Print this page

الدراما العربية في قبضة "المؤثرين": من يحمي الفن في زمن الشهرة السريعة؟

في قرار أعاد إلى الواجهة سؤالا قديما متجدّدا

عن من يضع قواعد اللعبة الفنية اليوم؟ النقابات أم المنصات؟ الفنانين المحترفين أم وجوه وسائل التواصل الاجتماعي؟ أعلنت نقابة المهن التمثيلية المصرية بإيقاف مسلسل "روحOFF " ومنعه من العرض في الموسم الرمضاني 2026. يتجاوز قرار النقابة مجرد إجراء إداري عابر ليمثل رسالة واضحة وصارمة في وجه زمن باتت فيه الدراما تُدار بعدّاد المتابعات لا بميزان الموهبة.

لم تكتفِ النقابة المصرية، في بيانها الرسمي، بقرار الإيقاف، بل شددت على أنّ القرار نهائي ولا رجعة فيه، بعد سلسلة من التنبيهات التي وُجّهت لمنتج العمل بسبب مخالفات صريحة للوائح المنظمة للمهنة، كان أبرزها التعاقد مع "بلوڤر" دون تصاريح قانونية..

تبدو المسألة، في ظاهرها، متعلقة بمخالفة قانونية تتعلق بالاستعانة بوجوه غير مسجلة في النقابة. لكن في عمقها، هي مواجهة مباشرة بين مفهومين متناقضين: الفن كمهنة لها شروط ومسؤوليات، والفن كمنتج سريع يُصنَع على مقاس «الترند». في هذا السياق، تبدو النقابة وكأنها تقف في وجه موجة جارفة تحاول اختزال التمثيل في "الحضور" و"الانتشار" على وسائل التواصل الاجتماعي في تجاهل لشروط الموهبة والاحتراف والخبرة...

في مصر، تحاول النقابة لعب دور «حارس المهنة». من التنبيه، إلى التحذير، ثم الإيقاف، تسلسل يعكس إصرارا على أن التمثيل ليس مساحة مفتوحة لكل من حصد مشاهدات، وأنّ الطريق إلى الشاشة يمر عبر التكوين، والالتزام، والشرعية المهنية.

في المقابل، إذا انتقلنا إلى تونس، يتبدّل المشهد بالكامل. هنا، لا يُطرح السؤال: «هل هذا الممثل جيّد؟» بل: «كم عدد متابعيه؟». وهكذا تتسلل أسماء صاعدة من إنستغرام وتيك توك تجد نفسها فجأة في أدوار محورية داخل مسلسلات رمضانية أو حتى برامج طبخ، لا لشيء سوى قدرتها على جلب التفاعل. هكذا تتحوّل الدراما إلى امتداد لمنصات التواصل، وتُكتب بعض الأدوار وكأنها «ريلز» طويلة وسريعة وخفيفة الاستهلاك.

تتعدد الأمثلة لأعمال راهنت على "وجوه رقمية" حققت ضجيجا عند العرض الأول، لكنها سرعان ما سقطت فنيا، لأن الكاريزما الافتراضية لا تصمد أمام الكاميرا الدرامية، ولأن التمثيل ليس «ستوري» مدته 15 ثانية، بل بناء نفس طويل، وحرفة معقدة وعمر من التعب والعرق والتضحيات....

هذا التوجه الذي فرضته الخوازرميات لا يظلم الفن فقط، بل يظلم حتى المؤثرين أنفسهم. فيُدفع بهم إلى مساحات لا تشبههم، ويُحمّلون مسؤوليات ليسوا أهلا لها ، فيتحولون إلى مادة للسخرية بدل أن يكونوا إضافة حقيقية. أما الممثلون المحترفون، فيجدون أنفسهم خارج اللعبة، لأنهم لا يجيدون اللعب مع نجوم من ورق صنعهم السوق.
من المنطقي أنّ المنتج يبحث عن نسب المشاهدة، والمشاهدة تجلب الإعلان، والإعلان يضمن الاستمرار. لكن الخطر الحقيقي يكمن في تحوّل الدراما من فعل ثقافي إلى مجرد منتج استهلاكي سريع، تُقاس قيمته بعدد "اللايكات" لا بعمق الأثر وجمالياته وطرحه للقضايا... وحين تصبح الشهرة شرطا سابقا للفن لا نتيجة له، تلتهم الصناعة الدرامية نفسها ببطء.
في النهاية، يبقى السؤال الأخطر معلقا:هل نحتاج دراما تُشاهد فقط… أم دراما تُشاهد وتؤثر وتغير وتبقى في البال والوجدان؟

 

المشاركة في هذا المقال