Print this page

رسائل يوميّات محمّد بوحوش إلى عبد اللّه المتّقي، ردّا...

 10 سبتمبر 2026

 الكبير عبد اللّه! ليس مصادفة ما

قاله المتنبّي: "على قلق كأنّ الرّيحتحتي...". أنا أيضا تحتي ريح وفوقي ريح، ولعلّ بداخلك عاصفة هوجاء. ولعلّك تعلم - وقد لا تعلم - من أين يأتي هذا القلق/ الضّجر، هذا السّأم. لقد قالها 'بودلير' ذات قصيدة: "إنّه الضّجر الّذي يحلم بالمشنقة وهو يدخّن نرجيلته، وفي عينيه تلتمع دمعة لا إراديّة. أنت تعرفه أيّها القارئ، هذا الغول النّاعم، أيّها القارئ المرائي - يا شبيهي - يا أخي". ولعلّي أعود إلى عقلي لأستفسر عن سرّ هذا القلق الغامض الذي يسكن الكثير من الأنفس. لعلّ مردّه تلك الأزمات الماديّة والعاطفيّة والنّفسيّة والوجوديّة، تلك الرّغبات التي لم تتحقّق. وإذا ما تحقّقت أيضا فسيأتي هذا الضّجر. لعلّ الإنسان حتّى وإن كان في قلب الجنّة فإنّه سيضجر ويسعى للخروج منها حنينا إلى صهد النّار وإن قليلا. أختم على لسان كافكا: "أعاني منّي، ليس لديّ الوقت لأعاني من شخص آخر"... ومع ذلك كن بخير عزيزي.

11 سبتمبر 2026

حالنا مؤلم جدّا يا شقيقي! لا تحيط البلاغة كلّها بوصف هذه الأوطان الأضرحة. كم مرّة أتساءل: "هل هذه خير أمّة أخرجت للنّاس..؟ ماذا عن تلك الصّور اللّامعة حين نرى جحافل ترتاد الجوامع؟ هل تلك مجرّد طقوس شكليّة ومحض مظاهر؟ أين القيم والأخلاق والمدنيّة والتّسامح؟ قل لي: هل يتديّن النّاس تعويضا عن فقدٍ ما أو عن خوف؟ لماذا نهاجر إلى بلدان الكفر؟..." أعتقد أنّنا نبحث دوما عن الرّفاهيّة والحريّة. وما دام ثمّة نكد عيشٍ وقيودٌفأغلبنا سيهاجر.

12 سبتمبر 2026

عزيزي! اليوم صدرت روايتي باللّغة الفرنسيّة عن دار نشر بمرسيليا وعنوانها 'غابة التّطهّر'. أتظنّني سعدتُ بإصدارها؟ أبدا، فكلّ كتاب جديد لي يحيلني إلى فكرة كتاب آخر. هكذا تتوالى الأيّام والأحلام من دون أن أشعر بفرحة. 'غابة التّطهّر' كتاب سرديّ عجيب مداره على تلك الأسئلة التي تجتاحنا ونحن نبحث عن الحقّ والحقيقة والغيبيّ، وعن بذرة نور تؤدّي إلى طريق السّعادة. لكنّنا نعود بخفّي حنين، بل بأقلّ منهما. الكتاب عن شخص شبع من ملذّات الدّنيا وامتلأ صدره بالأديان فلخّصها في دين واحد هو دين الحبّ والبحث عن اللّه وعن تجلّياته، فاستقطب مجموعة إلى غابة، وصار يعذّب أجسادهم ويحيّد حواسّهم ورغباتهم وقلوبهم عن ملذّات الدّنيا. وفي رحلة البحث الطّويل يدرك أنّ الإلهيّ والغيبيّ يكمن فينا... أقول لك من دون يقين: "هل الإنسان كائن ميتافيزيقيّ بحكم الطّبيعة والضّرورة؟ قل لي رجاء!".

