Print this page

سلسلة الجيوستراتيجيا كما أفهمها: القوة ليست ما نظنّ

يقيس كثيرون قوة الدول بما تملكه: مساحتها

وعدد سكانها، وحجم جيشها، وقوتها النووية، وما في باطن أرضها. وهو قياس مريح لأنه يُعدّ ويُحصى، لكنه غير صائب تماما في الغالب. لنتأمّل أربعة أمثلة.

سنغافورة جزيرة لا تتجاوز مساحتها سبعمائة كيلومتر مربع، بلا نفط ولا غاز، وتستورد جزءًا من مياه شربها من جارتها. ومع ذلك صارت من أغنى دول العالم، ومركزًا ماليًا ولوجستيًا تمرّ عبره تجارة آسيا، ويُستمع إلى قادتها في عواصم القوى الكبرى.

وسلطنة عُمان، بإمكانات متواضعة قياسًا بجيرانها، صارت القناة التي مرّت عبرها المفاوضات السرّية بين واشنطن وطهران قبل الاتفاق النووي سنة 2015، والوسيط الذي يلجأ إليه الجميع في اليمن. لم تقطع علاقتها بمصر بعد كامب ديفيد حين قاطعها العرب، ولم تقطعها بإيران حين عاداها جيرانها.

في المقابل، تملك ليبيا أكبر احتياطي نفطي مثبت في إفريقيا، وساحلًا يقارب ألفي كيلومتر قبالة أوروبا. وهي اليوم بلد مقسّم تتنازعه المصالح الضيقة، وتُقرَّر مصائره في عواصم الآخرين لعدم قدرة أبناء البلد الواحد على الجلوس مع بعضهم لإيجاد حلول للبلاد. أما فنزويلا، صاحبة أكبر احتياطي نفطي في العالم، فقد فقدت أكثر من نصف ناتجها في أقل من عقد، وهاجر منها الملايين. وكان أحد مؤسسي منظمة أوبك، الفنزويلي خوان بابلو بيريث ألفونسو، قد حذّر مبكرًا حين وصف النفط بأنه «فضلات الشيطان».

بلدان صغيران بلا موارد يصنعان لنفسيهما وزنًا، وبلدان غنيّان يتحوّلان إلى ساحتين لصراعات غيرهما. إن كانت القوة هي ما نملك، فهذه الأمثلة لا تُفهم.

القوة علاقة لا مخزون

عرّف المفكر الفرنسي ريمون آرون القوة بأنها «قدرة وحدة سياسية على فرض إرادتها على الوحدات الأخرى». الكلمة المفتاح هنا هي «القدرة». فالقوة ليست شيئًا يُخزَّن، بل علاقة تُمارَس. والمورد الذي لا يتحوّل إلى قدرة يبقى إمكانًا معطّلا، وقد يصير عبئًا: يُغري الطامعين، ويغذّي الريع والفساد بأنواعه ، وهو مدخل للاستعمار المباشر وغير المباشر وضياع للأجيال.

والقوة فوق ذلك نسبية ومتحرّكة. فالبرتغال وهولندا، وهما بلدان صغيران على أطراف أوروبا، بنتا في القرنين الخامس عشر والسابع عشر إمبراطوريتين بحريتين امتدّتا إلى آسيا والأمريكيتين، لأنهما أتقنتا الملاحة والتجارة والتنظيم قبل غيرهما. ثم فقدتا هذه المكانة حين سبقهما غيرهما. لا شيء في القوة مكتسب إلى الأبد.

ومن هنا التمييز الضروري بين القوة الكامنة والقوة الفعلية. القوة الكامنة هي ما يمكن أن يكون: أرض وموقع وموارد وبشر. والقوة الفعلية هي ما يكون فعلًا: قدرة على التأثير في الجيران، وعلى حماية المصالح، وعلى أن يُحسب لك حساب حين تُتّخذ القرارات. وبين الاثنتين مسافة لا يقطعها إلا الفعل السياسي المشترك. فكم من بلد عاش قرونًا على قوة كامنة لم تتحقّق، وكم من بلد صنع من القليل قوة فعلية تفوق حجمه.

وقد عرف المؤرخ الإغريقي ثوسيديدس الوجه القاسي لهذه الحقيقة، حين نقل عن الأثينيين قولهم لأهل ميلوس: «الأقوياء يفعلون ما يستطيعون، والضعفاء يتحمّلون ما يُفرض عليهم». لكن التاريخ يعلّمنا أيضًا أن القويّ ليس دائمًا الأكبر ولا الأغنى، بل من يعرف كيف يستعمل ما لديه.

