Print this page

الجغرافيا التونسية.. ثروة استراتيجية عالمية تتجاوز النفط والغاز

ليست الجغرافيا مجرد مساحة من الأرض تحددها

الحدود السياسية، وليست قيمة الدول تقاس فقط بما تختزنه باطنها من نفط وغاز ومعادن، أو بما تنتجه مصانعها من سلع وخدمات، وإنما قد يكون الموقع في حد ذاته ثروة استراتيجية قادرة على منح الدولة مكانة تتجاوز حجم اقتصادها وإمكانياتها الطبيعية. وتونس من البلدان التي تختزل هذه الحقيقة بصورة واضحة، بحكم تمركزها في قلب البحر الأبيض المتوسط، وإشرافها على مضيق صقلية، وتموضعها بين ضفتيه الأوروبية والإفريقية، وبين حوضيه الشرقي والغربي. ولذلك فإن أهمية تونس في معادلات الطاقة والاتصالات والنقل البحري لا ينبغي أن تُختزل في كونها بلدا يعبره أنبوب لنقل الغاز الجزائري إلى إيطاليا، بل يجب أن تُقرأ ضمن شبكة واسعة من المصالح الاستراتيجية التي تربط شمال إفريقيا بأوروبا، وتجعل من الأرض التونسية ومياهها ومجالها البحري عنصرا مهما في أمن الإمدادات وحركة المبادلات العابرة للمتوسط.

لقد اعتادت بعض القراءات السطحية للجغرافيا السياسية أن تنظر إلى تونس باعتبارها دولة صغيرة المساحة ومحدودة الموارد الطاقية مقارنة بجيرانها، وكأن قيمة البلاد لا يمكن أن تتجاوز ما تنتجه آبارها من النفط والغاز. غير أن هذا المنظور يغفل حقيقة أساسية مفادها أن الثروة الطبيعية قد تنضب أو تتراجع، في حين يظل الموقع الجغرافي عنصرا ثابتا، تتغير قيمته بحسب تطور التكنولوجيا وطرق التجارة وحاجات الاقتصاد العالمي.

فالدولة التي تقع على مسارات العبور الرئيسية تستطيع تحويل موقعها إلى مصدر للدخل والنفوذ والاستثمار، شريطة أن تمتلك رؤية استراتيجية واضحة، وأن تعرف كيف تفاوض على مصالحها، وكيف تحول ميزاتها الجغرافية إلى قيمة اقتصادية مضافة، بدلا من الاكتفاء بدور الممر الذي تعبره الثروات نحو وجهاتها النهائية.

وإذا كانت بعض البلدان تمتلك احتياطيات مهمة من الغاز الطبيعي، فإن تونس تمتلك ميزة مختلفة لا تقل أهمية في حسابات الطاقة الإقليمية، تتمثل في موقعها بين مناطق الإنتاج في شمال إفريقيا والأسواق الأوروبية، وفي إشرافها على أحد أهم الممرات البحرية في قلب المتوسط، وبالتالي فإن الثروات لا تتشابه ولكل دولة عناصر قوة ينبغي أن تحسن استثمارها. فهناك من يمتلك المورد، وهناك من يمتلك موقعا يتيح ربط المورد بالسوق، وهناك من يجمع بين الاثنين على غرار تونس إذا استطاعت أن تتحول في قادم السنوات إلى منتج ومصدر للطاقة النظيفة.

قلب الممرات البحرية والطاقة والاتصالات

تنبع أهمية الموقع التونسي من إشرافه على مضيق صقلية، الذي يمثل نقطة وصل استراتيجية بين شرق البحر الأبيض المتوسط وغربه، وبين السواحل الإفريقية والأوروبية. ولا تقتصر أهمية هذا الممر على حركة السفن التجارية، بل تمتد إلى خطوط نقل الطاقة والبنية التحتية الرقمية وشبكات الربط الكهربائي التي باتت تشكل العمود الفقري للاقتصاد العالمي. ففي عالم تتزايد فيه الحاجة إلى تأمين سلاسل الإمداد وتنويع مصادر الطاقة وحماية البنية التحتية للاتصالات، لم تعد البحار مجرد فضاءات للملاحة، بل أصبحت ممرات حيوية تتقاطع فيها المصالح الاقتصادية والأمنية والاستراتيجية للدول والشركات الكبرى.

