Print this page

الحرب الروسية الأوكرانية تدخل عامها الخامس صراع السيادة والأرض وإعادة رسم التوازنات الدولية

مع دخول النزاع الروسي-الأوكراني عامه الخامس

اليوم 24 فيفري 2026، أصبح الصراع أكثر من مجرد مواجهة عسكرية بين دولتين، فهو-وفق مراقبين- صراع متعدد الأبعاد يمتد إلى السياسة الدولية، الاقتصاد العالمي، والأمن الإقليمي، ليعيد تشكيل التحالفات والمصالح على مستوى العالم. منذ اندلاع الحرب في24 فيفري 2022، تكبدت أوكرانيا خسائر بشرية وبنيوية ضخمة، حيث شهدت تدميرا واسعا للبنية التحتية الحيوية، بما في ذلك المصانع وشبكات الكهرباء والمواصلات، كما أدى القتال المستمر إلى نزوح ملايين المدنيين وتراجع كبير في الإنتاج الصناعي، بالإضافة إلى تدهور القدرة العسكرية بسبب نقص الجنود والمعدات. في المقابل، رغم العقوبات الغربية القاسية والضغوط الاقتصادية والخسائر أيضا المادية والمعنوية، أعادت روسيا جزئيا هيكلة اقتصادها، وتوسيع شراكاتها مع دول غير غربية، مع الحفاظ على وجودها العسكري في المناطق التي تحتلها.
ووفق محللين ظل الجانب السياسي من النزاع معقدا وغير حاسم حتى الآن، إذ طرحت الإدارة الأمريكية تصورا أو مبادرة لإنهاء الحرب يقوم على تنازل أوكرانيا عن بعض أراضيها مقابل ضمانات أمنية غربية، وهو اقتراح يواجه رفضا واضحا من القيادة الأوكرانية التي تؤكد أن أي تنازل يجب أن يكون مشروطًا بحماية فعالة لسيادتها وحقوقها.
من جهتها، لم تتراجع روسيا عن أهدافها الإستراتيجية، خاصة في إقليم ''دونباس'' والمناطق المحيطة، حيث تعتبر أي تنازل عنها أمرا غير قابل للنقاش، ما يجعل أي اتفاق مستقبلي هشا ومعرضا للانهيار بمجرد تغير الظروف الميدانية أو الضغوط السياسية.
اقتصاديا، يرى مراقبون أن الحرب أحدثت اضطرابا واسعا في الأسواق العالمية، لاسيما في قطاع الطاقة والغذاء.إذ تواجه أوروبا ارتفاعا ملحوظا في أسعار الغاز والنفط، وأثرت الحرب على سلاسل الإمداد بشكل مباشر، مما زاد الضغوط التضخمية على اقتصاداتها. بالمقابل، استفادت بعض القوى الصاعدة مثل الصين والهند من الطاقة الروسية الرخيصة لتعزيز نموها الاقتصادي، ما يعكس التباين الكبير في انعكاسات الحرب على الاقتصاد العالمي. كما عززت دول الخليج أيضا مكانتها كمركز بديل للطاقة والخدمات اللوجستية، ما فتح فرصا للاستثمار في البنية التحتية والتجارة بين الشرق والغرب، مؤكدة أن الصراع لم يعد محليا أو إقليميا فقط، بل أصبح عاملا مؤثرا في إعادة تشكيل التجارة والطاقة الدولية.
تداعيات كبرى
على الصعيد العسكري، تبدو الحرب اليوم أقرب إلى صراع استنزافي طويل الأمد. إذ تعتمد القوات الأوكرانية بشكل متزايد على الطائرات المسيّرة لتعويض نقصها في الجنود والمعدات، في حين تراهن روسيا على استنزاف الجيش الأوكراني وفرض واقع جديد على الأرض. القصف المستمر للبنية التحتية للطاقة يجعل المدن الأوكرانية تواجه موجات من الظلام والبرد، وهو ما يزيد من الضغوط الإنسانية ويعمّق أزمة السكان المدنيين، ويضيف بعدا جديدا لصعوبة إنهاء الحرب.
ووفق تقارير تشير نتائج الحرب حتى الآن إلى تغييرات إستراتيجية كبيرة، أوكرانيا تكبدت خسائر بشرية وبنيوية ضخمة، لكنها احتفظت بدعم غربي مستمر ساعدها على الصمود ومواصلة الدفاع عن أراضيها. ونجحت روسيا جزئيا في تحقيق أهدافها الإقليمية، لكنها تواجه تحديات اقتصادية طويلة الأمد بسبب العقوبات وتكاليف الحرب المستمرة، رغم استفادتها من شراكات اقتصادية مع دول غير غربية لتخفيف آثار العقوبات. على الصعيد الدولي، أدت الحرب إلى إعادة ترتيب التحالفات والمصالح، حيث أصبح الشرق الأقصى وأوروبا أكثر حساسية لتقلبات أسواق الطاقة والغذاء، فيما باتت القوى الصاعدة أكثر قدرة على استثمار الفرص الاقتصادية الناتجة عن النزاع.
كما امتدت تداعيات الحرب أيضا إلى البنية الاجتماعية والسياسية في أوكرانيا وروسيا، حيث أضعفت النزاعات الداخلية وأدت إلى نزوح واسع للمدنيين، كما أثرت على تماسك المجتمعات المحلية، مما يزيد صعوبة التعافي بعد انتهاء الحرب. في روسيا، تسببت العقوبات وضغوط الحرب في ارتفاع تكاليف المعيشة وتباطؤ النمو، مما قد يخلق ضغوطًا سياسية واجتماعية مستقبلية. وفي أوكرانيا، أدت الخسائر الاقتصادية والبشرية إلى زيادة الحاجة للدعم الدولي، مع استمرار الاعتماد على المساعدات العسكرية والإنسانية الغربية.
مع استمرار هذه الديناميكيات، يبقى عام 2026 -وفق متابعين- عاما مفتوح الاحتمالات. فالسيناريو الأكثر ترجيحا هو استمرار الحرب بوتيرة منخفضة إلى متوسطة، مع احتمال حدوث تصعيد محدود في مناطق محددة، كما قد تشهد الفترة القادمة مفاوضات تؤدي إلى تجميد الصراع دون حل نهائي. كما يلوج محللون باحتمال أن تضطر أوكرانيا لتقديم تنازلات محدودة مقابل السلام، في حين قد تتراجع روسيا جزئيا تحت ضغط اقتصادي وسياسي دولي متزايد.
كل خيار من هذه الخيارات يحمل انعكاسات عميقة على استقرار الأسواق، الأمن الإقليمي، وسياسات الطاقة العالمية، مؤكدًا أن نتائج الحرب حتى الآن لن تكون محلية أو إقليمية فقط، بل ستترك بصمة على التوازنات الاقتصادية والجيوسياسية العالمية لعقود قادمة.في النهاية، يبقى النزاع نموذجا صارخا لتشابك الأبعاد العسكرية والسياسية والاقتصادية في الحروب الحديثة، حيث تتداخل مصالح القوى الكبرى مع مصالح الدول المتأثرة مباشرة بالنزاع، ويصبح الاستقرار العالمي مرتبطًا ليس فقط بنهاية الحرب، بل بمدى قدرة المجتمع الدولي على فرض حلول عملية ومستدامة، مع مراعاة مصلحة جميع الأطراف المعنية، والتعامل مع الآثار الاقتصادية والاجتماعية الطويلة الأمد للصراع.

