Print this page

من الطاقات النظيفة إلى معادلة الاستثمار: منحة الاتحاد الأوروبي ومسار في زمن تتراجع فيه الحدود بين السياسات البيئية

في زمن تتراجع فيه الحدود بين السياسات البيئية

والخيارات الاقتصادية، لم تعد الطاقات النظيفة ملفًا تقنيًا محصورًا في دوائر المناخ، بل أصبحت جزءًا من معادلة الاستقرار المالي، وأمن الإمدادات، وجاذبية الاستثمار. في هذا السياق، جاء البلاغ الصادر بتاريخ 15 جانفي 2026 عن الاتحاد الأوروبي، معلنًا تخصيص 35.8 مليون يورو لدعم الانتقال الطاقي في تونس ضمن برنامج “البوابة العالمية” (Global Gateway)، ليطرح سؤالًا يتجاوز قيمة المنحة نفسها هل تمثل هذه الخطوة بداية لتحول هيكلي في تمويل قطاع الطاقة، أم مجرد دعم محدود ضمن مسار أطول وأكثر تعقيدًا؟

استجابة لضغوط اقتصادية ام التزامًا بيئيًا

تواجه تونس منذ سنوات تحديات متزايدة في ملف الطاقة، ترتبط بارتفاع كلفة الاستيراد، وتزايد الطلب الداخلي على الكهرباء، وضغوط الميزان الطاقي على المالية العمومية. في هذا السياق، تبدو الطاقات المتجددة خيارًا اقتصاديًا بقدر ما هي خيار بيئي. الهدف الوطني المعلن، والمتمثل في بلوغ 35% من إنتاج الكهرباء من مصادر متجددة بحلول عام 2030، يعكس هذا التوجه، لكنه في الوقت ذاته يكشف حجم الفجوة بين الطموح والقدرة التنفيذية.
يتمركز هذا الهدف في إطار شراكة مالية تهدف إلى تسريع تطوير مشاريع الإنتاج والبنية التحتية الكهربائية. غير أن السؤال المركزي يبقى متعلقًا بمدى قدرة هذا النوع من الدعم على معالجة الإشكاليات الهيكلية التي تعيق الاستثمار الطاقي، من تعقيد الإجراءات إلى محدودية التمويل طويل الأجل.
وفق المعطيات الواردة في البلاغ، وقّع الاتحاد الأوروبي اتفاقيتي مساهمة مع البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية بقيمة 20،4 مليون يورو، ومع البنك الأوروبي للاستثمار بقيمة 15،4 مليون يورو. الهدف المعلن هو تحسين الجدوى المالية لمشاريع الطاقة المتجددة والبنية التحتية المرتبطة بها، بما يسمح بتعبئة تمويلات إضافية من مؤسسات دولية ومستثمرين من القطاع الخاص.
هذا النموذج يعكس تحولًا في فلسفة الدعم الخارجي، حيث لا تُستخدم المنح لتمويل المشاريع بشكل مباشر، بل لتقليل المخاطر المرتبطة بها، سواء من حيث العائدات أو الإطار التنظيمي أو قدرة الشبكة على استيعاب الإنتاج. وبهذا المعنى، يصبح نجاح هذه الحزمة مرتبطًا بمدى استعداد السوق المحلية لاستقبال استثمارات أكبر، وبقدرة المؤسسات على ضمان استقرار القواعد التي تحكم قطاع الكهرباء.

