إحدى أبرز قيادات حزب البديل من أجل ألمانيا، أمام البرلمان الألماني لتتحدث عن أكثر من مليون شخص رُفضت طلبات لجوئهم، مطالبة بترحيلهم من البلاد.
غير أن تحقيقًا نشرته مؤسسة CORRECTIV الألمانية المتخصصة في التحقق من المعلومات، بتاريخ 2 أكتوبر 2026، كشف عن خلل جوهري في الاستنتاج المستخلص من هذه الأرقام. فالعدد الذي تجاوز المليون يتعلق بأشخاص سُجل لهم رفض طلب لجوء في مرحلة سابقة، ولا يعني أنهم جميعًا يقيمون بصورة غير قانونية أو أنهم مطالبون حاليًا بمغادرة البلاد.
وبحسب المعطيات التي عرضها التحقيق، بلغ عدد الأشخاص الملزمين قانونيًا بالمغادرة نحو 259 ألفًا في نهاية يونيو 2026، وكان نحو 77% منهم يتمتعون بوضع قانوني يسمح بتأجيل ترحيلهم.
ليست المسألة إذن مجرد اختلاف في قراءة الإحصائيات، بل مثال على كيفية تحويل رقم إلى استنتاج سياسي مضلل، ثم توظيفه لإثارة المخاوف وتقديم الترحيل الجماعي باعتباره حلًا لأزمات أكثر تعقيدًا.
وفي فرنسا، أعادت أحداث العنف والتوترات الاجتماعية التي شهدتها البلاد قضية الهجرة إلى واجهة الصراع السياسي. فقد استثمرت مارين لوبان والتجمع الوطني في المخاوف الأمنية، مع ربط بعض مظاهر العنف والجريمة بسياسات الهجرة المتبعة منذ عقود، وتقديم تشديد هذه السياسات باعتباره مدخلًا أساسيًا لاستعادة الأمن والنظام.
لكن هل يمكن تفسير التوترات الاجتماعية وأعمال العنف بالهجرة وحدها؟ وهل يمكن تجاهل أزمات القدرة الشرائية والتفاوت الاجتماعي وصعوبات الاندماج وتراجع الثقة بالمؤسسات؟ والأهم، هل يجوز الانتقال من مسؤولية أفراد عن أفعال محددة إلى تحميل مجموعة بشرية كاملة مسؤولية تلك الأفعال؟
وهكذا تتحول أزمات اقتصادية واجتماعية وأمنية متشابكة إلى فرصة سياسية لإعادة إنتاج خطاب يقوم على الخوف، وتحديد المتهم، وتقديم حلول تبدو بسيطة وحاسمة.
أما في تونس، ورغم اختلاف السياق السياسي والاقتصادي والديمغرافي، فتتعالى بين الحين والآخر أصوات تحمل المهاجرين غير النظاميين مسؤولية بعض الأحداث الأمنية أو ارتفاع أسعار مواد استهلاكية، دون الاستناد دائمًا إلى معطيات دقيقة تثبت وجود علاقة سببية بين هذه الظواهر.
قد تبدو المقارنة بين هذه الحالات غير متكافئة، لكن ما يجمع بينها ليس حجم الهجرة أو طبيعتها، وإنما طريقة توظيفها سياسيًا: تحويل أزمات متعددة الأسباب إلى سرديات مبسطة، لها متهم واضح وحلول تبدو سهلة.
إنها إحدى أكثر آليات الشعبوية فاعلية: حين تعجز السياسة عن تفسير الأزمات أو معالجتها، يصبح البحث عن متهم أسهل من البحث عن حل.
من الأرقام إلى صناعة الانطباعات
لا يمكن إنكار أن الهجرة أصبحت من أبرز القضايا التي تشغل المجتمعات الأوروبية، وأنها تطرح تحديات حقيقية تتعلق بالاندماج والأمن والسكن والخدمات العمومية وسوق العمل.
لكن النقاش السياسي حول هذه التحديات لا يقوم دائمًا على التمييز الضروري بين الوقائع والانطباعات، أو بين المعطيات الإحصائية والاستنتاجات التي يجري استخلاصها منها.
فالمهاجر ليس بالضرورة طالب لجوء، وطالب اللجوء الذي رُفض طلبه ليس بالضرورة مقيمًا بصورة غير قانونية، كما أن الوضعية القانونية للأجنبي لا تحدد وحدها إمكانية ترحيله في ظل الضمانات القانونية والالتزامات الدولية.
غير أن الخطاب الذي يسعى إلى التعبئة السريعة لا يجد دائمًا مصلحة في توضيح هذه الفوارق، لأن الأرقام الكبيرة، حين تُنتزع من سياقها، تكون أكثر قدرة على إثارة الخوف والغضب.
