تكتنف النظام المصرفي برمته، والناجمة عن القروض التي يمنحها البنك المركزي دون فوائد؟
يتكبد البنك المركزي التونسي خسائر في قيمة محفظة قروضه الممنوحة للحكومة.Bond Portfolio -BTE-loses
كما يشهد النظام المصرفي في تونس تراجعاً في قيمة محفظة السندات الحكومية؛ إذ تفقد سندات الخزانة قيمتها عاماً بعد عام. فقد خسرت القروض المقدمة للحكومة -والتي تبلغ 25 مليار دينار- 20% من قيمتها بسبب معدلات التضخم المرتفعة على مدى السنوات الثلاث الماضية.
إن جميع الأصول المالية حول العالم تفقد قيمتها بفعل التضخم المرتفع؛ فقد علمنا هذا الأسبوع فقط أن صندوق الثروة السيادي النرويجيتكبد خسائر بقيمة 30 مليار دولار في استثماراته العالمية في السندات والأسهم، وذلك نتيجة لاستمرار التضخم المرتفع وأسعار الفائدة العالية.
وينطبق الأمر ذاته على كافة البنوك التجارية في تونس؛ فقد تكبدت خسائر في محافظ سنداتها، وتحديداً تلك التي اشترت سندات حكومية. والجدير بالذكر أن 21% من إجمالي أصول البنوك في تونس موجهة لتمويل العجز الحكومي، وهي أصول تشهد تراجعاً مستمراً في قيمتها.
هل يدرك البرلمان أن منح البنك المركزي قروضاً للحكومة دون فوائد -أي توفير "أموال مجانية"- يضع النظام المصرفي التونسي بأكمله تحت ضغوط مالية مقلقة؟
إن زيادة المعروض النقدي (Excessive Money supply) في الاقتصاد تؤدي إلى رفع مستويات الدين وإبقاء معدلات التضخم مرتفعة لفترة أطول، دون تحقيق أي نمو اقتصادي حقيقي، وهو ما شهدناه بالفعل على مدى السنوات الأربع الماضية.
علاوة على ذلك، فإن تأثير التضخم وتآكل قيمة السندات سيضع النظام المصرفي التونسي تحت ضغط شديد، مما يحد من قدرته على تقديم القروض للشركات الخاصة والأسر، وهو أمر ضروري لتحفيز النمو الاقتصادي.
تعتمد أرباح النظام المصرفي التونسي بشكل أساسي على إقراض الحكومة وتحصيل رسوم مرتفعة من العملاء (إذ تشكل الرسوم 20% من أرباح البنوك، وهي نسبة مرتفعة للغاية وفقاً للمعايير العالمية).
يعاني النظام المصرفي في تونس من ضغوط كبيرة، حيث تبلغ نسبة القروض المتعثرة 18%، بينما تستحوذ الدولة حالياً على نحو 21% من الأصول المصرفية، مما يشير إلى تعمق الروابط بين البنوك والحكومة. (المصدر: التقرير السنوي للبنك المركزي لعام 2025).
تمتلك الأنظمة المصرفية قدرة محدودة على استيعاب الصدمات المالية، وعلى تقديم القروض للقطاع الخاص لدفع عجلة النمو الاقتصادي.
في عام 2025، وُجّهت نحو 50% من القروض لتمويل الدين الحكومي والمؤسسات المملوكة للدولة، بينما ذهبت 30% منها للشركات الكبرى (المصدر: تقرير البنك المركزي لعام 2025). وفي المقابل، تواجه الشركات الصغيرة في تونس -التي يبلغ عددها 400 ألف شركة- صعوبات بالغة في الحصول على التمويل.
- عجز النظام المصرفي التونسي عن تمويل الشركة التونسية للكهرباء والغاز (STEG)، مما اضطرها للاقتراض بقيمة 430 مليون دولار من البنك الدولي.
- كما عجز النظام المصرفي عن تمويل "المجمع الكيميائي التونسي" (Groupe Chimique)، مما دفع المجمع للاقتراض بقيمة 110 ملايين دولار من البنك الأفريقي للتنمية.
