Print this page

العجز التجاري المزمن: فرصة ذهبية لتونس لتقليص العجز التجاري وتحقيق نمو اقتصادي مستدام على مدى السنوات الخمس القادمة

منذ عام 2023، قدمتُ توصيات للبنك المركزي التونسي

للاقتراض من سوق السندات الصينية عبر ما يُعرف بـ "سندات الباندا" (Panda Bonds)، بأسعار فائدة منخفضة تبلغ 3% سنوياً. واليوم، أكثر من أي وقت مضى، تحتاج الحكومة والاقتصاد التونسيان بشكل عاجل إلى سيولة جديدة لإنقاذ الاقتصاد ومعالجة العجز التجاري المزمن والمثير للقلق.

في عام 2025، بلغ العجز التجاري لتونس مع الصين 10,916 مليون دينار، بزيادة قدرها 20.1% عن العام السابق. وهذا يفتح الباب أمام الحكومة والبنك المركزي التونسي لتنفيذ اتفاقية مقايضة(Currency Swap-TND / RMB)  عملات مع بنك الشعب الصيني (PBoC)، والاقتراض من سوق السندات الصينية بالعملة المحلية (اليوانRMB) بأسعار فائدة منخفضة جداً تصل إلى 3% سنوياً (سندات "باندا" بأجل استحقاق 5 أو 10 سنوات).

تجدر الإشارة إلى أن تونس سبق لها الاقتراض من السوق المالية اليابانية في تسعينيات القرن الماضي عبر إصدار "سندات الساموراي" (Samurai Bonds) بالين الياباني؛ ويمكن للبنك المركزي التونسي اليوم تكرار التجربة ذاتها مع الصين من خلال الاقتراض باليوان الصيني.

وقد لجأت دول عديدة حول العالم إلى الاقتراض من الصين عبر "سندات الباندا"، منها: المجر، وباكستان، وبولندا، وكوريا الجنوبية.

ويمكن للحكومة التونسية توظيف هذه القروض الصينية (باليوان) لشراء معدات صينية، والاستثمار في زيادة إنتاج الفوسفات والمواد الكيميائية ليصل إلى 10 ملايين طنسنوياً، ومن ثم بيع الفوسفات في السوق العالمية بالدولار الأمريكي، واستخدام العائدات لسداد الديون على مدى السنوات الخمس القادمة.

علاوة على ذلك، يستطيع البنك المركزي التونسي استخدام القروض المقومة باليوان الصيني لسداد التزاماته تجاه دول أخرى؛ فعلى سبيل المثال، بلغ العجز التجاري لتونس مع روسيا في عام 2025 نحو 4,187 مليون دينار، ومع تركيا 3,432 مليون دينار، ويمكن تسوية هذه المبالغ باليوان عبر استخدام "نظام الدفع بين البنوك عبر الحدود" (CIPS).

المنافع المالية التي تجنيها تونس من القروض المقومة باليوان الصيني (سندات الباندا):

  1. خفض تكاليف خدمة الدين: يؤدي الاقتراض بأسعار فائدة أقل من الأسواق الصينية إلى تقليل نفقات الفوائد السنوية، مقارنةً بتكلفة السندات التجارية الغربية (اليوروبوندز) أو الاقتراض من الأسواق المالية الدولية ذات العوائد المرتفعة.
  2. تخفيف الضغط على احتياطيات النقد الأجنبي: تساهم تكاليف التمويل المنخفضة في تقليل الاستنزاف الفوري لاحتياطيات النقد الأجنبي لدى البنك المركزي التونسي.
  3. تنويع مصادر التمويل: يتيح الوصول إلى أسواق السندات والقنوات المالية الصينية لتونس تنويع مصادر تمويلها، بعيداً عن الاعتماد على الدائنين الغربيين التقليديين أو القروض عالية التكلفة المقومة بالدولار الأمريكي واليورو.

