Print this page

بين خيوط الضوء وذاكرة الخشب: فنون العرائس… لغة الخيال التي تبني العقول!

هي عرائس من خشب وقماش، من أشكال وألوان

من ظلّ ونور... لكن خلف المواد البسيطة تختبئ حكايات طويلة تُحدّث عن صبر حرفيين، ومهارة فنانين آمنوا أن الدمية ليست لعبة بل مرآة صغيرة يرى فيها الإنسان نفسه. وما إن يدخل الزائر بهو مدينة الثقافة مع انطلاق أيام قرطاج لفنون العرائس حتى يتحرر الوقت من خطه المستقيم، ويتخذ شكل دائرة مفتوحة من ضحكات صادقة، وأغان بعيدة، ووجوه بريئة...

هناك، في معرض الماريونات ضمن أيام قرطاج لفنون العرائس، بدت الدمى ككائنات معلقة بين الواقع والحلم. تتدلّى بخفّة وتتحرك في مرح، كأنها أنهت عرضها للتوّ وما زالت تحتفظ بحرارة التصفيق في أطراف خيوطها.
"معرض الماريونات"... جسر بين الطفولة والثقافة
هي وجوه تنطق دون صوت، في ملامحها شيء من البشر، وفي ألوانها وتعدد خاماتها كثير من الإبداع... فتصبح العرائس مرايا صغيرة للإنسان.
في معرض الماريونات، يتوقف الزائر طويلا أمام الأجنحة المدهشة والجذابة ... وكأننّا بالدمى قد انفلتت من ذاكرة بيت قديم أو من صندوق ألعاب خشبي أو من حكاية كانت الجدّات ترويها قبل النوم. كان الزوار، صغارا وكبارا يلتقطون الصور، ويشترون عروسا للذكرى، ويتأملون الحرفيين وهم يصنعون العرائس في مختلف أحجامها وأشكالها... دون أن ينتبهوا إلى مرور الوقت. فالمعرض لا يقدّم عرائس للفرجة أو للشراء فقط، بل يتيح فرصة نادرة بأن يلتقي الإنسان بطفله الداخلي، ذاك الذي نسي أن يكبر !
في تفاصيل صغيرة على غرار زرّ لامع أو جديلة دقيقة أو عين مرسومة بعناية ... تختبئ دهشة طفولة كاملة، تنتظر من يلمحها. ولعل سر بقاء فنن العرائس ملهما وجاذبا للكهول وللأطفال هو ذلك الإحساس الخفي بأن الدمى يمكن أن تتكلّم.. وأن تنطق بما عجز عنه لسان البشر !
احتفاء ووفاء في معرض الخمسينية التوثيقي
غير بعيد عن هذا العالم الملوّن، يفتح المركز الوطني لفن العرائس بابا آخر يستعيد 50 عاما من التاريخ والذاكرة، من الانجازات والذكريات في معرض الخمسينية احتفالا بمرور نصف قرن على تأسيس المركز الوطني لفن العرائس.
هذا المعرض التوثيقي الذي أشرف على إعداده خالد الشيخ يجعل من الصور والوثائق والعرائس القديمة كائنات حيّة، تنهض من صمتها لتروي ما عاشته. خمسون عاما من الضوء خلف الستار، من أياد حرّكت الدمى واختفت، من أصوات فنانين منحوا دماهم الحياة ثم عادوا إلى الظلّ.
هي صور قديمة وملصقات عروض ووثائق ونماذج من دمى عبرت أجيالا... جعلت من المعرض التوثيقي الذي أشرف على إعداده خالد الشيخ لا يقدّم تاريخا جامدا، بل حكاية مستمرة في الذاكرة الجماعية بين الماضي البعيد والحاضر القريب واستشراف المستقبل.
يوثّق المعرض تحوّل الأساليب والتقنيات، لكن الأهم أنه يكشف ثبات الإبداع والإيمان بقيمة فنون العرائس في أبعادها الفكرية والجمالية والفنية. من جيل إلى آخر، ظلّ هذا الفن وفيّا لرسالته بأن يفتح نافذة صغيرة نحو الخيال، وأن يخفّف عن الإنسان ثقله اليومي.
هو احتفاء بالخمسينية لكنه أيضا فعل وفاء، وفاء لفنانين مرّوا من هنا وتركوا شيئا من أرواحهم في خشب الدمى، ووفاء لطفولة أجيال تعلّمت عبر خيط رفيع وصوت قادم من خلف الستار أنّ العالم يمكن أن يكون أوسع وأجمل ممّا يبدو.
مؤطر 1:
أيام قرطاج لفنون العرائس تستضيف مقيمين بمؤسسة رعاية المسنين بڨمرت
في مواكبة لعرض "الرحلة" لحبيبة الجندوبي بمدينة الثقافة، كان حضور بعض المقيمين بمؤسسة رعاية المسنين المرحوم الصادق إدريس بڨمرت أشبه برحلة موازية داخل ذاكرتهم ووجدانهم. لا شك أنهم دخلوا القاعة بخطوات هادئة أثقلتها السنوات، لكن عيونهم كانت تلمع بفضول طفل يكتشف العالم من جديد. ومع انطلاق عرض "الرحلة" الذي يروي ملحمة امرأة في مواجهة السرطان وفي التمسك بالحياة، لابد أنهم استعادوا حكايات ألم مقاوم، وإصرار لم ينطفئ. كانت المشاهد تمرّ أمامهم، وفي داخلهم توقظ مشاهد أخرى تستعيد وجوه أحبّة أو غرف مستشفيات أو لحظات ضعف أو فصول من عناد الحياة. إنّه نبل فن العرائس- بخفته وعمقه في آن واحد- الذي فتح لهم نافذة على زمن بعيد ولمس فيه الحنين وذّكرهم بأنّ الحياة مهما ضاقت تظلّ تمسك بخيط رفيع من بصيص الأمل.
مؤطر2 :
لأول مرة... مسابقة "القارئ الجيد" بثلاث لغات
في قلب الدورة السابعة لأيام قرطاج لفنون العرائس، وفي معرض الماريونات حيث تزهو العرائس بأشكالها المتنوعة، انطلقت مسابقة "القارئ الجيد" لأول مرة، بتنظيم من دار مطر وبشراكة مع جمعية مهرجان المطالعة وفرست ستاب أكاديمي والمركز الوطني لفن العرائس.وقد تجاوز العدد الإجمالي للمشتركين ألف مشارك باللغات الثلاث العربية والفرنسية والإنجليزية.
وما بين صفحات الكتب وحكايات العرائس، تنتظر الفائزين جائزة تحلق بهم إلى عالم جديد وتتمثل رحلة استطلاعية على متن طائرة سياحية مقدمة من شركة "فلاينيابوليس"، لتصبح القراءة مغامرة حقيقية لا تُنسى.

المشاركة في هذا المقال