Print this page

ميزانيّة كلّ المخاطر

لستَ محتاجًا لخِبرةٍ واسعةٍ حتّى تقف عند

حقيقة خطورة الوضع الاقتصاديّ في تونس. حتّى وأنت تطّلع على الميزانيّة، ستنتبه سريعًا إلى أنّ القائمين على المشروع ليس لديهم الكثير ممّا يُقدّمونه. ففي المحور الثّاني الخاصّ بـ"دعم الدّور الاجتماعيّ للدّولة"، تفتّقت قريحتهم على الرّفع في المعلوم على استهلاك المشروبات الرّوحيّة والألعاب والمسابقات والسّفر. إجراءٌ جاء على رأس هذا المحور، وهو ما يدلّ على هامش التّحرّك الضّئيل المُتاح، أمام التّقشّف الطّاغي على سياسات الدّولة منذ سنوات.

ولا يختلف اثنان بشأن حقيقة أنّ البلاد ترزح تحت أعباء أزمةٍ داخليّةٍ مركّبةٍ يختلط فيها المؤسّساتيّ بالسّياسيّ والحقوقيّ والاقتصاديّ والاجتماعيّ، ناهيك عن حالة القطيعة بين السّلطة الحاكمة وبقيّة قوى المجتمع، وهو ما يُفاقم الضّغوط على أيّ ميزانيّةٍ مقبلة.

في الظّاهر، يبدو الاقتصاد التّونسيّمقبلًا على سنة 2027 بأوضاع أقلّ هشاشة ممّا كان عليه خلال سنوات ما بعد جائحة كورونا، إذ يتوقّع صندوق النّقد الدّوليّ نسبة نموّ بـ2 بالمئة، مقابل 2.4 العام الجاري. بيد أنّ هذه التّوقّعات تُخفي حقيقةَ أنّ الاقتصاد التّونسيّ سيبقى شديد التّأثّر، عام 2027، بمخاطرَ إقليميّةٍ ودوليّةٍ لن يملك إزاءها سوى هامشٍ محدودٍ من المناورة.

أولى هذه المخاطر تتعلّق باستمرار التّوتّرات الجيوسياسيّة في الشّرق الأوسط. فقد أثبتت السّنوات الأخيرة أنّ أيّ اضطرابٍ في المنطقة ينعكس سريعًا على أسعار الطّاقة والشّحن والتّأمين البحريّ وسلاسل التّوريد. وتونس، الّتي تستورد جزءًا مهمَّا من حاجياتها الطّاقيّة، تجد نفسها في موقع المتأثّر أكثر من المستفيد بشكل يزيد من الضّغوط التّضخّميّة.

وإذا كانت أسعار الطّاقة قد أظهرت خلال السّنوات الماضية حساسيّةً مفرطةً تجاه الأزمات الإقليميّة، فإنّ سنة 2027 قد تحمل مخاطر إضافيّةً في حال اتّساع نطاق الصّراعات و/أو تعثّر مسارات التّهدئة– إن وُجدت أصلًا -، بما يدفع المستثمرين إلى البحث عن ملاذاتٍأخرى آمنة.

ولتونس أكثر من 100 ألف مواطنٍ بمنطقة الخليج، باتوا في مرمى التّقلّبات هناك. فبعد شهرٍ واحدٍ من شنّ الولايات المتّحدة وإسرائيل حربهما على إيران، قدّرت شركة "كبلر" المتخصّصة في تحليل أسواق السّلع الخسائرَ الّتي تكبّدتها دول مجلس التّعان بـ15 مليار دولار، فقط جرّاءتراجع عائدات النّفط. فما بالك بالوضع، حاليًا، وقد اضطربت الملاحة في مضيق باب المندب، إلى جانب مضيق هرمز، إلى جانب اهتزاز الثّقة في استقرار المنطقة مع تعرّض دول المنطقة لضرباتٍ في عمق أراضيها، بل واستهدفت منشآتها الأكثر حيويّة.

وقد أثارت صحيفة "لوريان لوجور" بالفعل مسألةَ وقف الرّياض تمديدَ عقود كثيرٍ من الموظّفين الأجانب جرّاء آثار الحرب، بالتّزامن مع تغيّر جوهريّ في آليات التّعاقد في جلّ دول الخليج، سواء باللّجوء إلى التّوظيف المحدّد زمنيًّا أو التّوظيف عن بُعد أو عن طريق طرفٍ محلّيٍّ ثالثٍ أو التّوظيف الحُرّ.