المنافعالاقتصادية التي قد تجنيها تونس من القرض المقوّم باليوان الصيني:

  1. تخفيف حدة "زاحمة" الائتمان المحلي (Crowding-Out) التي تواجه الشركات الخاصة: يؤدي الاعتماد المفرط على البنوك المحلية والبنك المركزي التونسي لتمويل عجز الموازنة الحكومية إلى مزاحمة القطاع الخاص، حيث تجد الشركات الخاصة صعوبة في الاقتراض من النظام المصرفي المحلي. كما ينطوي تمويل الحكومة مباشرةً من قِبل البنك المركزي على مخاطر رفع معدلات التضخم. لذا، يمكن للاقتراض الخارجي منخفض التكلفة أن يخفف من هذا الضغط الداخلي.
  2. دعم البنية التحتية والمشاريع العامة: غالباً ما يرتبط التمويل الثنائي القادم من الصين بمشاريع محددة في مجالات البنية التحتية أو الطاقة أو التنمية، وهي مشاريع يمكن أن تعزز القدرة الإنتاجية وتولد نشاطاً اقتصادياً طويل الأمد.
  3. تحقيق الاستقرار للدينار التونسي: يساعد تخفيف ضغوط الديون الخارجية وتعزيز احتياطيات السيولة في استقرار سعر صرف الدينار التونسي مقابل العملات الرئيسية -كالدولار الأمريكي واليورو- مما يمنع حدوث تدهور حاد في قيمة العملة ويحد من التضخم المستورد.

الأسباب الهيكلية للعجز التجاري المزمن في تونس:

  1. يعاني الاقتصاد التونسي من عجز تجاري مزمن منذ 15 عاماً، وقد تفاقم هذا العجز خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026. فمع اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، ارتفعت أسعار النفط الخام بأكثر من 40%، كما صعدت أسعار القمح العالمية بنسبة 35% منذ مارس من هذا العام. وبالتزامن مع ذلك، انخفضت قيمة الدينار التونسي مقابل الدولار الأمريكي بنسبة 2.6%. ونتيجة لذلك، اتسع العجز التجاري التونسي خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026 بنسبة 25.5% مقارنة بعام 2025، حيث ارتفع من 16,727 مليون دينار تونسي إلى 20,997 مليون دينار تونسي (بالأسعار الجارية). (المصدر: المعهد الوطني للإحصاء - ins.tn).
  2. يُعد العجز في قطاع الطاقة المشكلة الرئيسية؛ فقد ارتفع الطلب على الطاقة في تونس بنسبة 6% في عام 2025، وبلغ إجمالي واردات الطاقة في العام الماضي 11,143 مليون دينار، وهو ما يمثل 51% من إجمالي العجز التجاري. علاوة على ذلك، استوردت تونس 11% من احتياجاتها من الكهرباء من الجزائر في عام 2025، مما زاد من اعتمادنا على الدعم الجزائري، وهو ما يضع سيادتنا في مجال الطاقة موضع تساؤل. (المصدر: وزارة الصناعة والمناجم والطاقة، والمرصد التونسي للطاقة).
  3. انخفض إنتاج تونس من النفط الخام بنسبة 9% ليصل إلى 33,000 برميل يومياً، كما تراجعت الإيرادات المحصلة من خط أنابيب الغاز الجزائري المار عبر تونس. وفي المقابل، ارتفعت واردات الكهرباء من الجزائر بنسبة 11% في عام 2025، مما أدى إلى تفاقم عجز الطاقة عاماً بعد عام على مدى السنوات الخمس الماضية، لا سيما وأن تونس تضطر لسداد تكاليف الكهرباء المستوردة باستخدام احتياطياتها من العملة الصعبة.