من سيتحمل هذه الخسائر في محافظ السندات المملوكة للبنك المركزي والبنوك التجارية في تونس؟
وماذا عن القروض التي قدمها البنك المركزي للحكومة، والخسائر التي تتكبدها البنوك التجارية -المُجبرة على شراء سندات الخزينة الحكومية لتمويل العجز العام سنةً تلو الأخرى-؟
إليك بعض الأمثلة: في عام 2024، تكبد البنك المركزي الفرنسي خسائر بقيمة 12 مليار يورو جراء شرائه للسندات الحكومية.
كما خسر البنك المركزي الأوروبي 7.94 مليار يورو.
وبلغت خسائر البنك المركزي الإيطالي 7.1 مليار يورو.
بينما خسر بنك اليابان 90 مليار دولار.
وفي عام 2025، سجل الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي خسائر بقيمة 844 مليار دولار في حيازاته من السندات.
كما خسر بنك إنجلترا 150 مليار جنيه إسترليني.
وبلغت خسائر بنك الاحتياطي الأسترالي 36 مليار دولار.
أما البنك الوطني السويسري، فقد تكبد خسائر تعادل 143 مليار دولار في حيازاته من السندات خلال عام 2023، بالإضافة إلى خسائر بلغت 8.2 مليار فرنك سويسري في الربع الأول من عام 2026 نتيجة استثماراته بالعملات الأجنبية.
اليوم، يُعد التضخم المرتفع العدو الأول للاقتصاد العالمي؛ ولا ينبغي أن ننسى أن معدل التضخم يمثل "ضريبة خفية" ترفع تكاليف الإنتاج، وتؤدي بصمت -عاماً بعد عام- إلى تآكل قيمة الدينار (أي انخفاض القوة الشرائية). بالإضافة إلى ذلك، يؤدي ذلك إلى توسيع فجوة التفاوت بين الأغنياء والفقراء، وإلى تدمير قيمة المدخرات المصرفية التي تحتاجها الحكومة للاستثمار بهدف تنمية الاقتصاد.
تُعد القروض المصرفية أصلاً مالياً (A financial Asset )بالنسبة للبنوك التجارية والبنك المركزي. وعندما تفقد هذه الأصول قيمتها في ظل بيئة تتسم بارتفاع معدلات التضخم، يعاني النظام المصرفي بأكمله من تراجع في قيمة إجمالي أصوله، إلى جانب تآكل قيمة الدينار وتدهور مستويات المعيشة بشكل عام.
ويؤدي تزامن تضخم أسعار الأصول مع ارتفاع أسعار الفائدة إلى انخفاض قيمة سندات الخزانة عن قيمتها الاسمية (قيمتها الأصلية The initial Par Value) )، مما يعني فقدانها لجزء من قيمتها الحالية The Present Value -PV of the Bond-BTE (نظراً للعلاقة العكسية بين السعر والقيمة).
على سبيل المثال:القرض البالغ 7 مليارات دينار، والذي مُنح للحكومة في عام 2024 دون فوائد، تبلغ قيمته اليوم 5.6 مليار دينار (أي 7 مليارات دينار مطروحاً منها معدل تضخم تراكمي بنسبة 20% على مدى 3 سنوات).
وتتفاقم المشكلة بالنسبة للبنوك التجارية التي اشترت سندات الخزانة؛ إذ تنخفض قيمة هذه السندات في ميزانياتها العمومية عاماً بعد عام، مما يضطرها إلى تقليص حجم القروض الموجهة للقطاع الخاص وللأسر.
إنها "قروض سامة" تلك التي تُمنح دون فوائد.
تراقب البنوك المركزية حول العالم معدلات التضخم في أسعار السلع والخدمات الاستهلاكية، كما تتابع تضخم أسعار الأصول -بما في ذلك أسعار المساكن والسيارات والسندات.(Asset inflation and Consumer Price inflation-CPI).