ولا يقلّ الوضع في البحر الأسود خطورةً من النّاحية الاقتصاديّة. فالحرب الرّوسيّة الأوكرانيّة لا تُؤثّر على أسواق الطّاقة فحسب، بل تطال أيضًا الحبوب والأسمدة والشّحن البحريّ. وتونس، الّتي تستورد عُشر حاجياتها من القمح من موسكو ونحو 65 بالمئة من أوكرانيا، حسب البنك الأوروبّيّ للتّنمية، تجد نفسَها عرضةً لتقلّبات الأسعار العالميّة أو اضطرابات الإمدادات جرّاء تلك الحرب.

ولا يُمكن أن نتغاضى عن المأزق الأوروبّي، الّذي قد يضرّ بمصالح تونس بشكلٍ مباشر. فالاتّحاد الأوروبّيّ الّذي يستوعب الجزء الأكبر من المبادلات التّجاريّة لبلادنا ويعدّمصدرها الرّئيسيّ للسّيّاح والاستثمارات الأجنبيّة والتّحويلات غير المباشرة المرتبطة بالنّشاط الاقتصاديّ، سيشهد ماراثونًا انتخابيًّا، انطلاقًا من الانتخابات البرلمانيّة الإسبانيّة المبكّرة، الشّهر المقبل، وصولًا إلى الانتخابات البرلمانيّة الإيطاليّة، في ديسمبر 2027، مرورًا بانتخابات الرّئاسة الفرنسيّة، الرّبيع المقبل. وثمّة مخاوف حقيقيّة من استمرار صعود أقصى اليمين والتّيّارات الشّعبويّة، بل وافتكاكه السّلطة أو اشتراكه فيها. ورغم اختلاف برامج هذه الأحزاب من بلدٍ إلى آخر، فإنّ القاسم المشترك بينها يتمثّل في نزعاتٍ حمائيّةٍصريحةٍ إلى جانب تشديدها السّياسات المرتبطة بالهجرة وإعادة النّظر في أولويّات الإنفاق الخارجيّ والتّعاون مع الضّفّة الجنوبيّة للمتوسّط.

إلى جانب ذلك، تواجه تونس تحدّيًا آخر لا يقلّ خطورةً ويتمثّل في اشتداد المنافسة على رؤوس الأموال العالميّة. ففي ظلّ حالة عدم اليقين وارتفاع مستويات التّداين، أصبحت الأسواق الدّوليّة أكثر انتقائيّةً في توجيه التّمويلات. وتونس، الّتي قرّر رئيسها فكّ الارتباط بصندوق النّقد الدّوليّ، تواجه مشاكل حقيقيّةً في النّفاذ إلى الأسواق الماليّة الدّوليّة، وهو ما يُفسّر ارتفاع كلفة الاقتراض.

أمّا الخطر الّذي لا يحظى في كثيرٍ من الأحيان بالاهتمام الكافي فهو استمرار الأزمة اللّيبيّة. فالجار الشّرقيّيُمثّل عمق تونس الاقتصاديّ الحيويّ. ولطالما استفاد البَلَدان من المبادلات التّجاريّة والخِدماتيّة، فضلًا عن فرص العمل الّتي توفّرت لعشرات الآلاف من المواطنين التّونسيّين. واستمرارُ الانقسام السّياسيّ أو تجدّد الاضطرابات الأمنيّة في ليبيا يعني مزيدًا من الأعباء على تونس.

السّيناريوهات قد تبدو كارثيّةً، بالفعل، لكنّ احتمال وقوعِ جميعها بالفعل، أو بعضٍ منها، عالٍ بشكلٍ مقلق. يكفي أن أقول لك إنّ سعرَ برميل النّفط كان في حدود أزيد بقليلٍ من 109 دولارات، حين بدأتُ كتابة هذا المقال، وقد قفز الآن، قبل أن أضع نقطة النّهاية، إلى 111.4.

بقلم: بسّام بوننّي

المشاركة في هذا المقال