Print this page

حالةُ الاستقطاب ذريعةً

ثمّة جزءٌ من الخطاب السّياسيّ والإعلاميّ

في بلادنا يقتصر المسافات ويختزل المشهد في صورة تبسيطيّة: مع السّلطة أو ضدّها، مع الرّئيس أو ضدّه، مع "المسار" أو ضدّه. قلت إنّ الصّورة تبسيطيّة، لأنّ أصحابها يسعون للتّخلّص من عناء التّفكير، أو بعبارةٍ أخرى لسلعنة القائل قبل أن نقرّر هل علينا الإصغاء إليه أم لا، فنضع عليه جبينه مُلصقة تُحدّد له مكانه كفردٍ في رفّ المجموعة.

بيد أنّ هذه الصّورة لا تُقصي فحسب بل تُضلّل، لأنها تحجب طبيعة الاستقطابات الحقيقيّة الّتي تعيشها تونس. والاستقطاب، في المجمل، أمرٌ صحّيّ، كلّما خلا من التّحريض والعنف والكراهيّة. وهو صحّيٌّ أيضًا حين نُوفّق في تفكيك أسبابه ونتلمّس حراكيّته.

وليس سرًّا أنّ تونس شهدت عبر تاريخها حالات استقطاب حادّ، بدءًا بالصّراع بين عبد العزيز الثّعالبي والحبيب بورقيبة، ومُرورًا بالصّدام البورقيبيّ اليوسفيّ، والبورقيبيّ العاشوريّ، وُصولًا إلى القصبة ضدّ القبّة فالإسلاميّين ضدّ الحداثيّين. حتّى الحزب الاشتراكيّ الدّستوريّ شهِد في حالاتٍ عدّة انشطارًا داخليًّا كان معلنًا في لوائح مؤتمراته، بين محافظين وليبيراليّين – اقتصاديًّا -، إلى جانب ما عرفه من خروج مجموعة أحمد المستيري، في منتصف سبعينات القرن الماضي.

لكن، في كلّ محطّة، كانت هناك قوى ثالثة بل ورابعة وخامسة، في أحيانٍ كثيرة، تنقسم إلى من لا يرى نفسَه طرفًا في تلك التّقسيمات، أو لا يرى من التّقسيمات نفسِها أيّ مُبرّر، إلى جانب فئتي الانتهازيّين والسّاكتين، الّتي لا تخلو منها أيّ لحظة استقطاب.

وهذه التّقسيمة، وهي حتمًا غير مُكتملة ولا نهائيّة بالنّظر لما يتميّز به المجتمع من حراكٍ مستمرّ، قد تكون الأقرب في تصنيف توجّهات الرّأي العامّ، بل وحتّى في صفوف القوى السّياسيّة والمدنيّة والنّقابيّة. فرَسم الحدود لن يُفرز معسكرين، بل أكثر. ثمّة من يؤيّد سياسات الرّئيس فيما يتعلّق بمواجهة المنظومة الحزبيّة التّقليديّة، لكنّه يعارض خياراته الاقتصاديّة. وهناك من يرفض أداء المعارضة الحالية لكنّه ينتقد السّلطة بشدّة. وهناك من يناصر الدّولة القويّة لكنّه يطالب في الآن نفسِه بضماناتٍ أكبر للحرّيّات العامّة.

حتّى داخل المعارضة، ثمّة نِقاشات حادّة بشأن عددٍ من المسائل الحادّة الّتي لا يمكن تجاوزها دون التّموقع وأحيانٍ بشكلٍ صاخب، كإمكانيّة المشاركة في أيّ انتخاباتٍ في الفترة المقبلة من عدمها والموقف من حركة النّهضة و/أو الحزب الدّستوريّ الحرّ. ثمّ هناك معركة الأولوّيات، كسؤال: هل الأهمّ، الآن، التّوصّل إلى مبادئ تضمن العيش المشترك أم الضّغط من أجل إنشاء المحكمة الدّستوريّة؟

لكن، ولأنّ بلادنا تعيش أزمةً مُركّبةً غيرَ مسبوقة، فإنّ مُحفِّزات الاستقطاب تبدو وقد تجاوزت، في أحيانٍ كثيرةٍ، الانتماءاتِ الحزبيّةَ والأيديولوجيّةَ، لتتلاشى معها خطوطُ التّماس. ولعلّ أزمة المياه والكهرباء، الصّيف الماضي، وسياسات التّقشّف وآثارها على العائلة التّونسيّة من أهمّ ما يُحوّل الاستقطاب إلى انصهار، حتّى وإن بصوتٍ خافت.

وإذا كانت الدّيمقراطيّات المستقرّة غالبًا ما تُنتج استقطاباتٍ يمكن التّنبّؤ بها، تحديدًا مُعسكران رئيسيّان يفصل بينهما ثالث لإحداث التّوازن، فإنّ المجتمعات الّتي تغيب فيها الأسس الثّلاثة لتوازن المؤسّسات،  أي الفصل بين السّلط واستقلاليّة القضاء والإعلام والمجتمع المدنيّ والحقّ في التّنظّم، تُنتج استقطاباتٍ متحرّكة. وتونس، منذ أكثر من خمس سنوات، تعيش هذا الوضع بالذّات. خُذ، مثلًا، اللّحظة الرّاهنة: لا حديث يعلو فوق الخوض في الميزانيّة، كلٌّ بأسلوبه وطريقته ومستواه الثّقافيّ وحاجياته حسب الفئة الاجتماعيّة الّتي ينتمي إليها. لكن، في كلّ حديثٍ، ثمّة تقاطعاتٍ، خاصّة أنّ لهيب الأسعار وتدهور الخِدمات الأساسيّة وترهّل البنية التّحتيّة أمورٌ تُصيب الجميع دون استثناء.

الأخطر من ذلك أنّ الإصرار على قراءة المشهد بمنطق الثّنائية قد يؤدّي إلى أخطاءٍ جسيمة. فمن يظنّ أنّ كلّ مؤيّدي السّلطة الحاكمة يُشكّلون كتلةً متجانسةًثابتة سيتفاجأ بسرعةٍبتآكلها شيئًا فشيئًا أمام تواتر الإخفاقات – خاصّة الاقتصاديّةوالاجتماعيّة. ومن يعتقد أنّ كلّ المعارضين مرصوصونبجبهةٍ واحدةٍ سيفشل بدوره في فهم اختلافاتهم العميقة. الواقع أعقد من ذلك بكثير.

السّؤال الصحيح، حسب اعتقادي، ليس "مع من يقف التّونسيّون؟" بل "حول أيّ قضيّة يلتفّون؟" على الأقلّ، سيُتيح لنا السّؤال الثّاني التّفكير والتّأمّل. أمّا الأوّل، فسيُنهي الحوارَ قبل أن يبدأ حتّى. 

بقلم: بسّام بوننّي

المشاركة في هذا المقال