وعندما ترتفع أسعار الأصول، يتراجع الطلب عليها، مما يؤدي بدوره إلى انخفاض أسعارها، وقد تهبط هذه الأسعار إلى ما دون قيمتها الاسمية (أي تكلفتها الأصلية). Below the Par value-loss of Value
وهكذا، بينما تتقلب قيمة الأصول صعوداً وهبوطاً، تظل الديون وتكاليف الفوائد (الالتزامات) ثابتة، وهي ديون واجبة السداد بموجب القانون. وهنا تكمن نقطة الخطر التي قد تؤدي إلى إفلاس الشركات أو البنوك؛ وهو ما حدث بالفعل مع بنك "كريدي سويس" (Credit Suisse) في سويسرا، وانهيار كل من "بنك وادي السيليكون" (SVB) و"سيغنتشر بنك" (Signature Bank) في الولايات المتحدة خلال عام 2023.
لذا، ينبغي على الحكومة أيضاً مراقبة تضخم أسعار الأصول؛ فعندما ترتفع أسعار الأراضي والسيارات بنسبة تتجاوز 10% سنوياً، فإن ذلك يؤثر بشكل مباشر على ميزانية الأسرة التونسية، ويجعل امتلاك منزل أمراً بعيد المنال بالنسبة للعائلات من الطبقة الوسطى.
ستنخفض القيمة الحالية للقروض الممنوحة للحكومة التونسية في أعوام 2024 و2025 و2026؛ مما يعني أن مجموع 7 + 7 + 11 مليار دينار لم يعد يعادل 25 مليار دينار وفقاً لقيمتها اليوم. فمن سيتحمل هذه الخسائر؟
تبلغ القيمة الحالية لهذه القروض 22 مليار دينار؛ إذ تفقد الأصول المالية المدرجة في ميزانية البنك المركزي قيمتها بما يعادل معدل التضخم التراكمي البالغ 20% على مدى السنوات الثلاث الماضية.
وينطبق الأمر ذاته على البنوك التجارية في تونس، التي تُجبر على شراء سندات الخزينة لتمويل العجز عاماً بعد عام.
وتتعرض هذه السندات -المدرجة كأصول في ميزانيات البنوك التجارية Assets in the Balance sheet of the Bank- لخسارة 20% من قيمتها بسبب التضخم. وتضع هذه الخسائر النظام المصرفي التونسي تحت ضغط شديد، مما يحد من قدرته على منح القروض للشركات الخاصة والأسر، وهو ما يعيق نمو الاقتصاد.
سيتحمل المودعون في البنوك، إلى جانب دافعي الضرائب التونسيين جميعاً، تكلفة هذه الخسائر.
ولا يمكن للبنك المركزي التونسي أن يتبنى سياسة نقدية مماثلة لتلك التي يتبعها الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي؛ فالأخير يتحكم في الدولار الأمريكي، وهو العملة الاحتياطية العالمية، مما يمنحه مرونة في تمويل الدين العام وتغطية عجز الميزانية الناتج عن السياسات الحكومية غير الرشيدة.
منذ تأسيس البنك المركزي التونسي عام 1958، اعتمدت الحكومة التونسية في بناء البنية التحتية وتحقيق التنمية الاقتصادية على ثلاثة مصادر للتمويل:
- مدخرات الشعب التونسي.
- القروض بالعملات الأجنبية، سواء من البنك الدولي أو عبر اتفاقيات ثنائية مع حكومات أو بنوك أجنبية.
- المنح المقدمة من جهات مانحة أجنبية.
إن فكرة تقديم البنك المركزي التونسي قروضاً للحكومة دون فوائد ليست سوى وهمٍ، أشبه بألاعيب السحر الأسود أو خلق أموالٍ زائفة. وتكفينا تجربة السنوات الثلاث الماضية؛ فقد ضخ البنك المركزي في الاقتصاد 25 مليار دينار، وكانت النتيجة خسارة 58,200 وظيفة في الربع الثاني من عام 2026، إلى جانب تفاقم أزمات انقطاع الكهرباء ونقص المياه، وارتفاع معدلات البطالة بين الشباب، وتصاعد التضخم، وتراجع الإنتاج الصناعي، وانكماش الصادرات، وهجرة الكفاءات التونسية (من حملة الشهادات الجامعية)، فضلاً عن وصول إجمالي الدين الحكومي إلى 86% من الناتج المحلي الإجمالي.