13 سبتمبر 2026

شقيقي البهيّ! أحدّثك عن الشّعر، آه الشّعر، لقد كرهته ولعلّك تعي ما معنى أن ينفر الشّاعر من الشّعر، لكأنّه ينفر من نفسه. قلت لي: "إنّ بعض الشّعراء يبيضون كلّ يوم كالدّجاج". إنْ هذا إلّا هدر وعبث. قالها الرّاحل محمّد المصمولي ذات لحظة: "كثرت السّلاحف وقلّ الشّعراء". ومع ذلك ثمّة شعر قليل يشي بموهبة ودربة طويلة وبتجربة حيّة. كان سعدي يوسف يبيض مرّات في اليوم، أو هو كان ينزف. فهو لم يترك شاردة ولا واردة إلّا وحوّلها إلى نصّ شعريّ. أحدّثك هنا عن شعريّة اليوميّ واللّحظيّ والآنيّ، وعن شعريّة الأشياء والطّبيعة والأمكنة وتفاعلها، عن تلك المشاهد التي تتكرّر في غفلة منّا، وتمرّ سريعا كذبول وردة أو تفتّحها، أو انبلاج ثمرة من شجرة في غير موسمها، أو أيضا مشهد غروب يتوارى ويذوي. هذا الشّعر يتعايش معنا لأنّه من اليوميّ المعيش. غير أنّ الكثيرين يطوفون بنا في المطلق والعامّ والغامض ويكرّرون ما قيل عن الرّغبات وعن الجسد وعن القيم الإنسانيّة بطريقة مبهمة حتّى إنّنا لا نستدلّ في نصوصهم على معنى سوى قبضة ريح. كنْ بهيّا عزيزي واكتب الشّعر الأنيق أناقة روحك وطيبة قلبك.

14 سبتمبر 2026

عزيزي! اليوم راودني سؤال/ لغز كبير بحجم الكون حتّى إنّني فكّرت في أن أسألك: "كيف تتشكّل الذّات البشريّة وتتكوّن وتتنوّع بأشكال عديدة؟ كيف يصبح الإنسان ناطقا باسم أناه ومن علّمه هذا؟ ثمّ ما هذا التّعقيد في الأنفس البشريّة؟". أرى أنّنا نتشابه أجسادا ونختلف كثيرا في طبائع الأنفس، حتّى إنّك ترى شخصا يبدو متوازنا متأنّقا ومتألّقا وجميلا، لكنّه مهتزّ داخليّا ومريض ومعقّد إلى أبعد حدّ. صديقي! لعلّنا سنظلّ في رحلة بحث دائم عن توازننا الذّاتيّ. قل لي أخيرا: هل تمتلك جوابا عن هذا اللّغز؟... تحيّاتي وأشواقي...

15 سبتمبر 2026

هذا اليوم قرأت في مواقع التّواصل الاجتماعيّ تدوينات حول فزّاعة الذّكاء الاصطناعيّ من قبل كتّاب وشعراء ينظرون بتوجّس إلى هذا الغول الجهنّميّ الذي اكتسح مجالنا. الواقع أنّ هذا الذّكاء الآليّ وسيلة تعزّز قدراتنا على الفهم والتّحليل والاستنتاج والكتابة والإبداع في شتّى المجالات، وتوفّر الوقت وتجنّبنا عناء البحث، فلماذا نخاف؟ قل لي؟...

16 سبتمبر 2026

عزيزي! اليوم وقفت وقوف شحيح أمام متجر بحثا عن قارورة ماء. نظرت إليّ سيّدة متأنّقة بتمعّن كأنّ لسانها يقول لي: "أريدك". ابتسمتُ ولاطفتها ولاطفتني وأجزلت في الحديث. ثمّ مضيتُ ومضتْ، وتساءلت في نفسي وأنا أعبر الطّريق كعادتي على عجل: "لماذا هذا الحنين؟ حنين الأنثى إلى الذّكر والعكس؟"... وأوغل ذهني: "ترى بم كانت تفكّر تلك المرأة الرّغبة؟". تذكّرت عنوان قصيدة للشّاعر عزّ الدّين المناصرة: 'كلبة هذه السيّدة' (وأعتذر عن العبارة)، ثمّ قلت في سرّي: "ولماذا نقترف هذا الإثم الكبير فنتزوّج وننجب أطفالا؟ هل ليستمرّ النّسل القميء؟ ولماذا نريده أن يستمرّ؟". صديقي! لقد اقترفنا خطيئة بأن عشنا للأسرة أكثر ممّا عشنا لأنفسنا. وأخيرا أودّ أن أسألك عن سرّ تشبّثنا بالكتابة. لعلّك تمتلك بعض الأجوبة، أمّا أنا فاحترت...

17 سبتمبر 2026

شقيقي الرّائع! اليوم نزل المطر بغزارة وثُقبت السّماء فوق توزر بحبّات البرد والرّيح الهوجاء. فكان ما يشبه الطّوفان... أقول لك: "ما الذي يحلّ بكوكبنا؟". عدتُ إثر ذلك إلى كتاب أهداه لي الدّكتور رضا الأبيض بعنوان "من سحر الطّبيعة إلى شعريّة البيئة"، وفيه أبحاث تُرجم معظمها عن اللّغة الإنكليزيّة سردا ونقدا وشعرا لنقّاد وأدباء من غير العرب. الجميل المضاف أنّ المترجم نقل عن الإنكليزيّة الكثير خلافا لما هو سائد، في حين أنّ نقّادنا متفرنسون. والجميل أيضا في هذا الكتاب أنّه يدشّن مبحثا لا يحظى بالاهتمام عربيّا، إذ هو ينبّه إلى المخاطر التي تهدّد البيئة بفعل جشع رأس المال وتهوّر الإنسان. كما أنّه ينبّه إلى أهميّة الوعي بالبيئة بحسّ جماليّ يؤنسن الطّبيعة التي هي منّا وإلينا. و... سار بي ذهني إلى أسئلة أخرى: "ماذا لو فنيت الكرة الأرضيّة؟ تصوّر! وقل لي: بماذا ستفكّر؟ هل ستفكّر بكتبك أم بأمر آخر؟"...

