نفسه: فريق ينتظر إصلاحًا شاملًا يفتح باب التغيير، وفريق يشكك في إصلاحات تعلنها الخطابات ولا يلمس أثرها في الأقسام. ويختلف الفريقان في تشخيص المشكلة، لكنهما قد يلتقيان في الانتظار. وقد انتقلت الانتظارات اليوم إلى المجلس الأعلى للتربية والتعليم، كما انتقلت قبله إلى كل حوار وطني وكل وزير جديد. وفي الانتظار راحة لا نعترف بها، فهو يعفينا من السؤال عمّا نستطيع فعله نحن، هنا والآن. وحين يُستبعد الفاعلون من صناعة القرار، لا يبقى لهم غالبًا إلا انتظاره، ثم الشكوى منه.
من الانتظار إلى المبادرة
في مقابل هذا الانتظار، أطلقت المندوبية الجهوية للتربية بتونس2 مبادرة «يوم التلميذ الجديد» من 2 إلى 10 أكتوبر 2026، استجابةً لحاجة ميدانية، ووجّهتها، كما أوردت جريدة «الشروق» (6 أكتوبر 2026)، إلى 52 مدرسة إعدادية ومعهدًا ضمن إطار من تسعة أبواب لدعم التلميذ ومرافقته. وافتُتحت في إعدادية الواحةومعهد حي بوقطفة 2بسيدي حسين،بمشاركة المربين والأولياء ومستشاري الإعلام والتوجيه المدرسي والجامعي والأخصائيين النفسانيين، فتعرّف التلاميذ الجدد إلى النوادي والأنشطة الثقافية واللغات الأجنبية الثالثة المتاحة، وشاركوا في ورشات حول المواطنة والحدّ من العنف والسلوكات المحفوفة بالمخاطر. وأبدت عشرون مؤسسة رغبتها في تنظيمها. وفي إعدادية ابن رشد بالعمران الأعلى، اقترح تلميذ من السابعة تلوين أحد الجدران، فصار شريكًا في حياة مؤسسته قبل أن يكتمل تعرّفه إليها.
الانتقال المدرسي والحاجة إلى المرافقة
لا يقتصر الانتقال على تغيير المؤسسة، بل يشمل موقع التلميذ فيها وطبيعة علاقته بها. يجد أمامه مواد ومدرسين أكثر، وقواعد جديدة في التقييم والتأديب، ومسؤوليات لم يألفها. وبعدما كان يعرف مدرسته ويعرفه أهلها، صار في مؤسسته الجديدة وافدًا يبحث عن مكانه. نحن الكبار نرى الانتقال ترقية، أما هو فقد يعيشه خروجًا من عالم مألوف إلى آخر يحتاج إلى فك رموزه.
والحاجة إلى المرافقة في هذا الانتقال ليست جديدة، فقد رصدتها دراسة أنجزتها أواخر 2001 في إطار مدرسة الدكتوراه، بإشراف المرحوم أحمد شبشوب، وأعادت المدونة البيداغوجية نشرها في 17 نوفمبر 2024. انطلقت من حصص إعلام وإصغاء جماعي وفردي، نظّمتها وأشرفتُ عليها مطلع السنة الدراسية 2001-2002 بصفتي مستشارًا في الإعلام والتوجيه المدرسي والجامعي، وشملت 99 قسمًا من السابعة أساسي، أي نحو 3500 تلميذ في تسع مدارس إعدادية بالمهدية.
عبّر التلاميذ عن خوفهم من العقوبات وتذمّرهم من تراكم المهام، وتساءلوا: «لماذا لا يُصغي الأساتذة إلى التلاميذ؟». وبعد أكثر من شهر، ظل نحو نصفهم يفضّل مدرسته الابتدائية. واعتمدت الدراسة مقاربة ميكروسوسيولوجية ترى في التلميذ فاعلًا في بناء تجربته المدرسية، يطوّر استراتيجيات لمواجهة ضغوطها، لا متلقّيًا سلبيًا لما تفرضه المؤسسة. ورغم طابعها الاستكشافي، فإنها تكشف استمرار هذه الحاجة، وقد زادها السياق الرقمي إلحاحًا: فالتلميذ يدخل مؤسسته الجديدة ومعه مجموعات المحادثة، ومقارنات المنصات مع أقرانه، وتوقعات تتشكّل قبل أن يلتقي أساتذته. وهكذا تمتد ضغوط الانتقال إلى ما بعد أسوار المدرسة.
