Print this page

التربية العمرانية: درس تونسي في توطين الأفكار الوافدة 4/4 الذاكرة التربوية مدخلاً لتجديد الإصلاح

في محاضرة ألقاها الحبيب بورقيبة أمام طلبة

معهد الصحافة وعلوم الأخبار سنة 1973، تحدث بجرأة نادرة عن تجربة جسدية عاشها في طفولته حين وُلد بخصية واحدة، وكيف تعايش معها نفسياً وهو طفل، كاسراً صمتاً ما زلنا، بعد عقود، نتردد في كسره: صمت المدرسة والمجتمع حيال الجسد. رئيس دولة يكسر الصمت في الفضاء العام، ثم تمر العقود فنعود إلى خلافات مشابهة.

بدأنا بفكرة وافدة عرفت تونس كيف توطّنها دون أن تمنحها اسماً صريحاً، ونصل بعد عقود إلى فكرة حاولت إدخالها إلى المدرسة باسمها الصريح. فمنذ أواخر الستينيات، حوّلت تونس فكرة «التربية السكانية» التي تداولتها اليونسكو إلى «التربية العمرانية».

وفي تجربة لاحقة، بدأ تجريب مشروع التربية على الصحة الجنسية سنة 2015 بمعهد تطاوين المدينة، بالشراكة مع الجمعية التونسية للصحة الإنجابية، ثم اتسع سنة 2017 بشراكة جمعت المعهد العربي لحقوق الإنسان وصندوق الأمم المتحدة للسكان. وفي 23 ديسمبر 2019، أُعلن رسمياً عن إدماجه تدريجياً في 13 جهة تحت تسمية «التربية على الصحة الجنسية». وتمثلت أدلة التوطين في تعديل تعريف الأسرة ليتوافق مع القانون التونسي، وفي إدراج المحتوى، لا بوصفه مادة مستقلة، بل ضمن ستة مجالات ومواد دراسية: اللغات والتنشئة الاجتماعية والإيقاظ العلمي والتربية المدنية وعلوم الحياة والأرض والتربية الإسلامية، مع تكييف المضامين بحسب العمر، وتغيير التسمية إثر تحفظ التلاميذ والأولياء على الاسم الأول. وهي اختيارات تستعيد بعض ملامح التربية العمرانية قبل نحو نصف قرن، في تكييف الفكرة الوافدة وإدماجها في المنظومة التربوية القائمة.

ومع ذلك، لم يحمِ الاسم الجديد المشروع من الجدل، ولا من عوامل سبق تناولها في الجزء الثالث: حوار لم يكتمل مع بعض الفاعلين، واستقطاب اتسمت بعض خطاباته بالتشدد وإقصاء المخالف. فبين رفض المشروع بدعوى التحفظ على التغيير، والتحمس له استناداً إلى المعايير الدولية دون إنصات كافٍ لمخاوف المتحفظين عليه، اختلفت المواقف، لكنها التقت في العجز عن الحوار حول مضمونه وشروط ملاءمته للسياق التونسي. ووسّعت وسائل التواصل الاجتماعي انتشار هذا الاستقطاب، وحوّلت النقاش أحياناً من محتوى المشروع إلى معارك حول ما يُظن أنه يتضمنه. كما أضعف عدم الاستقرار الحكومي زخمه.

لكن قيمة هذه التجربة لا تكمن في ملاءمة التسمية وحدها، بل في كشفها صعوبة أعمق: كيف نُدخل إلى المدرسة قضية جديدة دون أن تتحول إلى مادة معزولة أو معركة هويات؟ فما حدث لهذا المشروع قد يتكرر مع أي محتوى جديد يطرق بابها: التربية الرقمية، والإعلامية، والبيئية، والمواطنة وحقوق الإنسان... وهنا تنتقل السلسلة من قضية بعينها إلى سؤال المدرسة نفسها. فكلما طرأت حاجة تربوية جديدة، كان الحل الأسهل إضافة مادة إلى جدول بُني على فصل الاختصاصات. ويبقى التخصص والمعرفة العميقة ضروريين، غير أن فصل المواد لم يعد كافياً لفهم المشكلات المركبة أو بناء كفايات يحتاجها المتعلم خارج المدرسة، في عصر تتجاوز فيه الرقمنة والذكاء الاصطناعي حدود الاختصاص الواحد.

وتكمن الفكرة في أن تلتقي المواد حول قضايا حقيقية: فتُدرس المواطنة من زوايا التاريخ والقانون والتربية المدنية واللغة، وتُدرس البيئة بالاستعانة بالعلوم والجغرافيا والاقتصاد. ويتقاطع هذا الطموح مع اتجاهات عالمية راهنة مثل مقاربات STEM وSTEAM، الساعية إلى دمج العلوم والتكنولوجيا والهندسة والفنون والرياضيات في أنشطة تطبيقية بدلاً من تدريسها في عزلة. فالقضية ليست أين نضع «المادة الجديدة» في الجدول، بل كيف نبني تعلماً يرافق المتعلم عبر مراحل نموه ومجالات حياته.

ولم يكن هذا الطموح غريباً عن تجربتنا القريبة. فحين أطلقت وزارة التربية التعلمات الاختيارية سنة 2003، حدّدت لها ثماني كفايات أفقية، من إنجاز المشروع واستثمار المعطيات إلى توظيف التكنولوجيات وحل المسائل والتواصل والفكر النقدي، وهي تتقاطع مع مهارات الحياة. وتولّى مدرّسان من مادتين مختلفتين الإشراف على الفوج نفسه، تجسيداً لمبدأ «تداخل المواد وتكاملها»، ضمن خمسة مجالات معرفية بينية: اللغات والحضارات، وعلوم الطبيعة، والتقنيات والمهن، والفنون والإنسانيات، والعلوم والتكنولوجيا. وقد رأينا في الجزء الثاني كيف تعثرت التجربة لغياب التدرج والتكوين والمرافقة، لا لخلل في الفكرة. فما نقترحه اليوم من بينية الاختصاصات ومهارات الحياة يعيد طرح طموح عرفته مدرستنا منذ عقدين، دون استكمال شروط ترسيخه.