18 سبتمبر 2026

ذكّرتني بالكتاب الذي نسّقته أنتَ وجمعتَ مادّته عن تجربتي الأدبيّة من قبل نقّاد مغاربة أشقّاء، وبأنّه سيصدر عن دار خريّف بتونس. ماذا أقول؟ وكيف يمكنني ردّ جميلك؟ أكتفي حاليّا بشكرك وشكر النّقّاد والصّديقة هاجر ريدان والعزيز نور الدّين بالطيّب والأخت حذام. وبالمناسبة، هذا الإنسان الشّاعر (نور الدّين) قرأتُ الكثير من نصوصه. الشّعر عنده طيّع مرن، سلس، ومترع بالحنين والشّوق إلى الماضي الغامض والآتي. وهو طافح بذكريات الطّفولة والأمكنة والأسفار، بكلّ الأشياء الحميمة والبسيطة والمحزنة. إنّه شعر الحياة يكاد ينطق، بل يكاد المتقبّل يجسّه بأنامله ويستعذبه... لعلّنا سنفعل شيئا مشتركا لهذه القامة. كن جميلا عزيزي.

19 سبتمبر 2026

عبد اللّه الأعزّ! تقول لي إنّك تسير إلى الهرم، وإنّ بعض أعضائك تحتاج إلى صيانة. حالي مثل حالك تقريبا، أقول لك في جدّ وهزل: "لا مندوحة من أن ندخل إلى 'القراج' (المستودع) للصّيانة". وأذكّركَ أنّني لا أكترث للكبر ولا للموت ولا أفكّر فيهما أصلا، لأنّي ببساطة في عداد الأحياء الموتى كجلّ شعبي. كما أنّني لا أعير أهميّة للموت، وكثيرا ما أبتسم إذا ما حضرتُ مأتما. كلّ أقاربي بما فيهم والداي لم أودّعهم ولو بدمعة. أحزن وأستعيد قناعتي بأنّ لكلّ بداية نهاية، فلا تفكّر في النّهايات. إنّ الحياة لرحلة. فكّر في متعة الطّريق لكأنّك ترحل إلى إيثاكا، رحلة 'أوديسيوس' العجيبة.

20 سبتمبر 2026

يومي مكتظّ جدّا. أنهيت دراسة مطوّلة وسمتها بإيقاع السّرد والحياة في رواية 'الدّقلة في عراجينها' للبشير خريّف، وقد أعددتها خصّيصا للعدد القادم من مجلّة أصوات ثقافيّة. وسأشارك بها في الملتقى العلميّ حول النّخلة والفنون الذي سينظّمه الفرع الجامعي بتوزر أواخر شهر نوفمبر القادم. اليوم أيضا جاءني ردّ من دار نشر ألخّصه لك على سبيل النّكتة: أن أشارك الدّار في طباعة مجموعة قصصي القصيرة جدّا، وأن نتقاسم عائدات المبيعات. تصوّر! وهل في تونس عائدات ومرابيح؟ ضحكتُ طويلا ورددتُ عليها بالرّفض قائلا في نفسي: "أيعقل أن يمنح الكاتب جهده ويدفع عنه مالا؟ يا له من مزاح ثقيل!"... ثمّ انصرفتُ مضيفا: "لقد تعاملت مع أربع عشرة دار نشر تونسيّة وعربيّة وأجنبيّة، وقلّما حدث هذا معي". ثمّ قلت لها: "لديّ دار نشر ومعرّف جبائيّ بشركة أمازون وأدفع الضّرائب بنسبة 35 بالمئة لهذه المنصّة ولأمريكا، وبإمكاني نشر الكتاب رقميّا وورقيّا...". ختاما أعتقد أنّ حال الكاتب العربيّ كحال البروليتاريّ الرّثّ. ومع ذلك سأكون بخير. فكن جميلا ومتفائلا عزيزي، ومحبّتي بأغصانها الوارفة.

بقلم : محمد بوحوش

المشاركة في هذا المقال