وللانتقال وجه آخر: تتراوح التقديرات المتداولة لعدد المنقطعين عن الدراسة سنويًا بين 60 و100 ألف، وتُعدّ السابعة أساسي والأولى ثانوي من أعلى المستويات انقطاعًا. ولا تكفي مبادرة استقبال لمواجهة الظاهرة، لكنها تذكّر بأن الوقاية قد تبدأ عند عتبة الانتقال.
ثلاث دلالات لمبادرة جهوية
تتجاوز دلالات هذه المبادرة حدود استقبال التلاميذ الجدد، ويمكن الوقوف عند ثلاثة أبعاد تكشف إمكانات الفعل المحلي في الإصلاح:
- دور الجهة في الوصل: تربط التوجهات الوطنية بحاجات المؤسسات، وقد تقاطعت المبادرة هنا مع الخطة الوطنية لمقاومة المخدرات والإدمان.
- «التعميم بالطلب»: عرضت المندوبية الإطار على مؤسساتها، وانخرطت فيه كل منها بحسب رغبتها، فانتشرت الفكرة دون منشور يفرضها.
- مرونة التنفيذ: إطار مشترك تكيّفه كل مؤسسة بحسب تلاميذها، فما ينفع السابعة أساسي قد لا ينفع الأولى ثانوي.
الإصلاح بين النص والممارسة
تطرح هذه المبادرة سؤالًا يتجاوزها: كيف تنتقل أفكار الإصلاح من النصوص والتوجهات العامة إلى الممارسة اليومية داخل المؤسسات؟ وهو سؤال تناوله المؤرخان الأمريكيان ديفيد تياك ولاري كيوبان في كتابهما: «خطوات صغيرة نحو المدينة الفاضلة: قرن من إصلاح المدرسة العمومية» (Tinkering toward Utopia: A Century of Public School Reform، 1995). ويصعب نقل كلمة Tinkering إلى العربية، وقد اجتهدنا فيها؛ فهي تحيل إلى التعديل العملي المتواصل بأدوات بسيطة، وتصف جانبًا مما يفعله المربون حين يكيّفون الإصلاحات مع واقعهم. وقد تتبّع المؤلفان الفجوة بين طموحات الإصلاح وما يتغير فعلًا في الأقسام. والدرس الذي يعنينا أن القرارات ضرورية، لكن أثرها يظل محدودًا ما لم تجد طريقها إلى العمل اليومي، حيث تُختبر الأفكار وتُعدّل، ويُحتفظ بما يثبت نفعه.
ولا ينتقص ذلك من دور الوزارة في التشريع وضمان الإنصاف، فقد أسهمت المركزية منذ الاستقلال في تعميم التعليم وتقليص الفوارق بين الجهات. ويميز التحليل السوسيولوجي بين شكلين من المأسسة. الأول قانوني شكلي يأتي من الأعلى، فيُنشئ المؤسسات والبرامج بالنصوص والمناشير. والثاني اجتماعي يتكوّن ببطء، حين تصير الممارسة عادة مشتركة يعترف بها أهلها ويتوارثونها. النصوص لا غنى عنها، لكنها قد تُنتج مؤسسة حاضرة على الورق غائبة في الممارسة. أما الممارسة فتنمو من حاجة تُلبّى ثم تُراجَع، حتى تصير عرفًا اجتماعيًا، أو «في سِبْرْنا» كما يقال بالدارجة التونسية. وقد بدأت مبادرة الاستقبال تسلك هذا الطريق، ولم تستقر بعد. وحين يصبح المنشور شرطًا للفعل، تضيق مساحة التعلّم من حاجات المؤسسات وتجاربها.