دعم لأوكرانيا وعقوبات على روسيا
هذا واجتمع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في بروكسل أمس لمناقشة قرض جديد لكييف وحزمة العقوبات العشرين على روسيا بسبب الحرب في أوكرانيا.
وكان القرض البالغ قيمته 90 مليار يورو (106 مليار دولار) قد تمت الموافقة عليه مبدئيا في ديسمبر ووافق عليه البرلمان الأوروبي. ويهدف هذا التمويل إلى تلبية الاحتياجات المالية للحكومة الأوكرانية حتى نهاية عام 2027، مما يمكنها من مواصلة مقاومة موسكو. ومع ذلك، أعلن وزير الخارجية المجري بيتر سيارتو يوم الجمعة أن بودابست ستعطل القرض ما لم يتم استئناف تصدير النفط الروسي إلى المجر عبر خط أنابيب دروجبا.
وتقول مصادر أوكرانية إن تدفق النفط انقطع بسبب القصف الروسي منذ نهاية جانفي الماضي. وتتهم المجر وسلوفاكيا، التي لا تزال تتلقى النفط الروسي عبر خط الأنابيب، القيادة الأوكرانية بتعمد منع استئناف التسليم. ومن المرجح أيضا أن تركز المناقشات على حزمة العقوبات العشرين على روسيا، بما في ذلك حظر الخدمات البحرية المتعلقة بصادرات النفط الخام الروسي.
وإلى جانب الإجراءات التي تستهدف صادرات الوقود الأحفوري الروسي، اقترحت المفوضية الأوروبية أيضا قيودا مالية إضافية لزيادة تقييد قدرة روسيا على إجراء مدفوعات دولية لتمويل الأنشطة الاقتصادية.

المشاركة في هذا المقال