Print this page

مفاجآت غير سارة لترامب ونتنياهو

ما زال الطريق طويلا، ومن المبكر الحديث عن

نهاية زمن ترامب، الذي لا يزال يمتلك صلاحيات واسعة وأدوات قوة متعددة، من بينها حق النقض (الفيتو)، فضلا عن قدرته على التأثير في السياسات الأمريكية. لكن نتائج الانتخابات النصفية تمثل جرس إنذار له ولحلفائه، وتكشف أن نفوذه ليس مطلقا، وأن سياساته الداخلية والخارجية يمكن أن تواجه مقاومة متزايدة. وهو ما يفترض أن يدفع من راهنوا عليه وانجرفوا خلف سياساته إلى مراجعة خياراتهم، قبل أن يدفعوا أثماناً سياسية وإستراتيجية باهظة.

فوز الديمقراطيين بالسيطرة على مجلسي الكونغرس، في مواجهة الجمهوريين بزعامة ترامب، يشكل ضربة سياسية كبيرة للرئيس الأمريكي، ويضع سياساته الداخلية والخارجية أمام اختبار صعب. ولن تقتصر التداعيات المحتملة على إيران وفلسطين و''إسرائيل'' والمنطقة العربية، بل قد تمتد إلى ملفات دولية أخرى. ومع ذلك، لا تعني هذه النتائج تحولا فوريا في السياسة الأمريكية، لكنها تقلّص هامش المناورة أمام ترامب، وتمنح الديمقراطيين أدوات أوسع لعرقلة تشريعاته ومراقبة إدارته وفتح التحقيقات بشأنها.

وتكمن أهمية هذه النتائج أيضا في أنها تكشف حدود قدرة ترامب على تحويل نفوذه السياسي إلى تأييد انتخابي، وتبعث برسالة إلى حلفائه بأن الرهان على بقائه قوياً من دون مساءلة ليس مضمونا.في ''إسرائيل''، تبدو الصورة أكثر تعقيدا، إذ تتزامن خسارة الجمهوريين في الولايات المتحدة مع مأزق نتنياهو بعد الانتخابات الإسرائيلية. فرغم تقدم الليكود وحصول معسكر نتنياهو على 53 مقعدا، لم يتمكن من تأمين الأغلبية المطلوبة لتشكيل الحكومة، فيما حصلت القوائم العربية على 19 مقعدا، وهو إنجاز انتخابي يمنحها وزنا حاسما في الحسابات البرلمانية، رغم إصرار أحزاب صهيونية في معسكر المعارضة على استبعادها من أي ائتلاف حكومي.

وقد تجد حكومة الاحتلال نفسها أمام تداعيات إضافية إذا قررت الإدارة الأمريكية الجديدة في ظل الأغلبية الديمقراطية استخدام أدوات الرقابة البرلمانية لتقييد بعض سياسات ترامب تجاه "إسرائيل"، أو إعادة فتح النقاش بشأن الدعم العسكري والسياسي غير المشروط لها. فنتنياهو، الذي راهن طويلا على علاقته الشخصية بترامب وانحاز إلى الجمهوريين، ساهم في إضعاف تقليد إسرائيلي راسخ يقوم على الحفاظ على علاقات وثيقة مع الحزبين الأمريكيين. ولا يعني ذلك أن الديمقراطيين سيتجهون تلقائيا إلى تغيير جذري في سياسة واشنطن تجاه إسرائيل، لكنه يضع هذه العلاقة أمام اختبار سياسي أكثر صعوبة.

غير أن الخطر الأكثر إلحاحا في إسرائيل لا يتعلق بالعلاقة مع واشنطن وحدها، بل بمحاولات التشكيك في نتائج الانتخابات وشرعيتها. فبدلا من التعامل مع عجز معسكر نتنياهو عن الحصول على الأغلبية باعتباره نتيجة سياسية يتعين التعامل معها، تتصاعد الاتهامات بشأن تدخل أجنبي مزعوم في الانتخابات، مع تركيز خاص على تصويت المواطنين العرب.

ولا يمكن الجزم بأن ''إسرائيل'' تتجه إلى تكرار سيناريو اقتحام أنصار ترامب مبنى الكونغرس الأمريكي عام 2021، أو إلى مواجهة داخلية تصل إلى حد الحرب الأهلية. لكن تصاعد التشكيك في الانتخابات، وتسييس المؤسسات، والتحريض على المواطنين العرب، كلها مؤشرات على مسار خطير قد ينقل الصراع من التنافس على تشكيل الحكومة إلى الصراع على شرعية الانتخابات والمؤسسات نفسها.

المفاجأة غير السارة لترامب ونتنياهو ليست في خسارة انتخابية أو تعثر في تشكيل حكومة فحسب، بل في انكشاف حدود القوة التي استندا إليها. أما الأخطر، فهو أن يتحول العجز عن كسب الأغلبية إلى محاولة لتقويض شرعية من فازوا بأصوات الناخبين، وأن يدفع المواطنون العرب ثمن صراع اليمين الإسرائيلي على السلطة.

هذه هي الرسالة التي ينبغي أن تصل أيضا إلى حلفاء ترامب ونتنياهو في المنطقة العربية: الرهان على القوة وحدها لا يضمن الاستمرار، والتماهي مع سياسات لا تحظى بإجماع داخلي أو دولي قد يتحول إلى عبء سياسي واستراتيجي باهظ الثمن.

بقلم: مصطفى إبراهيم

المشاركة في هذا المقال