من التعهدات إلى المشاريع
تشير البيانات إلى أن الاستثمارات الأولية ستفضي إلى تطوير قدرة شمسية إجمالية تبلغ 400 ميغاواط موزعة بين سيدي بوزيد وقفصة. من أبرز هذه المشاريع محطة فوتوفولطية بقدرة 100 ميغاواط في سيدي بوزيد تطورها شركتا Aeolus وScatec، إضافة إلى محفظة مشاريع بقدرة 300 ميغاواط في ولاية قفصة تقودها شركة Qair.
من الناحية التقنية، تمثل هذه القدرات خطوة مهمة في مسار تنويع مزيج الكهرباء. غير أن مقارنتها بحجم الاستهلاك الوطني والأهداف المعلنة تكشف أن الأثر الكلي سيظل محدودًا ما لم يترافق مع موجات استثمارية متتالية. فالانتقال من مشاريع منفردة إلى منظومة إنتاج واسعة يتطلب ليس فقط تمويلًا إضافيًا، بل قدرة مؤسسية على التخطيط، والربط، وإدارة التوسع بشكل متدرج ومستدام.
تعتبرالشبكة الكهربائية كعنصر حاسم في المعادلة الاقتصادية
حيث ان أحد المحاور الأساسية في هذا الدعم الأوروبي هو تمويل تحديث وربط الشبكة الكهربائية، بما في ذلك المساهمة في تجهيز مشروع الربط البحري ELMED مع أوروبا. هذا البعد يعكس إدراكًا بأن الطاقة المتجددة لا تتحول إلى قيمة اقتصادية فعلية دون شبكة قادرة على نقلها وتوزيعها بكفاءة واستقرار.
اقتصاديًا، يمثل هذا التوجه محاولة لمعالجة إحدى أبرز نقاط الضعف في قطاع الكهرباء، والمتمثلة في محدودية قدرة الشبكة على استيعاب إنتاج متذبذب بطبيعته مثل الطاقة الشمسية والريحية. غير أن تطوير البنية التحتية يظل عملية طويلة الأمد، تتطلب إصلاحات تنظيمية واستثمارات تتجاوز بكثير قيمة المنحة الحالية.
الشراكة الأوروبية في سياق إقليمي أوسع
يندرج هذا التمويل ضمن مبادرة “البوابة العالمية”، التي تمثل الإطار العام لحزمة استثمارات الاتحاد الأوروبي في إفريقيا وأوروبا. في هذا السياق، لا يقتصر الدعم على البعد الوطني التونسي، بل يرتبط برؤية أوسع تهدف إلى تعزيز الترابط الطاقي في منطقة البحر الأبيض المتوسط.
بالنسبة لتونس، يفتح هذا الإطار إمكانيات للاندماج في شبكات كهرباء إقليمية، بما قد يوفر على المدى الطويل مرونة أكبر في الإمدادات وفرصًا لتبادل الطاقة. غير أن هذا الاندماج يطرح أيضًا تحديات تتعلق بمواءمة التشريعات والمعايير التقنية مع شركاء خارجيين، وهو مسار يتطلب وقتًا واستقرارًا مؤسسيًا.
أثر اقتصادي مشروط بقدرة التنفيذ
على المدى القصير، من غير المرجح أن تُحدث هذه المنحة تحولًا مباشرًا في كلفة الكهرباء أو في وضعية الميزان الطاقي. أما على المدى المتوسط، فإن قيمتها الحقيقية ستُقاس بقدرتها على تحفيز استثمارات إضافية وتحويل المشاريع المدعومة إلى نماذج قابلة للتكرار والتمويل التجاري.
المتغير الحاسم في هذا السياق لا يتعلق فقط بحجم التمويل الخارجي، بل بسرعة إنجاز المشاريع، ووضوح الإطار القانوني، وقدرة المؤسسات على إدارة العلاقة بين القطاع العام والمستثمرين الخواص.

لقد دخل ملف الطاقات النظيفة في تونس مرحلة لم تعد فيها الأسئلة بيئية فقط، بل اقتصادية ومؤسسية في المقام الأول. المنحة الأوروبية، بقيمتها المحدودة نسبيًا، تضع أساس اختبار أوسع: هل يمكن تحويل الانتقال الطاقي إلى مسار استثماري مستدام، قادر على استقطاب رأس المال طويل الأجل، وتخفيف العبء عن المالية العمومية، وتعزيز أمن الطاقة في آن واحد؟
الإجابة عن هذا السؤال ستتحدد في نصوص الاتفاقيات و في قدرة التنفيذ على الأرض، وفي مدى نجاح تونس في تحويل الدعم الخارجي من دفعة ظرفية إلى جزء من منظومة تمويلية مستقرة تعيد رسم علاقتها بقطاع الطاقة في السنوات المقبلة.

 

المشاركة في هذا المقال