ووضوح الرؤية على الحوافز الجبائية، يتعين على تونس إعادة النظر في الأسس التي تقوم عليها سياستها لاستقطاب الاستثمار.
الاستقرار والثقة قبل الحوافز
خلال ندوة دولية حديثة خُصّصت للترويج للاستثمار الأجنبي المباشر في الفضاء الأورو-متوسطي، برزت قناعة مشتركة مفادها أن عاملين باتا اليوم أكثر تأثيراً في قرارات المستثمرين من الحوافز الجبائية وكلفة اليد العاملة وتوافر البنية التحتية، وهما: الاستقرار والثقة.
وهذه الخلاصة تستحق التوقف عندها، لأنها تعيد النظر في مسارات عقود من سياسات استقطاب الاستثمار، وتطرح سؤالاً جوهرياً على تونس: هل ما زال بلدنا يوفر الضمانات التي يحتاج إليها المستثمرون الراغبون في توظيف رؤوس أموالهم على المدى الطويل؟
لقد بذلت تونس جهوداً كبيرة لتعزيز جاذبيتها الاستثمارية، مستفيدة من قربها الجغرافي من أوروبا، وما تمتلكه من موارد بشرية مؤهلة، ومنظومة للتكوين المهني والتعليم العالي، ومناطق صناعية، ومراكز فنية وهياكل لمرافقة المؤسسات. وقد مكّنت هذه المقومات من بناء قاعدة صناعية مندمجة إلى حد كبير في سلاسل القيمة الأوروبية. كما يعكس الحضور الواسع للمستثمرين الأوروبيين متانة هذه العلاقات الاقتصادية.
غير أن هذه المكتسبات التاريخية لم تعد كافية وحدها. فالمنافسة بين الوجهات الاستثمارية في حوض المتوسط تزداد حدة، وأصبحت أمام المستثمرين خيارات عديدة. ولم يعد اهتمامهم مقتصراً على انخفاض التكاليف وتوافر البنية التحتية الملائمة، بل باتوا يبحثون، قبل كل شيء، عن القدرة على استشراف الظروف التي سيزاولون فيها أنشطتهم خلال السنوات العشر أو العشرين المقبلة.
وضوح الرؤية شرط للاستثمار طويل الأمد
الاستقرار، في جوهره، هو القدرة على التوقع. وهو يقتضي قدراً كافياً من استمرارية التوجهات الاستراتيجية، وتوفير إطار قانوني وجبائي وترتيبي يمكن للمؤسسات التعويل عليه والاطمئنان إلى استمراره.
فالمستثمر قادر على إدراج مستوى جبائي مرتفع نسبياً ضمن حساباته الاقتصادية، شرط أن يكون واضحاً وقابلاً للتوقع. أما التغييرات المتكررة في القواعد، وتحولات الأولويات الاقتصادية، وتكاثر التدخلات الترتيبية، والصعوبات المرتبطة بتطبيق النصوص، فإنها تجعل اتخاذ قرارات استثمارية طويلة الأمد أمراً بالغ الصعوبة.
أما الثقة، فهي مفهوم أوسع من ذلك؛ إذ تعني قدرة المستثمر على التعويل على الدولة والاطمئنان إلى التزاماتها.
وتقوم هذه الثقة على الأمن القانوني، وشفافية القرارات الإدارية، واحترام العقود والالتزامات، وانسجام السياسات العمومية. كما تقتضي إتاحة المجال أمام المؤسسات للمشاركة في صياغة القرارات التي تؤثر في محيطها الاقتصادي.
حين يهدد عدم الاستقرار الجبائي الاستثمارات
تقدم بعض الأحكام الواردة في مشروع قانون المالية لسنة 2027 أمثلة واضحة على الرهانات المرتبطة بهذا الاستقرار.
ففي قطاع الصناعات الصيدلانية، من شأن الإبقاء على نظام ديواني وجبائي تفاضلي لفائدة توريد الأدوية التي لها مثيل مصنوع محلياً، والذي يهدف أساساً إلى التخفيف من ضغوط السيولة على الصيدلية المركزية، أن يضع المخابر المنتصبة في تونس أمام وضع تنافسي غير متكافئ داخل سوقها المحلية.
وفي قطاع الطاقات المتجددة، من شأن التخفيض في المعاليم الديوانية الموظفة على بعض التجهيزات الشمسية، والإعفاء من المعاليم والأداءات المستوجبة على البطاريات المخصصة لتخزين الكهرباء، أن يغيرا بدورهما المعادلات الاقتصادية التي بنت عليها المؤسسات المنتصبة في تونس مشاريعها واستثماراتها.
وقد تستجيب هذه التدابير لأهداف مشروعة، غير أنها تطرح سؤالاً أساسياً: كيف يمكن إقناع الصناعيين بضخ استثمارات كبيرة، في ظل غياب رؤية واضحة بشأن استقرار الشروط الجبائية والترتيبية والتنافسية التي تحكم أنشطتهم؟
ويضاف إلى هذه الأمثلة توجه جبائي يثير قلقاً خاصاً، يتمثل في تحويل مساهمات أُحدثت في الأصل باعتبارها استثنائية أو ظرفية إلى أعباء دائمة.
وتُعد المساهمة الاجتماعية للتضامن مثالاً على ذلك. فمنذ إقرارها سنة 2018، خضعت هذه المساهمة لعدة تنقيحات وزيادات متتالية، إلى أن تحولت أحكام قُدّمت في البداية باعتبارها مؤقتة إلى إجراءات متكررة. وقد أدى ذلك إلى طمس الحدود الفاصلة بين الجباية القارة والاقتطاعات الاستثنائية.
وبالنسبة إلى المؤسسة الاقتصادية، يصبح من الصعب إعداد توقعات مالية موثوقة عندما تتكرر مراجعة المساهمات التي يفترض أن تكون ظرفية، ويتم التمديد فيها باستمرار. فلا يمكن أن تقوم السياسة الجبائية، على نحو مستدام، على تعاقب إجراءات ظرفية ينتهي بها الأمر إلى التحول إلى أعباء هيكلية ودائمة.
جعل الاستقرار ميزة تنافسية حقيقية
لا يعني الاستقرار الجبائي، بطبيعة الحال، تجميد القوانين والقواعد ومنع مراجعتها. فالدولة تحتاج إلى تكييف سياستها مع التحولات الاقتصادية والأولويات الوطنية. لكن هذه التغييرات ينبغي أن تكون قابلة للتوقع، ومنسجمة، وتسبقها مشاورات كافية، وأن تُرفق بفترات انتقالية مناسبة حتى لا تلحق الضرر بالاستثمارات المنجزة.
وهذا بالضبط ما يفرض تغييراً في منطلقات سياسة تونس لاستقطاب الاستثمار. فبدلاً من الإكثار من الحوافز الجبائية والأنظمة الاستثنائية، يتعين على تونس أن تجعل من استقرار الإطار الترتيبي، وتبسيط الإجراءات الإدارية، ومصداقية التزامات الدولة، مزايا تنافسية قائمة بذاتها.
بقلم: شكيب بن مصطفى