إن المعادلة بسيطة: السياسات الاقتصادية الحكومية السيئة تؤدي حتماً إلى نتائج بالغة السوء والخطورة على جميع فئات المجتمع، أغنياءً وفقراءً.
علاوة على ذلك، فحتى لو قام البنك المركزي التونسي بإصدار 100 ألف مليون دينار سنوياً، فلن يحل ذلك مشكلة الديون ولن يحقق نمواً اقتصادياً. والسبب هو أن تونس مضطرة لشراء الطاقة والمواد الخام والقمح من السوق العالمية باستخدام عملات أجنبية (الدولار واليورو)، وليس بالدينار التونسي. لذا، يتعين على البنك المركزي دائماً الاحتفاظ باحتياطيات من العملات الأجنبية تكفي لتغطية ما لا يقل عن 150 يوماً من الواردات؛ وذلك ليتمكن من إدارة السياسة النقدية، والحفاظ على استقرار الأسعار، والسيطرة على معدلات التضخم، وحماية الدينار من الانخفاض، وسداد الديون الخارجية عند حلول موعد استحقاقها.
خلاصة:
تكمن نقطة الضعف الرئيسية في السياسة النقدية للبنك المركزي التونسي في تآكل استقلاليته المؤسسية؛ إذ لم يعد البنك المركزي محايداً، وفقد تركيزه على مهمته الأساسية المتمثلة في "استقرار الأسعار". وقد دفعه ذلك إلى تمويل العجز المالي للحكومة عبر إصدار النقد. ومن الجدير بالذكر أن البنك المركزي التونسي يسيطر على 60% من الاقتصاد، في حين تقع نسبة 40% منه ضمن الاقتصاد غير الرسمي (الموازي)؛ وهذا الارتباط الهيكلي يقوض استقرار الأسعار ويعطل آلية انتقال قرارات أسعار الفائدة إلى الاقتصاد الحقيقي.destroy the mechanism of Transmission of the quantity of money in the economy.
ولا ينبغي أن ننسى أن البنك المركزي التونسي قد قدم للحكومة تمويلات تجاوزت 25 مليار دينار (موزعة على دفعات بقيمة 7 و7 و11 مليار دينار)، ومع ذلك، شهدت البلاد معدلات مرتفعة لتضخم أسعار الغذاء، ونسب بطالة عالية، وضعفاً في قيمة الدينار مقابل اليورو، إلى جانب ارتفاع مستويات الدين العام وتواضع نمو الناتج المحلي الإجمالي على مدى السنوات الثلاث الماضية. وهنا تطرح التساؤلات التالية:
- هل نجح البنك المركزي التونسي في تحقيق مهمته الجوهرية المتمثلة في ضمان استقرار الأسعار (أي الحفاظ على معدل تضخم منخفض)؟ إذ يبلغ التضخم النقدي الفعلي 8.5%، وهو معدل مرتفع للغاية بالنسبة لبلد يبلغ فيه الحد الأدنى للأجور الشهرية 528 ديناراً.
- لا يزال تضخم أسعار الغذاء مرتفعاً جداً عند مستوى 8.1% (وفقاً لبيانات سبتمبر 2026)، ولم يوضح تقرير البنك المركزي ما هو مستهدف التضخم الذي يطمح إليه لعامي 2026 و2027 وما بعدهما.Inflation targeting
- خلال عام 2026، انخفضت قيمة الدينار التونسي بنسبة 3% مقابل اليورو، وبنسبة 3.5% مقابل الدولار الأمريكي على مدى السنوات الثلاث الماضية؛ مما أدى إلى فقدان الأسر التونسية 20% من قوتها الشرائية خلال السنوات الخمس الأخيرة.
- تراجعت احتياطيات العملة الأجنبية لتغطي 92 يوماً من الواردات في سبتمبر 2026، مقارنة بـ 106 أيام في عام 2025.
بقلم: العربي البوهالي