Print this page

الخليل والضفة ... من الاحتلال المؤقت إلى الضم الصهيوني

في مشهد يُضاف إلى سجل الدم والجرائم المستمرة

للاحتلال في فلسطين، أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي عن فرض إغلاق شامل في الضفة، وسط حملات اعتقال واسعة في صفوف الفلسطينيين. ويتزامن هذا التجييش العسكري مع إطلاق مناورة عسكرية ضخمة بمشاركة أربع فرق برية وسلاح الجو، تمتد من جبهات الضفة الغربية وصولا إلى الجولان المحتل وغور الأردن.

فبعد سياسة التدمير المنهجية التي أفرغت قطاع غزة من مقومات الحياة، وسع الاحتلال عدوانه ليشمل محافظة الخليل التي تشهد عملية عسكرية واسعة لليوم الخامس على التوالي. وقد أسفرت هذه العملية المتواصلة - التي تخللتها اقتحامات ليلية وحملات اعتقال طالت العشرات - عن تهجير قسري مأساوي لقرابة خمسة آلاف فلسطيني (نحو 780 أسرة) من منازلهم في أحياء ومناطق مثل "عين دير بحة" و"الجلدة"، مخلفة آلاف النازحين من بينهم مئات الأطفال الرضع، والمسنين والنساء الحوامل والمرضى. وترافق ذلك مع تحويل عديد المباني السكنية إلى ثكنات عسكرية، وإغلاق تام لمنطقتي الجلدة وعين دير بحة وبوابات البلدات والمخيمات، وسط تهديدات بتوسيع دائرة التهجير وتطبيق "نموذج جنين" الدموي في كبريات مدن جنوب الضفة.

ولم تقتصر الإجراءات التنكيلية على الحصار والتهجير، بل امتدت لتشمل جرافات الاحتلال التي تعيث فسادا عبر هدم العمارات السكنية والمنشآت، وإغلاق الحرم الإبراهيمي أمام المصلين، في عقاب جماعي سافر في خضم سياسات اليمين المتطرف الساعي لتحويل دماء الفلسطينيين إلى وقود في الدعاية الانتخابية.

ولا يمكن فهم الانفجار الراهن في مدينة الخليل بمعزل عن مسارها التاريخي المعقد منذ توقيع اتفاقيات أوسلو وما تبعه من محطات. ففي عام 1997، وُقع "بروتوكول الخليل" الذي قسم المدينة إلى منطقتين رئيسيتين: منطقة تخضع للسيطرة الفلسطينية وتضم نحو 80 بالمئة من السكان، ومنطقة أُبقيت تحت السيطرة الأمنية المطلقة للاحتلال لحماية بؤر الاستيطان ومئات المستوطنين المغتصبين لقلب المدينة التاريخي ومحيط الحرم الإبراهيمي.

وعلى مدار ثلاثة عقود، مثلت الخليل دليلا حيا على سياسات الفصل العنصري الصهيونية بدءا من مجزرة الحرم الإبراهيمي عام 1994 التي أسست للتقسيم الزماني والمكاني، مرورا بإغلاق الشوارع الحيوية مثل شلالة والشهداء، وصولا إلى المحطة الكارثية الراهنة التي ألغت فيها حكومة اليمين المتطرف - عبر أقطابها كسموتريتش وبن غفير - ما تبقى من "بروتوكول الخليل" لصالح "الإدارة" الاستيطانية.

وبهذا، تنتقل الخليل اليوم من مربعات التقسيم المؤقت إلى أتون "الضم الفعلي والتطهير العرقي الصامت"، عبر هدم المنازل وفرض الطوق العسكري، وتمهيد الطرق لتهويد ما تبقى من هويتها العربية والإسلامية.

ويمثل التصعيد الراهن في الخليل والضفة نقطة تحول كبرى في مسار المشروع الصهيوني الذي يعيش مرحلة الحسم الجغرافي والسياسي. فلم تعد الضفة الغربية تخضع لتصنيفات "الاحتلال المؤقت"، بل باتت تعيش مرحلة "ضم فعلي وقانوني" غير معلن. وآخر هذا التمشي الصهيوني يتعلق بالقرارات الإدارية الإسرائيلية التي ألغت الفوارق بين مناطق السلطة الفلسطينية، بدءا من إنشاء قاعدة عسكرية ثابتة داخل مناطق (أ)، مرورا بمنح حكومة الاحتلال صلاحيات هدم المنشآت الفلسطينية حتى في مناطق سلطتها الاسمية تحت ذرائع واهية، وصولا إلى حملات تسجيل الأراضي في مناطق (ج) باعتبارها "أراضي دولة" وفتح السجلات للمستوطنين. وفي خضم كل ذلك تتسع البؤر الاستيطانية التي تعمل كأداة "تطهير عرقي صامت" للفلسطينيين.