تجارب بلا تراكم
لا تسمح المعطيات المتاحة بالحكم على نتائج هذه الأيام، لكن السؤال عن مصيرها يعيدنا إلى مبادرات سابقة لم تتراكم. فقد اقترحتُ في دراسة 2001 أيامًا لاستقبال التلاميذ الجدد، وزيارات لتلاميذ السادسة إلى المدارس الإعدادية. وظهرت بعدها مبادرات متفرقة، منها تبادل زيارات اقترحتُه وأشرفتُ عليه سنة 2009-2010 بين تلاميذ السادسة بمدرسة ساقية الخادم بالمهدية وتلاميذ السابعة بإعداديتها، سعيًا إلى تحسين النتائج ضمن البرنامج الوطني «المدارس ذات الأولوية التربوية»، وانطلاقًا من فكرة «الحوض البيداغوجي» الذي يجمع الإعدادية والمدارس الابتدائية التي ترفدها. وفي منبر حوار جمع تلاميذ المستويين يوم 15 أفريل 2010، عادت الهواجس نفسها التي رصدتها الدراسة: صعوبة الامتحانات، والخوف من العقوبات، واللغة الفرنسية، حتى نصح تلاميذ السابعة ضيوفهم الصغار بالعناية بها. تغيّر التلاميذ وبقيت الهواجس. لكن تلك الجهود ظلت معزولة، ولم تتحول إلى ممارسة مشتركة، حتى في إطار برنامج وطني.
فكم من التجارب المهنية بقي في ذاكرة أصحابها دون أن يتحول إلى معرفة تتراكم داخل المؤسسة؟ وقد تزامنت المبادرة مع تكريم الأساتذة المحالين على التقاعد، وهي لحظة قد تكون فرصة لجمع خبرتهم، لا لتوديعها فقط. هذا ما سمّيناه، في مقالاتنا الأربعة حول «التربية العمرانية»، «عادة البدء من الصفر». فإذا جُمعت ملاحظات التلاميذ، وراجعت كل مؤسسة تجربتها، وتبادلت المؤسسات ما تعلمته، صارت المبادرة معرفة مهنية متراكمة.
ما بعد الصور
لا عيب في الصور وكلمات الترحيب والتعريف بالمبادرات. لكن إذا توقفت المتابعة عندها وعند التقارير المرفوعة إلى الإدارة، فقد يتحول توثيق ما أُنجز إلى بديل عن مساءلة ما تغيّر فعلًا،فيصورة من «تلميع الواجهة». وهذا خطر لا يخصّ المبادرة وحدها؛ فمع توالي الإصلاحات المعلنة من فوق، قد يصبح تلميع الواجهة من أكثر الممارسات استقرارًا في حياة المؤسسة. ويقابله سلوك آخر أقل ظهورا هو التذمّر، الوجه الآخر للانتظار. يجمّل الأول ما يجري، ويشكو الثاني منه، لكنهما قد يصدران عن ثقافة واحدة صنعها إصلاح لم يُصغِ بما يكفي إلى أهله.
في «يوم التلميذ الجديد»، وجد التلاميذ من يستقبلهم ويعرّفهم بعالمهم الجديد. والسؤال الذي يعنينا لا يقتصر على ما ستقرره الوزارة أو المجلس: ما الذي نفعله نحن، مربين ومديرين وأولياء، بالهامش الذي نملكه؟فالمؤسسة لا تكتمل بنص يعلنها، بل بممارسة تصير عادة. وقد يتأخر الإصلاح الذي يأتي من فوق، أما ما يبدأ من حاجة حقيقية داخل المدرسة فيمكن أن يبدأ غدًا.
ولعل أول من ينبغي أن يرصد هذه المبادرات ويقرأ دلالاتها هو من يُعِدّ اليوم الإصلاح المقبل: فهي مادة يبني عليها، ومسؤوليته أن يجعلها تتراكم.
بقلم: مصطفى الشيخ الزوالي