والأخطر أن هذا الاختزال قد يسمح لبعض القوى السياسية بالاستفادة من الأزمات دون أن تكون مطالبة بتقديم إجابات جدية عن أسبابها الحقيقية.
تونس: عندما تسبق الاتهامات المعطيات
بعيدًا عن المشهد الأوروبي، تعرف تونس بدورها انتشار بعض الخطابات التي تحمل المهاجرين غير النظاميين، وخاصة القادمين من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء، مسؤولية مشكلات أمنية أو اقتصادية واجتماعية.
ففي بعض الحالات، يجري الربط بين أحداث أمنية ووجود المهاجرين قبل استكمال التحقيقات وتحديد المسؤوليات. وفي حالات أخرى، تُفسَّر زيادة أسعار بعض المواد الغذائية أو ارتفاع الطلب عليها بوجود هذه الفئة، دون تقديم دراسات تحدد حجم تأثيرها الفعلي في السوق.
ولا يتعلق الأمر هنا بنفي احتمال وجود تأثيرات محلية للهجرة على بعض الخدمات أو الأسواق، وإنما برفض تحويل الاحتمالات إلى حقائق، والانطباعات إلى أدلة.
كيف يمكن الجزم بأن المهاجرين تسببوا في ارتفاع الأسعار دون معرفة أعدادهم وتوزيعهم الجغرافي وحجم استهلاكهم؟ وكيف يمكن تحميلهم مسؤولية تدهور الأمن دون إحصائيات موثوقة وتحليل يميز بين الجرائم الفردية والظواهر الاجتماعية؟
إن تونس تواجه منذ سنوات اختلالات اقتصادية وهيكلية عميقة، تشمل ضعف الإنتاجية، والبطالة، والتضخم، واختلال منظومات التوزيع، وتراجع الاستثمار، وصعوبات المالية العمومية. وهي أزمات لا يمكن اختزالها في وجود مهاجرين غير نظاميين.
لكن من الخطأ المقابل أيضًا إنكار وجود تحديات حقيقية مرتبطة بالهجرة، أو تجاهل مخاوف المواطنين في المناطق التي تشهد تجمعات كبيرة أو ضغطًا على بعض الخدمات.
فالهجرة غير النظامية تطرح بالفعل أسئلة تتعلق بالأمن والحدود والإقامة والصحة والإيواء والموارد المتاحة، فضلًا عن نشاط شبكات التهريب والاتجار بالبشر.
كما أن تونس ليست بمعزل عن التحولات التي تعرفها سياسات الهجرة الأوروبية، ولا عن الأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية في بلدان المنشأ والعبور.
ولهذا فإن معالجة الظاهرة تستوجب سياسة عمومية واضحة، تقوم على المعطيات الدقيقة والتعاون الإقليمي والدولي، لا على التخويف ولا على مقاربة عاطفية تتجاهل تعقيدات الواقع.
من صناعة المتهم إلى احتكار الوطنية
لكن توظيف قضية الهجرة ليس سوى أحد مظاهر ظاهرة سياسية أوسع تشهدها تونس، تتمثل في تنامي خطاب شعبوي يقوم على تقسيم المجتمع إلى معسكرين: وطنيون مخلصون من جهة، وخونة أو عملاء أو متآمرون من جهة أخرى.
وهو تقسيم لا يستند إلى معيار موضوعي للوطنية، وإنما يرتبط في كثير من الأحيان بدرجة القرب من السلطة أو التأييد لخياراتها.
فالمعارضة السياسية قد تتحول إلى شبهة، والنقد إلى تشكيك في الانتماء الوطني، والعلاقات مع الشركاء الأجانب إلى قرينة على العمالة، بينما تُقدَّم السلطة باعتبارها التعبير الحصري عن إرادة الشعب ومصالحه.
ولا يتعلق الأمر بمجرد تجاوزات لغوية لبعض الأنصار أو الناشطين، بل بخطاب سياسي ساهمت السلطة القائمة نفسها في ترسيخ مفرداته ومنطقه، حين أصبح الحديث عن التآمر والخيانة والولاءات الخارجية جزءًا متكررًا من تفسير الصراعات السياسية والأزمات الداخلية.
وفي مثل هذا المناخ، يصبح البحث عن مسؤول خارجي أو داخلي عن الإخفاقات أكثر سهولة من مساءلة السياسات العمومية ونتائجها.
فمرة يكون المتهم خصمًا سياسيًا، ومرة منظمة من المجتمع المدني، أو وسيلة إعلام، أو جهة أجنبية، وقد يكون في مناسبة أخرى مهاجرًا لا يملك حتى القدرة على الدفاع عن نفسه في الفضاء العام.