وتتداول بعض التقديرات أن مضيق صقلية يعرف ما يعادل 40 في المائة من حركة الملاحة الدولية سنويا. لكن الأهمية الاستراتيجية للمضيق لا تحتاج إلى رقم لإثباتها، فموقعه بين الحوضين الشرقي والغربي للمتوسط، وقربه من السواحل التونسية والإيطالية، يجعلان منه ممرا أساسيا في حركة النقل البحري الإقليمية والدولية. كما يمنحان تونس موقعا متقدما في معادلة الربط بين إفريقيا وأوروبا (الشمال والجنوب) وبين آسيا وشمال الأطلسي (الشرق والغرب).

وتزداد هذه الأهمية حين ننتقل من السفن التي تعبر سطح البحر إلى الشبكات التي تمتد في أعماقه. فقاع البحر الأبيض المتوسط يحتضن بنية تحتية واسعة من الكابلات البحرية الناقلة للبيانات والاتصالات، التي تربط القارات ومراكز الاقتصاد والمال ومزودي الخدمات الرقمية. وهذه الكابلات ليست مجرد أسلاك لنقل المكالمات أو تصفح الإنترنت، بل هي جزء من البنية الأساسية التي تقوم عليها المصارف والتجارة الإلكترونية والخدمات الحكومية والمنظومات الصناعية والاتصالات الدولية. وأي اضطراب كبير يصيبها يمكن أن تكون له انعكاسات تتجاوز قطاع الاتصالات إلى قطاعات اقتصادية حيوية.

 ومن هنا، فإن الموقع التونسي يتيح فرصة استراتيجية لا ينبغي أن تظل خارج حسابات التخطيط الوطني. فوجود البلاد بالقرب من المسارات البحرية التي تربط أوروبا بشمال إفريقيا وبقية مناطق العالم يمكن أن يدعم تطوير محطات إنزال الكابلات البحرية، ومراكز البيانات، والبنية التحتية للاتصالات الدولية، والخدمات الرقمية الموجهة إلى الأسواق الإفريقية والأوروبية. كما يمكن أن يفتح المجال أمام استثمارات في صيانة الكابلات ومراقبتها وتأمينها، وتطوير مراكز إقليمية لتبادل البيانات، بما يحول الموقع من مجرد نقطة جغرافية على خريطة الاتصالات إلى نشاط اقتصادي يوفر موارد مالية وفرص عمل وكفاءات تقنية عالية.

وتشمل هذه الرؤية أيضا شبكات نقل الكهرباء، التي تتزايد أهميتها مع التحول نحو الطاقات المتجددة. فالكهرباء المنتجة من الطاقة الشمسية والرياح تحتاج إلى شبكات قادرة على نقلها بين مناطق الإنتاج والاستهلاك، وإلى روابط عابرة للحدود تسمح بتبادل الفائض وتحسين أمن الإمدادات. وفي هذا السياق، يمثل مشروع الربط الكهربائي بين تونس وإيطاليا، المعروف باسم(ELMED)، مثالا واضحا على القيمة العملية للموقع التونسي. ويقوم المشروع على إنشاء ربط كهربائي ثنائي الاتجاه بقدرة 600 ميغاواط، يمتد لنحو 220 كيلومترا، معظمها كابل بحري يعبر مضيق صقلية، ليربط الشبكتين الكهربائيتين التونسية والإيطالية.