وهنا مفارقة تستحق التوقف: فتعريف التربية العمرانية، «عملية تربوية تتناول قضايا العمران البشري انطلاقاً من حاجات المتعلم قصد إعداده للحياة»،يلتقي، بلغة السبعينيات، مع خطاب مهارات الحياة والكفايات اليوم. لا ندّعي أن التجربة التونسية سبقت العالم، لكن بعض أفكارها حملت، قبل نصف قرن، ما أصبح حاضراً في الخطاب التربوي الدولي. ولعل هذه المفارقة تفسر ما نعنيه بـ«الدرس التونسي» في عنوان السلسلة.

وتلتقي الأجزاء الأربعة عند الأسئلة الثلاثة التي فتحنا بها الجزء الثاني: فما نحافظ عليه رصيد متراكم، تجسّده التربية العمرانية والتعلمات الاختيارية وتجربة المنهاج العام ومسار التربية على الصحة الجنسية. وما نتخلى عنه هو عادة البدء من الصفر. وما نبتكره ليس مادة جديدة بالضرورة، بل طريقة تجمع بين ما تراكم وما لم يكتمل.

فماذا يتعلم الإصلاح المقبل من هذه الرحلة؟ هذه خمسة مبادئ:

  1. لا إصلاح من الصفر: مراجعة الرصيد التونسي قبل إطلاق مسار جديد.
  2. لا استيراد ولا رفض: قراءة الاتجاهات الدولية نقدياً واختبارها وتعديلها قبل توطينها.
  3. لا تضخم للمنهاج: معالجة الحاجات الجديدة، متى أمكن، بتكامل المواد القائمة لا بإضافة مواد جديدة.
  4. الحياة في قلب التعلم: إعداد المتعلم للحياة، لا مجرد تجميع المعارف.
  5. الإصلاح يحتاج زمناً ومؤسسة: استمرارية وتقييماً مرحلياً وفريقاً قادراً على المتابعة.

ولعل أقرب اختبار عملي للمبدأ الخامس هو المجلس الأعلى للتربية والتعليم، الذي نظّمه مرسوم سنة 2024 وافتتح أعماله رسمياً في أوت 2026. ويجمع المجلس سبع وزارات: التربية، والتعليم العالي، والتكوين المهني، والأسرة، والشباب، والشؤون الدينية، والثقافة، تأكيداً أن مصير المدرسة لم يعد شأن التربويين وحدهم. وهو ما يلتقي مع دعوة تقرير اليونسكوإلى عقد اجتماعي جديد للتربية يشارك فيه جميع الفاعلين على جميع المستويات، لا الدولة ووزارة التربية وحدهما؛ فالتعليم حق أساسي تمكيني يتيح ممارسة حقوق أخرى، وهو أيضاً شأن عمومي ومصلحة مشتركة، لا مجرد اختصاص تقني.

فهل يستطيع المجلس أن يصبح إطاراً للذاكرة المؤسسية التي افتقدتها التجارب السابقة؟

في أدراج المدرسة التونسية مخرجات حوارات ودراسات ومقترحات شارك في صياغتها مدرسون ونقابيون وخبراء وممثلون عن المجتمع المدني، إلى جانب تجارب لم تكتمل، لا لأن أفكارها كانت خاطئة بالضرورة، بل لغياب شروط ترسيخها. وهذا رصيد يحتاج إليه المجلس الأعلى للتربية والتعليم لبناء الإصلاح المقبل على فهم ما أنجزته التجارب السابقة وما حال دون استكمالها.

ولعل أحدث ما في هذه الأدراج «الإطار المرجعيّ العامّ للتّعلّمات»، الذي صودق عليه في أكتوبر 2022 ليؤدي الوظيفة التي أُعدّ لها المنهاج العام قبل خمس سنوات: وثيقة جامعة تؤطّر البرامج والكتب المدرسية والتكوين والتقييم والحياة المدرسية ضمن رؤية واحدة. فهو يوزّع التعلّمات على خمس مجالات مترابطة، ويعدّ مهارات الحياة مكوّنًا أفقيًا، وينصّ على أن الكفايات لا تُكتسب من خلال المواد منعزلة. وهو جدير بأن يقرأه المجلس في ضوء ما سبقه، لا أن يبدأ من الصفر.

لقد عرفت تونس كيف توطّن أفكاراً وافدة وتكيّفها مع سياقها، لكن التجارب اللاحقة كشفت أن نجاح التوطين يحتاج إلى حوار ومؤسسات ووقت، وإلى ذاكرة تحفظ الخبرة وتتيح مراجعتها وتطويرها.

فهل نحن أمام جدل جديد فعلاً، أم أمام جدل يتجدد لأننا فقدنا ذاكرة النقاشات والتجارب السابقة؟ ربما لا ينقصنا دائماً جواب جديد، بقدر ما ينقصنا أن نتذكر ما عرفناه من قبل. ولعل أول من ينبغي أن يقرأ هذه الذاكرة هو من كُلّف حديثاً بالبناء عليها.

بقلم: مصطفى الشيخ الزوالي

 

 

المشاركة في هذا المقال