واللافت أن هذا الخطاب لا يخلو من مفارقات. فهو يستحضر باستمرار صورة الأجنبي المتربص بالبلاد، ويعيد إنتاج سرديات عن الثروات المنهوبة والمؤامرات الخارجية، بينما تستمر الدولة، بحكم الضرورة والمصلحة، في إقامة علاقاتها الدبلوماسية والاقتصادية مع الشركاء أنفسهم الذين يُقدَّمون أحيانًا في الخطاب التعبوي باعتبارهم مصدرًا للتهديد.
ولا يعني ذلك إنكار وجود مصالح متعارضة بين الدول أو اختلالات حقيقية في العلاقات الاقتصادية الدولية، أو التقليل من أهمية الدفاع عن السيادة الوطنية.
لكن السيادة لا تُحمى بالشعارات وحدها، ولا باستحضار مؤامرة خارجية كلما تعثرت سياسة داخلية. إنها تُحمى بمؤسسات قوية، واقتصاد قادر على الإنتاج، وقرارات مستقلة، وقدرة على التفاوض والدفاع عن المصالح الوطنية انطلاقًا من الوقائع والمعطيات.
إن الوطنية ليست امتيازًا تمنحه السلطة لمؤيديها، وليست صفة يفقدها المواطن بمجرد معارضته لخيارات الحكم.
كما أن الاختلاف السياسي لا يلغي الانتماء إلى الوطن، ولا يمنح أي طرف الحق في احتكار الحديث باسم الشعب.
والأخطر من ذلك أن هذا التقسيم يضعف إمكانية النقاش الديمقراطي نفسه. فحين يصبح المعارض خائنًا، والصحفي مشبوهًا، والجمعية متهمة، والمهاجر خطرًا مفترضًا، تتراجع الحاجة إلى الحجة والدليل، ويحل التصنيف محل النقاش.
وهكذا لا تكتفي الشعبوية بتبسيط الأزمات، بل تعيد تشكيل المجال السياسي على أساس الولاء والاتهام، بما يجعل المساءلة أكثر صعوبة ويحول دون بناء التوافقات الضرورية لمواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية.
فالدولة القوية لا تحتاج إلى تخوين المختلفين معها لإثبات وطنيتها، والسلطة الواثقة من خياراتها لا تخشى مساءلتها.
الحق في تنظيم الهجرة لا يبرر الاتهام الجماعي
من الضروري هنا التمييز بين أمرين كثيرًا ما يجري الخلط بينهما: حق الدولة في تنظيم الهجرة، وواجبها في احترام الحقوق الأساسية للإنسان.
فليس كل من يطالب بتنظيم الهجرة أو بتطبيق قوانين الإقامة معاديًا للأجانب، كما أن الدفاع عن حقوق المهاجرين لا يعني المطالبة بفتح الحدود دون ضوابط أو تجاهل مقتضيات الأمن الوطني.
للدولة الحق في مراقبة حدودها، وتحديد شروط الدخول والإقامة، والتصدي للهجرة غير النظامية في إطار القانون، وملاحقة شبكات الاتجار بالبشر، واتخاذ قرارات الإبعاد متى توفرت شروطها القانونية، مع احترام الضمانات والإجراءات والالتزامات الدولية.
لكن هذه الصلاحيات لا تمنحها، ولا تمنح أي طرف سياسي أو اجتماعي، الحق في إدانة مجموعة بشرية على أساس جنسيتها أو لون بشرتها أو وضعيتها الإدارية.
فالمسؤولية الجزائية فردية، والكرامة الإنسانية لا تتوقف على امتلاك وثيقة إقامة.
ومن المفارقات التي ينبغي التذكير بها أن تونس نفسها بلد هجرة، وأن أعدادًا كبيرة من التونسيين يعيشون ويعملون في أوروبا وغيرها، ويساهمون في اقتصادات بلدان الإقامة وفي الاقتصاد التونسي من خلال تحويلاتهم المالية.
ولا يمكن أن نطالب بحقوق التونسيين المقيمين بالخارج، وأن نرفض التمييز ضدهم، ثم نقبل في الوقت نفسه تعميم الاتهامات على المهاجرين الموجودين فوق ترابنا.
إن الدفاع عن حقوق الإنسان لا ينبغي أن يكون انتقائيًا، كما أن احترام القانون لا ينبغي أن يتغير بتغير جنسية الشخص المعني به.
الشعبوية لا تصنع الأزمات دائمًا، لكنها تعرف كيف تستثمر فيها
ليس من الدقة اعتبار أن الخطابات الشعبوية تنشأ من فراغ، أو أن جميع المخاوف التي تستثمر فيها وهمية.