ولا تكمن أهمية هذا المشروع في نقل الكهرباء فحسب، بل في إمكانياته المستقبلية لربط منظومات الطاقة في شمال إفريقيا بأوروبا، وتيسير تبادل الكهرباء المنتجة من مصادر متجددة، وتعزيز مرونة الشبكات الكهربائية. وبالنسبة إلى تونس، فإن الرهان الحقيقي لا يتمثل في مرور الكابل عبر مياهها فقط، بل في الاستفادة من المشروع لتطوير إنتاجها المحلي من الكهرباء النظيفة، وجذب الاستثمارات، وتعزيز قدرات الشبكة الوطنية، والاستعداد لدخول سوق إقليمية للطاقة تتزايد فيها أهمية الكهرباء المتجددة. فالموقع لا يتحول إلى ثروة بمجرد وجوده، وإنما عندما تسنده بنية تحتية متطورة وسياسات اقتصادية قادرة على استثمار الفرص التي يتيحها.

أنابيب الطاقة.. لا عبور بلا مصالح متبادلة

تقدم تجربة أنبوب الغاز العابر للأراضي التونسية مثالا ملموسا على الكيفية التي يمكن بها للموقع الجغرافي أن يتحول إلى مورد اقتصادي مستمر. فالمنظومة المعروفة باسم «ترانسميد» تربط حقول الغاز الإفريقية بشبكة النقل الإيطالية، مرورا بالأراضي التونسية، ثم عبر أنابيب بحرية في مضيق صقلية وصولا إلى جزيرة صقلية.

وتكشف هذه التجربة أن الموقع التونسي ليس تفصيلا ثانويا في معادلة الطاقة، بل عنصر له قيمة مالية واقتصادية قابلة للقياس. كما تكشف أن العلاقة بين الدولة التي تنتج الطاقة والدولة التي تمر عبرها لا ينبغي أن تقوم على منطق الامتنان أو التبعية، وإنما على عقود واضحة ومصالح متبادلة، تراعي كلفة البنية التحتية وصيانتها، ومتطلبات السلامة، والأضرار المحتملة، وحقوق الدولة المضيفة.

والأهم من ذلك أن النقاش لا ينبغي أن يتوقف عند أنبوب الغاز القائم، لأن التحولات العالمية في مجال الطاقة تفتح الباب أمام منظومات جديدة للنقل والتبادل، من بينها الكابلات الكهربائية والهيدروجين الأخضر ومشتقاته، إلى جانب شبكات الاتصالات والتحكم الرقمي التي سترافق هذه البنية التحتية. وقد يصبح التنافس في السنوات المقبلة متصلا بمن يمتلك القدرة على إنتاج الطاقة النظيفة، ومن يستطيع نقلها بأقل كلفة، ومن يوفر الممرات الأكثر أمانا وجدوى، ومن يملك شبكات الربط الضرورية للوصول إلى الأسواق.

وفي هذا الإطار، تستطيع تونس أن تطور موقعها في سوق الطاقة الأوروبية من خلال الانتقال من دور الممر إلى دور المنتج والمصدر. فالمساحات المتاحة للطاقة الشمسية والرياح، وإمكانيات تطوير البنية الكهربائية، والقرب من السوق الأوروبية، كلها عناصر يمكن أن تدعم بناء قطاع وطني للهيدروجين الأخضر، شريطة معالجة تحديات المياه والتحلية والكلفة والتكنولوجيا والتمويل، وإرساء شراكات تضمن حصة تونس من القيمة المضافة. والهدف ليس إنتاج الهيدروجين أو تصديره بأي ثمن، وإنما بناء منظومة طاقية تحقق مكاسب للاقتصاد الوطني، وتخلق فرص عمل، وتدعم الصناعة المحلية، وتضمن أن يكون نصيب تونس من عائدات المشاريع متناسبا مع مساهمتها فيها.

ومن هذا المنطلق، ينبغي ألا تقبل تونس بأن تختزل وظيفتها في استقبال منشآت العبور أو تخصيص أراضيها ومياهها لمرور منتوجات طاقية يستهلكها الآخرون، بينما تظل هي في حاجة إلى الاستثمار والتشغيل والتمويل. فإذا كان موقعها مطلوبا لإنشاء أنابيب أو كابلات أو محطات تحويل وتخزين، فإن من حقها التفاوض على الشروط الاقتصادية والبيئية والمالية التي تحقق مصلحتها، ضمن القوانين والاتفاقيات الدولية والعقود المبرمة. أما إذا كانت قادرة على إنتاج الطاقة بنفسها وتصديرها، فإن ذلك يمنحها فرصة أكبر لتحويل موقعها إلى مركز إنتاج وتبادل، بدلا من الاكتفاء بتحصيل مقابل المرور.

