن نجزم بأن
ما يجري اليوم ليس مجرد التخلص من مادة كيميائية، بل إعادة تعريف لدور السياسة البيئية في التنمية الاقتصادية. وإذا نجحت تونس في بلوغ هدف 2030، فإنها لن تحقق إنجازًا بيئيًا فحسب، بل ستبرهن أن التحول الأخضر يمكن أن يكون أداة للنهوض الصناعي لا عبئًا عليه. عندها فقط سيتحوّل السؤال من هل تستطيع الدول النامية مواكبة التحول المناخي؟ إلى سؤال أكثر جرأة وهو من سيقود المرحلة القادمة من هذا التحول ؟