ففي أوروبا، ساهمت إخفاقات حكومات متعاقبة في معالجة التفاوت الاجتماعي، وأزمات السكن والبطالة، وصعوبات الاندماج، وتراجع الثقة بالمؤسسات، في خلق أرضية مناسبة لصعود القوى السياسية التي تقدم نفسها باعتبارها البديل عن النخب التقليدية.
وفي تونس، لا يمكن فصل انتشار الخطابات التبسيطية عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الصعبة، وضعف الثقة في قدرة المؤسسات على تقديم حلول ملموسة.
غير أن الاعتراف بهذه العوامل لا يعني التسليم بالاستنتاجات التي تقدمها الشعبوية.
فالفرق كبير بين السياسي الذي يستمع إلى مخاوف المواطنين ويعمل على معالجة أسبابها، والسياسي الذي يستثمر تلك المخاوف لتوسيع شعبيته.
الأول مطالب بتقديم سياسات قابلة للتنفيذ، وتوضيح كلفتها ونتائجها وحدودها. أما الثاني فيكفيه أحيانًا تحديد خصم، وتكرار اتهامه، والإيحاء بأن إبعاده سيؤدي إلى اختفاء المشكلات.
وهنا تكمن المفارقة: قد يحقق الخطاب الشعبوي مكاسب سياسية من الأزمة، لكنه لا يملك بالضرورة مصلحة في إنهائها، لأن استمرار الخوف والغضب قد يظل مصدرًا لتعبئته.
ولا يتعلق الأمر حصرًا باليمين المتطرف في أوروبا، ولا بالسلطة القائمة في تونس، ولا بقضية الهجرة وحدها. فقد تلجأ إلى هذه الآلية قوى سياسية مختلفة، بما فيها قوى سبق لها أن مارست الحكم وأخفقت في معالجة المشكلات نفسها التي تتخذها اليوم موضوعًا للاحتجاج.
ولهذا فإن مواجهة الشعبوية لا تكون بمجرد إدانة خطابها أو الدفاع عن خصومها، بل بتقديم بديل سياسي قادر على معالجة الأسباب التي تجعل ذلك الخطاب مقنعًا لدى قطاعات من المجتمع.
فلا العودة إلى إخفاقات الماضي تمثل حلًا، ولا الاستمرار في إعادة إنتاج الانقسامات الحالية يمكن أن يفتح أفقًا جديدًا.
السياسة بين معالجة الأزمات وصناعة الأعداء
إن البديل عن هذه المقاربات ليس خطابًا ينكر الأزمات، ولا دفاعًا غير مشروط عن السياسات السابقة، وإنما إعادة النقاش إلى مجاله الطبيعي: مجال السياسة العمومية، والمعطيات الدقيقة، والقانون، والمحاسبة.
وفي الحالة التونسية، يبدأ ذلك بتوفير بيانات موثوقة حول الهجرة غير النظامية، وتقييم تأثيراتها الفعلية، وتحديد المسؤوليات المؤسساتية، ووضع سياسة واضحة تجمع بين حماية الحدود واحترام الكرامة الإنسانية، وبين متطلبات الأمن والتعاون مع بلدان المنشأ والعبور والاستقبال.
كما يتطلب إعادة الاعتبار للنقاش السياسي بوصفه مجالًا للاختلاف المشروع بين المواطنين، لا ساحة لتوزيع شهادات الوطنية واتهامات الخيانة.فالأزمات المعقدة لا تُحل بالشعارات البسيطة، والمجتمعات لا تصبح أكثر أمنًا بمجرد تحديد فئة يمكن تحميلها مسؤولية كل ما يحدث.
إن السياسة التي تستحق هذا الاسم لا تُقاس بقدرتها على استثارة الغضب، بل بقدرتها على فهم أسبابه وتقديم الحلول.
وقد يكون من السهل على السياسي أن يربح شعبية من خلال صناعة متهم، لكن الأصعب، والأجدر بالمسؤولية، أن يمتلك الشجاعة لمواجهة الأسباب الحقيقية للأزمة.
فالوطنية لا تُقاس بالقرب من السلطة، ولا تُسحب من المواطن بسبب اختلافه معها. والسياسة التي تحتاج باستمرار إلى صناعة أعداء لتبرير إخفاقاتها، إنما تكشف عن عجزها عن تقديم الحلول أكثر مما تثبت قدرتها على حماية الوطن.
وفي النهاية، ليس السؤال فقط عمن يتحمل مسؤولية الأزمات، بل عمن يستفيد سياسيًا من استمرارها.
بقلم: ثابت العابد رئيس لجنة الحقوق والحريات – مجلس نواب الشعب