كانت هذه الجريدة إحدى مساحات الحرية القليلة جدا في البلاد قبل الثورة، وكانت الأكشاك التي تبيعها قليلة ومراقبة. أذكر أنني اشتريت أحد أعدادها يوما، فسألني البائع، بلهجة المخبر: ما الذي يدفعك إلى شراء هذه الجريدة؟ أجبت مرتبكا أنّها مختلفة عمّا هو موجود، ثم تحريت فيما بعد أن أقتنيها من أماكن مختلفة لكيلا يكون الأمر ملحوظا.
في سنة 2008، أعلن الشابي ترشحه للرئاسة، رغم أنّه لم يكن يستوفي شروط الترشح. كتبت وقتها في مدونتي، وكنت ما أزال طالبا، مقالا أنتقد فيه هذا الترشّح. وكانت التفاعلات وقتها فوق ما توقعته، ولكن أكثر ما فاجأني كان تعليقا من الشابي نفسه. شككت وقتها في أن يكون هو بالفعل صاحب التعليق، حتى أني طلبت من أحد الأصدقاء الناشطين في السياسة حينها أن يتحرى في الموضوع، فأكّد لي هويته. كان تعليقه رصينا وثابتا، ورغم نبرة مقالي المتشككة وتعليقي الساخر فيما بعد، لم يحد عن الموضوع وأكّد على حقه في الترشح. في أوّل انتخابات بعد الثورة، وبعد تردّد طويل في الاختيار، صوتّ لصالح قائمة الديمقراطي التقدمي في أريانة برئاسة عصام الشابي. في نظري وقتها، كان جميع المترشحين من يسار الوسط (التقدمي والتكتل والقطب) متقاربين للغاية، لكن ما رجّح الكفة كان رصيد الديمقراطي التقدمي النضالي الذي كان من الصعب أن يدّعيه غيره.
رغم أنني التقيت في مختلف وظائفي عددا كبيرا من السياسيين، لم ألتق نجيبا الشابي إلا في 2022، وكان حينها رئيس جبهة الخلاص الوطني. داعبني حينها بوصفي بالأمريكي، زاعما أنه ظنّني أجنبيا. كان في ذلك اللقاء في نفس الرصانة والثبات اللذين طالما ميّزاه. في تقييمه للوضع السياسي حينها، كان مؤمنا بالدور المحوري للاتحاد العام التونسي للشغل القادر، في رأيه، على تغيير الوضع لو أراد.
لطالما كان الشابي والشعبوية طرفي نقيض، وذلك ما صنع مشاكله، وفرادته كذلك. لم يبال يوما أن يخاطب الجمهور بما يوافق هواه ولم يكن من أولئك الذين يستثيرون العواطف، بل كان يجهر بما يعتقد صوابه كما هو دون تجميل. أثّر ذلك بشكل واضح على شعبيته، لكن في العديد من المرات، أثبتت الأيام أنه كان محقا، وسابقا لزمنه. كان محقا في مساهمته في تأسيس حراك 18 أكتوبر وفي رفضه لحل التجمع، وأخاله محقا كذلك اليوم في تأسيسه لجبهة الخلاص الوطني. لا شك أن التوفيق خانه في مواضع أخرى، ولكن متى كانت السياسة ميدان الأناس المعصومين؟ العصمة، إن فرضنا وجودها بين البشر، شأن الذين يوحى إليهم. كلّ من يمارس السياسة يخطئ بالضرورة، ومن المهم أن نتجاوز تلك الرؤى الطهورية السائدة اليوم والتي تشنّع على أي خطأ أو حتى وهمِ الخطأ وأن نفرّق بين الأخطاء في التقدير والأخطاء عن سوء نية. خالفت الشابي في معظم مواقفه قبل وبعد 2011، ولكنّ ذلك لم يمنعني من احترامه. مارس الشابي السياسة بشرف، ولو سوّلت له نفسه، لنافق الشعب وسار على هواه أو دخل في تحالفات انتهازية ليحقق طموحاته، لكنه كان أكبر من ذلك.
عندما سمعت بإلقاء القبض على الشابي، صرت في كرب عظيم. لم أر في محاكمته إدانة لشخص بل تجريما عاما لكل من دافع عن حقه في ممارسة السياسة في وطن حر. بُعيد ذلك، كنت أقرأ مذكرات النحاس باشا، وآلمني كيف أنّ هذا الزعيم الكبير صار في أخريات حياته يمتنع، بعد سنوات من الإقامة الجبرية، أن يتحدث في الشأن السياسي. ولعلّ ذلك أحد مقاصد القمع: أن تلازم السياسة مكانها ضمن الثالوث المحرم. ما أتعس الأحرار في هذا السجن العربي الكبير!
كان بإمكان الشابي أن يفر، لا سيّما وقد تركته السلطة في حالة سراح لمدّة طويلة. لكن من كان في أنفته وتاريخه يأبى مثل هذا الصغار. دخل الشابي السجن، الذي دخله للمرة الأولى منذ نيف وخمسين سنة، وعاد الشابي مرة أخرى إلى الموقع الذي عرفته فيه للمرة الأولى ليكون "الشخصية الممنوعة" التي كانها زمن جريدة "الموقف". التاريخ يعيد نفسه حقا في شكل مهزلة. تاريخنا فترات طويلة من القمع تكتنفها لحظات ضئيلة من الضوء. لكنّ أعمار الأحرار أطول دائما من أعمار جلاديهم. وفي عصر هذه الرداءة المعممة، سيبقى المجد لمن قالوا "لا" في وجوه من قالوا "نعم".
بقلم: حمزة عمر باحث في العلوم السياسية وناشط في المجتمع المدني