ولئن كان الجغرافي لا يمنح تونس حق فرض رسوم اعتباطية على كل سفينة أو كابل أو منشأة تعبر مجالا بحريا لا تملك السيادة عليه، لكنه يمنحها الحق في استثمار أراضيها وموانئها وبنيتها التحتية، وفي التفاوض على المقابل العادل للخدمات التي تقدمها، وفي حماية مصالحها وفقا للقانون الدولي. وهذا التمييز ضروري حتى لا تتحول المطالبة المشروعة بتثمين الموقع إلى خطاب يتجاهل القواعد القانونية المنظمة للملاحة والكابلات البحرية والمنشآت العابرة للحدود.

وتبقى مسؤولية الدولة التونسية في هذا المجال أكبر من مجرد التفاوض على رسوم عبور أنبوب أو شروط إنجاز كابل بحري. فهي مطالبة بإعداد استراتيجية وطنية متكاملة للاقتصاد البحري، تربط الطاقة بالنقل والاتصالات والخدمات الرقمية والصناعات الجديدة، وتحدد المجالات التي يمكن أن تستقطب فيها البلاد الاستثمارات، وتضع تصورا واضحا للعائدات المباشرة وغير المباشرة التي ينبغي أن تجنيها من المشاريع الإقليمية. كما يتعين عليها تطوير الخبرات القانونية والفنية اللازمة للتفاوض مع الشركات الدولية الكبرى، لأن هذه المشاريع لا تُدار بالشعارات، وإنما بدراسات الجدوى والعقود الدقيقة والمعرفة بالتكاليف والمخاطر والبدائل المتاحة.

ومن الضروري أيضا ألا تحصر تونس شراكاتها في محور جغرافي أو دولة بعينها، بل أن تعمل على توسيع علاقاتها وأن تستكشف فرص التعاون مع شركاء دوليين آخرين في مجالات الكهرباء النظيفة والهيدروجين والكابلات البحرية والاقتصاد الرقمي. فكلما تعددت الشراكات والمسارات المتاحة، تحسنت القدرة التفاوضية للبلاد، وأصبح من الممكن تجنب الارتهان لمشروع واحد أو سوق واحدة أو مصدر واحد للعائدات.

إن الجغرافيا التونسية ليست مجرد معطى طبيعي صامت، وإنما هي رصيد استراتيجي يمكن أن تتضاعف قيمته إذا أحسنت الدولة توظيفه. فالموقع الذي يصل بين إفريقيا وأوروبا، وبين شرقي المتوسط وغربه، ويجاور مسارات الطاقة والاتصالات والملاحة، قادر على منح تونس مكانة اقتصادية تتجاوز حدود مواردها التقليدية. غير أن هذه المكانة لن تتحقق تلقائيا، ولن تتحول إلى مكاسب لمجرد التذكير بأهمية مضيق صقلية أو بقرب البلاد من الأسواق الأوروبية، بل تتطلب رؤية بعيدة المدى، واستثمارات مدروسة، ومؤسسات قادرة على التنفيذ، وسياسة تفاوضية تحمي الحقوق وتبحث عن المصالح المشتركة.

إن التحدي الحقيقي أمام تونس ليس أن تثبت للعالم أن موقعها مهم، بل أن تجعل هذا الموقع منتجا للثروة وفرص العمل والقوة الاقتصادية. فالموقع الذي لا تحسن الدولة استثماره يظل مجرد نقطة على الخريطة، أما الموقع الذي تسنده رؤية استراتيجية وبنية تحتية متطورة وعقود عادلة، فيمكن أن يتحول إلى ثروة مستدامة، وربما إلى أحد أهم مصادر القوة الوطنية في العقود المقبلة.

بقلم :ماجد البرهومي

المشاركة في هذا المقال