ولم يتوقف سعي اليمين المتطرف عند حدود الحصار والعقاب الجماعي، بل تعداه إلى كشف الأطماع الاستيطانية السافرة، حيث خرج وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش بدعوة صريحة لشن حملة عسكرية واسعة بالضفة على غرار ما جرى في غزة ولبنان، تهدف رسميا إلى تفكيك السلطة الفلسطينية كليا، ومصادرة الأسلحة، وتمهيد الطريق أمام إحكام السيطرة والضم. وهذا يؤكد أن حكومة الاحتلال ماضية في تصفية ما تبقى من الوجود السياسي الفلسطيني، وتحويل الضفة الغربية إلى ساحة حرب مفتوحة بمعزل عن أي غطاء سياسي أو اتفاقيات سابقة، في ظل التعامل مع محتل مجرم لا يحترم المواثيق والقيم.

وفي ظل ما يحصل اليوم من جرائم وانتهاكات ومخططات كشفت عنها تقارير دولية وأممية بتدمير آلاف المنازل والمنشآت وتهجير آلاف الفلسطينيين، أضحى اتفاق أوسلو بحكم المنتهي. إذ استغلته "إسرائيل" لتوسيع الاستيطان وتحويل "السلطة الفلسطينية" إلى كيان إداري محدود الصلاحيات بلا سيادة. ولكن على أرض الواقع تتسع الهوة بين الاعتراف الدولي الواسع بالدولة الفلسطينية من قبل أكثر من 150 دولة وبين التمزيق الجغرافي الممنهج عبر الجدار والعزل والكانتونات، مما يجعل أي كيان فلسطيني مستقبلي مجرد أرخبيل محاصر عسكريا واقتصاديا.

يتزامن هذا المشهد الدموي مع انتخابات "الكنيست"  التي شهدها الاحتلال امس حيث واجه مجرم الحرب رئيس وزراء الاحتلال الصهيوني بنيامين نتنياهو سباقا انتخابيا محموما تراجعت فيه مكانته السياسية. فسارع نتنياهو للتلويح بشن أكبر عملية عسكرية في الضفة منذ عام 1967، وفرض إغلاق شامل وعزل للضفة، هروبا إلى الأمام وتصديرا للأزمات.

وتأتي انتخابات الكنيسيت في ظل تحولات كبرى تشهدها المنطقة بدء من طوفان الأقصى مرورا بالمشروع الصهيوني الذي يستهدف التغول أكثر فأكثر في المنطقة أمنيا وسياسيا واقتصاديا .  وسواء بقي نتنياهو أو صعد منافسه غادي آيزنكوت، فإن الإجماع الصهيوني يرفض بالمطلق قيام دولة فلسطينية، ويتبنى ذات العقيدة العسكرية التي تشرعن الإبادة في غزة وقمع الضفة. ومع كل موسم انتخابي صهيوني، فإن الفلسطينيين لا يجنون سوى المزيد من الدم والتهجير والاستيطان.

وفي ظل هذه المعطيات، ومع تواصل سياسة الصمت المخزي العربي والانصياع لمشروع التطبيع على حساب حقوق الشعب الفلسطيني، تتجه المنطقة نحو سيناريوهات شديدة التعقيد أخطرها تنفيذ مخطط التهجير الصامت عبر تدمير البنى التحتية وتفريغ مناطق (ج) والخليل وشمال الضفة لجعل الحياة مستحيلة ودفع السكان نحو الهجرة القسرية. ومقابل ذلك فان احتمال انفجار انتفاضة شاملة فلسطينية جديدة في وجه الاحتلال قائمة بالنظر الى توفر الظروف نفسها التي دفعت الفلسطينيين في عديد المحطات التاريخية السابقة الى تجدد الانتفاضة ضد المحتل.

واليوم في خضم ما يجري في المنطقة من حروب مستميتة لتغيير وجه المنطقة لصالح المشروع الصهيوني، وأمام صمت المجتمع الدولي وفشله في تمرير قرارات تضع حدا لجرائم الاحتلال وتمادي حكومة نتنياهو بجرائمها في فلسطين، ليس هناك خيار أمام الشعب الفلسطيني سواء في غزة او الخليل والضفة عموما سوى الاستمرار في معركة الصمود ورفض الانكسار أمام آلة الحرب والاجرام والتقتيل الصهيونية.

اما الدول العربية الصامتة ، فان ما يحصل في الضفة وغزة يحمل تداعيات استراتيجية وسياسية وأمنية خطيرة على أمنها القومي. فالانهيار التدريجي للوضع في الضفة وازدياد السيطرة العسكرية الإسرائيلية يوسّع النفوذ الاستراتيجي المباشر لإسرائيل على طول الحدود مع الدول العربية. كما يوسع الصمت الرسمي العربي الفجوة بين الأنظمة وشعوبها. فالعديد من الحكومات الصامتة تجد نفسها مقيدة بحسابات التحالف مع الولايات المتحدة، أو الارتباط باتفاقيات التطبيع، أو الانشغال بالأزمات الداخلية. لكن هذا الصمت العربي الرسمي يمنح حكومة الاحتلال الإسرائيلية الضوء الأخضر وهامشا أوسع لتنفيذ مخططات الضم وتفريغ الأرض من سكانها. وحتى "حل الدولتين" الذي تتبناه المبادرة العربية للسلام،  تم وأده بالكامل مع محتل مجرم لا يحترم المواثيق والقيم ويرتكب أبشع المجازر ضد الإنسانية في العصر الحديث.

المشاركة في هذا المقال