ثلاثة طوابق

لا أزعم الخبرة في الجيوستراتيجيا، ولكن الله حبانا جميعا بملكة القراءة والتفكير وإني أقترح في هذه السلسلة قراءة القوة الجيوستراتيجية بطريقة عقلانية وواقعية براغماتية على ثلاثة طوابق:

  • ما يُعطى: الجغرافيا، والموارد، والسكان. لا يختاره أحد، ولا يتغيّر إلا ببطء.
  • ما يُبنى: الرأسمال البشري ونخبه، والاقتصاد وموقعه في سلاسل القيمة، والبنى التحتية والممرّات، والأمن، وشبكة التحالفات، والرصيد الرمزي. يتراكم بالجهد ويتآكل بالإهمال.
  • ما يُحوِّل: الدولة بمؤسساتها وعقيدتها، وتماسك وصلابة مجتمعها، وقدرة قادتها وإرادتهم على العمل المشترك. وهو ما يجعل من الطابقين الأولين قوة فعلية.

ضرب لا جمع

وهنا الفكرة المحورية التي يقوم عليها تحليلنا: القوة الجيوستراتيجية ليست مجموع هذه الطوابق، بل حاصل ضربها. في الجمع، يعوّض ما يكثر ما يقلّ، فتغطّي الموارد الهائلة ضعف الدولة. أما في الضرب، فإذا اقترب أحد العوامل من الصفر، اقترب الحاصل كلّه من الصفر، مهما عظمت العوامل الأخرى.

ولستُ أول من قال بهذا المنطق. فقد اقترح المحلّل الأمريكي راي كلاين، النائب الأسبق لمدير وكالة المخابرات المركزية، سنة 1975 في كتابه «تقييم القوة العالمية» معادلة تجعل القوة المُدرَكة حاصل ضرب مجموع الكتلة الحرجة (الأرض والسكان) والاقتصاد والقدرة العسكرية، في مجموع الهدف الاستراتيجي والإرادة الوطنية. وما أضيفه هنا هو تفصيل المحوِّل: الدولة بمؤسساتها، والتماسك بمعنى ابن خلدون، والقدرة على العمل المشترك (وهو في الحقيقة مؤشر على وعي النخب).

هذه الفرضية تفسّر الأمثلة الأربعة. سنغافورة وعُمان عوّضتا ضعف الطابق الأول بقوة استثنائية في الطابق الثالث. وليبيا وفنزويلا أهدرتا ثراء الطابق الأول لأن الطابق الثالث انهار. وهي فرضية قابلة للدحض: يكفي أن نجد دولة بلا مؤسسات ولا عقيدة ولا تماسك، تزن في محيطها وزنًا مستدامًا بفضل مواردها وحدها. لم أجد مثالًا على ذلك، وسنعود إلى هذا الاختبار في المقال الأخير. النقاش مفتوح طبعا.

منهج السلسلة

لا تدّعي هذه السلسلة بسطا نظريا لمسألة التموقع الاستراتيجي فالنظريات والأعمال لا تحصى ولا تعد، ولكني أردت تبسيط المسألة بهدف بيداغوجي يضيء وضع بلادنا ويستشرف آفاق تموقعها في عالم اليوم والغد، وهو عمل يتطلّب  جهدًا في البحث والتفكير. فكل عنصر من عناصرها قال به عديد المفكّرين والباحثين، من ابن خلدون إلى منظّري العلاقات الدولية المعاصرين. ما نقترحه هو طريقة في الجمع بينها، وفرضية واضحة يمكن اختبارها. وسأحرص على التمييز بين ما هو ثابت في الأدبيات والوقائع، وما هو اجتهاد شخصي قابل للنقاش والنقد وهو بطبيعة الحال صواب يحتمل الخطأ.

لماذا يعنينا هذا؟

لأن الخطاب السائد في بلداننا يخلط بين القوة والشعار. نُحصي ما نملك، ونتغنّى بموقعنا وتاريخنا، ثم نستغرب أن لا يسمعنا أحد. والسؤال الحقيقي ليس فقط: ماذا نملك؟ بل وخاصة: ماذا نفعل بما نملك؟

وثلاثة أوهام تحجب هذا السؤال. وهم الجغرافيا، الذي يظنّ أن الموقع يكفي لصنع الدور، فيما الموقع لا يمنح إلا فرصة. ووهم التاريخ، الذي يعيش على أمجاد الماضي ويحسب أن ما كان سيعود من تلقاء نفسه. ووهم الخطاب، الذي يحسب أن رفع الشعار يُعفي من الاجتهاد والعمل وهذا أصبح ثقافة سائدة لدينا: يكفي أن نتحدث في الموضوع للقول بأننا تناولناه. والأوهام الثلاثة تشترك في أمر واحد: أنها لا تحفز على الاجتهاد والعمل. لم أضف وهم مركّب  التفوق و الذكاء لأنه أتعس من أن يناقش.

قال المستشار الألماني بسمارك إن «السياسة فنّ الممكن». والممكن لا يُعرف إلا بمعرفة دقيقة لما نملك وما ينقصنا، ولما نستطيع تحويله إلى قدرة. وهذا ما أريد تقديمه: أداة لقراءة القوة، قبل أن تكون حكمًا على أحد.

في المقال القادم نبدأ بالطابقين الأولين: ما يُعطى للبلدان، وما تبنيه بأيديها، ولماذا لا يكفي أيّ منهما وحده.

بقلم: فوزي بن عبد الرحمان

المشاركة في هذا المقال