  4. شهدت قيمة صادرات زيت الزيتون ارتفاعاً هذا العام، بينما انخفضت قيمة صادرات الفوسفات نظراً لبقاء الأسعار العالمية للفوسفات عند مستويات منخفضة (152 دولاراً أمريكياً للطن) مقارنة بما كانت عليه قبل بضع سنوات؛ وهو ما يعني تراجعاً في تدفق العملة الصعبة إلى احتياطيات البنك المركزي التونسي.
  5. ارتفعت صادرات تونس في عام 2025 بنسبة طفيفة بلغت 2.6%، في حين زادت الواردات بنسبة 5.5%. وبذلك، لم تغطِّ الصادرات سوى 70.6% من قيمة الواردات، وهي نسبة أقل من معدل التغطية البالغ 73.5% الذي سُجِّل خلال الأشهر التسعة السابقة من عام 2025.
  6. شروط التبادل التجاري (Terms of Trade)لتونس مع بقية العالم: تنتج تونس سلعاً وخدمات منخفضة التكلفة. فمن الناحية الفعلية (الحقيقية)، حصلت تونس على عوائد أقل -بعد تعديلها وفقاً لمعدلات التضخم- من صادراتها إلى أوروبا، بما في ذلك زيت الزيتون والفوسفات والسلع المصنعة، وكذلك من قطاع السياحة. ولا ننسى أن الدينار التونسي فقد 1.5% من قيمته مقابل اليورو في عام 2025، مما جعل المنتجات التونسية أرخص بالنسبة للمستهلكين الأوروبيين، لكنه في المقابل جعل السلع المستوردة أكثر تكلفة، مما أدى إلى تفاقم العجز التجاري. كما انخفضت قيمة الدينار بنسبة 2.6% مقابل الدولار الأمريكي خلال الأشهر الاثني عشر الماضية.
  7. بلغت إيرادات تونس من السياحة 8,096 مليون دينار في عام 2025، وهو ما يمثل زيادة اسمية بنسبة 6.5%، لكن عند تعديل هذا الرقم وفقاً لمعدل التضخم (5.3%)، نجد أن الزيادة الفعلية لا تتجاوز 1.2%. علاوة على ذلك، أدى توافد 11 مليون سائح إلى تونس في عام 2025 إلى زيادة استهلاك الطاقة والسلع الاستهلاكية المستوردة، مما دفع بالعجز التجاري نحو الارتفاع. (المصدر: البنك المركزي التونسي).
  8. بلغت التحويلات المالية للمغتربين التونسيين في عام 2025 نحو 8,262 مليون دينار بالقيمة الاسمية، أي بزيادة قدرها 6.5%، لكنها تمثل زيادة فعلية طفيفة لا تتعدى 1.2%. وفي هذا السياق، ظلت احتياطيات العملة الأجنبية راكدة، حيث تراوحت ما بين ما يكفي لتغطية واردات 93 إلى 100 يوم خلال الأشهر الأربعة الماضية، مقارنة بـ 120 يوماً في يوليو 2024.
  9. خلال عامي 2024 و2025، ضخ البنك المركزي التونسي 14,000 مليون دينار في الاقتصاد، مما دفع بالأسعار الاسمية للسلع نحو الارتفاع. كما أدت القوانين الحكومية الجديدة -التي ألغت استخدام الشيكات كوسيلة للدفع- إلى دفع التونسيين نحو الاقتصاد النقدي الموازي؛ حيث ارتفع حجم السيولة النقدية المتداولة ليصل إلى 30,000 مليون دينار، وهو ما عزز استهلاك المنتجات المستوردة من الصين وتركيا، وفاقم بالتالي من العجز التجاري. يمثل الاقتصاد غير الرسمي 40% من الاقتصاد التونسي، وهو يتسبب في وجود سعرين للسلع المستوردة، كما ينطوي على تهريب المنتجات التونسية المدعومة؛ مما يؤدي إلى تفاقم العجز التجاري وخسارة الإيرادات الضريبية للحكومة التونسية.

