Print this page

مفاوضات قد ترسم مستقبل الحرب والسلام ما الذي تخفيه القمة المحتملة بين بوتين وترامب؟

تعيش العلاقات بين موسكو وواشنطن لحظة دقيقة

تتجاوز حدود اللقاءات البروتوكولية إلى مرحلة إعادة هندسة قواعد الاشتباك السياسي والدبلوماسي، في ظل ترتيبات جارية لعقد لقاء مرتقب بين الرئيسين فلاديمير بوتين ودونالد ترامب. ورغم أن موعد القمة لم يحسم بعد، فإن المؤشرات التي تتوالى من العاصمتين تؤكد أن ثمة عملا دؤوبا يجري خلف الستار، يقوده خبراء ومسؤولون من الطرفين بهدف بناء أرضية صلبة تسمح بأن يكون اللقاء مفصلياً وذا نتائج ملموسة.
وكشفت تصريحات المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف بشأن العمل على مستوى الخبراء طبيعة المرحلة التي تمرّ بها العلاقات الثنائية. فليس المقصود مجرّد تهيئة ملفات أو تحضير جدول أعمال، بل تفكيك عقد سياسية تراكمت منذ اندلاع الحرب الأوكرانية، ومحاولة استنباط مساحات مشتركة يمكن الانطلاق منها نحو حلول عملية. فروسيا تبدو -وفق مراقبين- حريصة على ضمان أن يكون اللقاء مثمرا، وهو ما يعني عمليا أن الملفات الأساسية، خصوصا تلك المتعلقة بترتيبات الأمن الأوروبي ومستقبل النزاع الأوكراني، يجب أن تختبر أولا بعيدا عن الأضواء، قبل أن تُرفع إلى مستوى الرؤساء.
في المقابل، يرى متابعون أنه لا يمكن تجاهل الظلال التي تلقيها العلاقة المتوترة نسبيا بين واشنطن وكييف على مشهد التفاوض. فالتصريحات الأمريكية التي أبدت قلقا من أداء الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لا تأتي في سياق انفعالي، بل تعكس مراجعة أعمق داخل الإدارة الأمريكية لطبيعة العلاقة مع كييف، ولجدوى الاستمرار في نهج الدعم المفتوح.
و تبدو واشنطن اليوم أقل اندفاعا في تبني مواقف أوكرانيا، وربما أقرب إلى إعادة ضبط حدود الدعم، بما يتسق مع حسابات أمريكية داخلية تتعلق بالسياسة والاقتصاد وأولويات الأمن القومي. وإذا كانت كييف تخشى أي تراجع في زخم الدعم الأمريكي، فإن موسكو تراقب هذه التحولات بدقة، وتعتبرها مؤشرا إلى تغير المزاج السياسي في الغرب، وخصوصاً داخل البيت الأبيض.
مبادرات وتسويات
أما المبادرات التي خرجت إلى العلن مؤخرا، سواء تلك التي حملت 28 بندا أو التحركات الموازية التي يقودها ستيف ويتكوف، فهي في جوهرها محاولة أمريكية لاستكشاف خيارات متعددة يمكن البناء عليها في المرحلة المقبلة. بعض هذه المبادرات ليس رسمياً تماماً، لكنه يحمل دلالة مهمة هو أن واشنطن تبحث عن مخرج للتعقيد الأوكراني، سواء عبر حلول شاملة أو عبر تهدئة مرحلية تفتح الباب أمام ترتيبات سياسية لاحقة. ووفق متابعين فروسيا، بدورها، تعاملت مع هذه المقترحات بنبرة ترحيب محسوبة، توازن بين قبول النقاش والانفتاح من جهة، والتحفظ على تقديم تنازلات قبل وضوح نيات الطرف الأمريكي من جهة أخرى.
ويرى البعض أن التأجيل الغامض للقمة التي اتفق عليها بوتين وترامب في بودابست يعطي بدوره لمحة عن حساسية المرحلة. فمثل هذه اللقاءات، وإن كانت مهمة سياسيا، لا يمكن أن تُعقد قبل أن تتضح بعض الخطوط العريضة في الملفات الأساسية. وقد يكون التأجيل نتاج عدم نضج البدائل المطروحة، أو بسبب تريث أمريكي مرتبط بحسابات ترامب الداخلية، أو ربما رغبة روسية في انتظار نتائج المفاوضات الأمريكية–الأوكرانية في فلوريدا، التي قال بيسكوف إن موسكو لا تعرف بعد إلى أين انتهت.
ووفق متابعين تبدو التحركات الجارية اليوم وكأنها تعبير عن إعادة تشكيل خريطة النفوذ والاصطفافات الدولية. فأمريكا تدرك أن الاستمرار في إدارة الحرب الأوكرانية بالوتيرة نفسها لم يعد خيارا عمليا، خصوصا في ظل الضغوط الاقتصادية واهتزاز الإجماع الغربي. وروسيا تدرك في المقابل أن اللحظة الحالية قد تكون مناسبة لفرض رؤيتها في ملف الأمن الأوروبي، مستفيدة من تغيّر موازين القوة وغياب إستراتيجية غربية موحدة. وبين الطرفين، تقف أوروبا التي تتابع بحذر، مدركة أن أي اتفاق بين بوتين وترامب قد يعيد رسم مستقبل القارة وحدود نفوذها.بذلك، تصبح القمة المحتملة بين بوتين وترامب أكثر من مجرد لقاء رئاسي بل بمثابة جزء من معركة تشكيل النظام الدولي لمرحلة ما بعد الحرب الأوكرانية. سواء انتهت بوقف نار، أو بفتح باب لتسوية شاملة، أو حتى بتثبيت خطوط تماس جديدة، فإنها ستحدد بوضوح الاتجاه الذي سيمضي فيه العالم خلال السنوات القادمة.

المشاركة في هذا المقال