بعد تجدد الاشتباكات بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية المعروفة بـ''قسد'' في كل من حي الشيخ مقصود وحي الأشرفية، وهما من أكثر المناطق اكتظاظا بالسكان في الجهة الشمالية من المدينة. ويأتي هذا التطور وسط تبادل للاتهامات بين الطرفين بشأن استهداف المدنيين، وتحذيرات رسمية تتعلق بالممرات الآمنة المعلنة لخروج السكان.
وأفادت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) بأن قوات سوريا الديمقراطية استهدفت مواقع في مدينة حلب باستخدام المدفعية والرشاشات الثقيلة، مشيرة إلى أن القصف طال حي الشيخ طه، إضافة إلى مناطق في الليرمون ودوار شيحان. في المقابل، قال مصدر عسكري سوري أن الجيش السوري نفذ ضربات استهدفت نقاطًا تابعة لقوات قسد داخل حيي الشيخ مقصود والأشرفية، موضحا أن هذه الضربات طالت تمركزات لقناصين ومواقع لأسلحة رشاشة ثقيلة، في إطار ما وصفه المصدر بالرد على مصادر النيران.
من جهتها، قدّمت قوات سوريا الديمقراطية رواية مغايرة، إذ قال مكتبها الإعلامي إن القوات الحكومية السورية تواصل، لليوم الثالث على التوالي، قصف الأحياء السكنية في حي الأشرفية باستخدام المدفعية والدبابات، معتبرا أن ما يجري يمثل ''تصعيدا خطيرا'' يستهدف مناطق مأهولة بالمدنيين.
نقطة خلاف جديدة
في موازاة التطورات العسكرية، برز ملف المدنيين العالقين في مناطق الاشتباك كأحد أبرز عناصر التوتر. فقد أعلن الجيش السوري تحذيره لقوات قسد من استهداف المدنيين الراغبين في الخروج عبر الممرات الآمنة التي قالت محافظة حلب إنها فتحتها لتسهيل مغادرة السكان.
وأكدت القيادة العسكرية السورية أنها تعمل على تأمين المدنيين الراغبين في الخروج من الأحياء المتأثرة بالاشتباكات، معتبرة أن هذه الخطوة تأتي في سياق حماية السكان من ''الانتهاكات'' داخل المناطق الخاضعة لسيطرة قسد، وفق توصيفها.في المقابل، لم تصدر تفاصيل واضحة من جانب قوات سوريا الديمقراطية بشأن طبيعة هذه الممرات أو آليات الإشراف عليها، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول الضمانات الفعلية لأمن المدنيين، ومدى ثقة السكان المحليين بهذه الإجراءات في ظل تاريخ طويل من الحصار المتبادل والتجاذبات العسكرية.
خصوصية أمنية وسياسية
تكتسب أحياء الشيخ مقصود والأشرفية أهمية خاصة في المشهد الحلبي، نظرا لتركيبتها السكانية وموقعها الجغرافي، فضلا عن كونها خضعت خلال السنوات الماضية لترتيبات أمنية معقدة، شملت تفاهمات غير معلنة ووقف إطلاق نار هش بين الجيش السوري وقوات قسد.
وغالبا ما كانت هذه الأحياء تشهد توترات متقطعة، سرعان ما يتم احتواؤها عبر وساطات محلية أو تدخلات من أطراف أخرى فاعلة على الأرض. إلا أن تجدد الاشتباكات الحالية، واستمرارها لعدة أيام، يثير مخاوف من انزلاق الوضع إلى مواجهة أوسع قد تنعكس تداعياتها على كامل مدينة حلب.
ووفق تقارير يبقى المدنيون الطرف الأكثر تضررا من هذا التصعيد، في ظل تضارب الروايات حول المسؤولية عن القصف، وصعوبة التحقق المستقل من طبيعة الأهداف المصابة. ومع استمرار استخدام الأسلحة الثقيلة في مناطق مأهولة، تتزايد المخاوف من سقوط ضحايا مدنيين أو موجات نزوح جديدة داخل المدينة، التي لا تزال تعاني أصلًا من آثار الحرب الطويلة والأوضاع المعيشية الصعبة.
وفي ظلّ غياب بيانات موحدة أو آليات رقابة محايدة، يبقى المشهد مفتوحا على احتمالات متعددة، تتراوح بين العودة إلى تفاهمات تهدئة سابقة، أو استمرار التصعيد بوتيرة متقطعة، يدفع ثمنها الأكبر السكان المحليين.
ويرى مراقبون أن التصعيد الأخير في أحياء حلب الشمالية يعكس تعقيد المشهد العسكري والسياسي في سوريا، حيث تتداخل الحسابات الأمنية مع الاعتبارات الإنسانية. وبين تحذيرات الجيش السوري، واتهامات قوات قسد، تبقى الحاجة ملحّة إلى إجراءات تضمن حماية المدنيين وتحييدهم عن الصراع، باعتبارهم الحلقة الأضعف في نزاع لم تنته فصوله بعد.