حلول وتوصيات للحد من العجز التجاري:

  1. يمكن للبنك المركزي التونسي تنفيذ اتفاقية مقايضة عملات مع بنك الشعب الصيني، وإصدار "سندات الباندا" (Panda bonds) بقيمة تعادل ملياري دولار أمريكي بالعملة الصينية (اليوان) من خلال سوق السندات الصينية، وبمعدلات فائدة منخفضة جداً تبلغ 3% سنوياً (بآجال استحقاق تتراوح بين 5 و10 سنوات). وتجدر الإشارة إلى أن تونس سبق لها الاقتراض من السوق المالية اليابانية في تسعينيات القرن الماضي عبر إصدار "سندات الساموراي" (Samurai bonds) بالين الياباني؛ ويمكن للبنك المركزي التونسي اليوم تكرار هذه التجربة مع الصين من خلال الاقتراض بالعملة الصينية (اليوان). وقد لجأت دول عديدة حول العالم إلى الاقتراض من الصين عبر "سندات الباندا"، منها المجر وباكستان وبولندا وكوريا الجنوبية.
  2. بلغ العجز التجاري لتونس مع الصين 10,916 مليون دينار في عام 2025. وتمتلك تونس إمكانات كبيرة لتكون وجهة سياحية جذابة للصينيين، لا سيما وأن الصين تضم 300 مليون نسمة ممن تجاوزوا سن الستين، وهم يمثلون شريحة محتملة من السياح القادمين إلى تونس. وفي هذا السياق، يمكن لوزارة السياحة التونسية التعاون مع وزارة الثقافة والسياحة في جمهورية الصين الشعبية لإطلاق مبادرة تستهدف استقطاب مليون سائح صيني سنوياً.
  3. ينبغي على البنك المركزي التونسي تفعيل اتفاقية مقايضة العملات مع البنك المركزي الصيني وفتح حساب مصرفي بالعملة الصينية (اليوان). وبذلك، يمكن للسياح الصينيين عند زيارتهم لتونس سداد تكاليف رحلاتهم باليوان، مما يساهم في تقليل مخاطر تقلبات أسعار الصرف المرتبطة بالدولار الأمريكي أو اليورو. كما يمكن للبنك المركزي التونسي استخدام هذه الأرصدة باليوان لسداد قيمة العجز التجاري مع الصين، مما يساعد في الحفاظ على احتياطيات العملة الأجنبية وتقليص العجز التجاري الضخم مع الصين.
  4. يمكن لتونس الاستفادة من "نظام الدفع والتسوية الأفريقي" (PAPSS) لتسوية المدفوعات مع البنك المركزي الجزائري؛ حيث سجلت تونس عجزاً تجارياً مع الجزائر بلغ 4,660 مليون دينار في عام 2025، يعود سببه الرئيسي إلى واردات الطاقة من الجزائر. لقد فقد الدينار الجزائري أكثر من 30% من قيمته مقابل اليورو. لذا، يتعين على البنك المركزي التونسي رفع قيمة الدينار التونسي بنسبة 10% مقابل الدينار الجزائري، وذلك بهدف تقليص العجز الكبير في قطاع الطاقة مع الجزائر، وتحقيق مكاسب تصل إلى 500 مليون دينار تونسي. كما ينبغي على البنك المركزي التونسي إبرام اتفاقية لمبادلة العملات مع البنك المركزي الجزائري، واعتماد الدينار الجزائري والدينار التونسي في تسوية معاملات الطاقة؛ مما سيساهم في الحد من مخاطر تقلبات أسعار الصرف المرتبطة بالدولار الأمريكي، والحفاظ على المزيد من احتياطيات العملة الأجنبية، على غرار السيناريو المذكور أعلاه فيما يخص الصين.
  5. في عام 2025، وفي ظل اتفاقية تجارية قائمة بين تونس والجزائر، يمكن للحكومة التونسية توجيه شركتيها المملوكتين للدولة — "المؤسسة التونسية للأنشطة البترولية" (ETAP) و"الشركة التونسية للكهرباء والغاز" (STEG) — لإبرام شراكات (مشاريع مشتركة) مع شركات جزائرية، بهدف استكشاف النفط الخام والغاز الطبيعي في الجزائر. وبموجب ذلك، تستطيع "المؤسسة التونسية للأنشطة البترولية" (ETAP) بيع حصتها من الإنتاج في السوق العالمية، واستخدام العائدات المحققة لتقليص العجز التجاري مع الجزائر. ويمكن لتونس تطبيق هذا السيناريو أيضاً مع دولة ليبيا، مما يسهم في تعزيز سيادتنا في مجال الطاقة.
  6. على مدى أكثر من 30 عاماً، ظلت تونس تصدّر الفوسفات إلى كل من إندونيسيا والصين والهند. وبإمكان الحكومة التونسية إبرام اتفاقيات بيع مسبق (اتفاقيات توريد مستقبلية Off-Take Agreements ) مع هذه الدول الثلاث، بحيث تلتزم تونس بتوريد 3 ملايين طن من الفوسفات سنوياً لكل دولة منها. وفي المقابل، تُطالب تونس هذه الدول بتقديم دفعة مقدمة بقيمة 500 مليون دولار من كل طرف؛ لتُستخدم في شراء المعدات اللازمة لرفع الإنتاج إلى 10 ملايين طن سنوياً مخصصة للتصدير، مع الالتزام باتفاقيات توريد تمتد لعشرين عاماً. ومن شأن هذه الخطوات أن توفر احتياطيات إضافية من العملة الصعبة للبنك المركزي التونسي، وتضمن دخلاً ثابتاً من صادرات الفوسفات على مدى العشرين عاماً القادمة، مما سيؤدي إلى خفض العجز التجاري بشكل كبير.

بقلم: العربي البوهالي

 

 

 

 

المشاركة في هذا المقال