Print this page

هل من حياة سياسية بعد الاستقطاب؟

خلال سنة ونصف فقط، صدرت عن المعارضة التونسية

نصوص عديدة: «الميثاق الديمقراطي»، و«التزام وطني»، ورسالة المساجين السياسيين الأحد عشر. من يقرأها جنبًا إلى جنب يكتشف أنّها تكاد تتطابق. كلّها تدافع عن الدولة المدنية، والانتخابات الحرّة، والفصل بين السلط، واستقلال القضاء، والعدالة الاجتماعية. بل إنّ بعضها يطالب بعفو تشريعي عام لفائدة جميع المعتقلين السياسيين، أي لفائدة من يرفض أصحابه الجلوس معهم إلى طاولة واحدة.

وليست هذه أوّل مرّة. فمنذ 2022 تتالت المبادرات: جبهة الخلاص، وتنسيقيات الأحزاب الاجتماعية الديمقراطية، ومسار خيام التركي، والمنتدى، والتزام وطني، والميثاق الديمقراطي، ورسالة المساجين. بعضها أجهضه القمع، وأكثرها أجهضه الانقسام. كانت الأفكار واحدة تقريبًا، وكانت النتيجة واحدة. الكلّ يعتقد أنّ المشكلة في النصوص، فيكتب نصّه ولا يقرأ نصوص الآخرين ولا يبني عليها، والكلّ يرى الخلاص فيما يراه هو، وقلّة منهم فقط ترى أنّها جزء من الفشل العام.

ما يفرّقنا ليس مكتوبًا في أيّ ميثاق، إنّه الماضي. أما آن لنا جميعًا أن نصرخ: كفى عبثًا بيننا قبل أن ندين عبث منظومة الحكم؟

تسمية الأشياء بأسمائها

لم يعد مجديًا الحديث عن «منحى تسلّطي» أو «انفراد بالحكم». نحن أمام دكتاتورية حكم الفرد: دستور يجمع السلطات في يد رجل واحد، ومجلس أعلى للقضاء حُلّ وقضاة أُعفوا، وحكم بالمراسيم طيلة سنوات، ومراسيم تجرّم الرأي وتقمعه، ومعارضون من كلّ التيارات يقضون أحكامًا ثقيلة، ومؤسسات أنشأتها السلطة نفسها ثم همّشتها و وسائط حكم محلي مفقودة.

إنّها سلطة معزولة في الداخل عن قواها الحيّة الاجتماعية والاقتصادية، تحكم عبر كبار موظّفي الإدارة وتُخيفهم في آن، ومعزولة في الخارج إلا عن شركاء قلائل. والنتيجة فشل سياسي واقتصادي واجتماعي على كلّ الأصعدة، واستقطاب جديد يُضاف إلى سابقيه، يحمل حقدًا طبقيًا وفئويًا وجهويًا سيعصف بما بقي من لُحمة في هذا الوطن.

ليس الماء والكهرباء وحدهما ما ينقطع في بلادنا، بل يشتدّ معهما الطوق على الحرية؛ وليس الدواء وحده المفقود، بل شعورنا بالكرامة الجماعية؛ وليست القدرة الشرائية وحدها ما ينهار يومًا بعد يوم، بل شعورنا بإنسانيتنا الجماعية، كحضارة وكأمّة أضاعت الطريق ولم تستطع إلى الآن فهم أسباب الهوان.

الحصيلة شرط للمصداقية

الدكتاتورية لم تولد من فراغ. فقد أنتجت عشرية 2011-2021 حرّيات وانتخابات، لكنّها لم تُنتج تحسّنًا ملموسًا في حياة الناس. هذا الفشل هو ما جعل 25 جويلية ممكنًا، ومقبولًا لدى كثيرين، يُضاف إليه عجزٌ، مفهوم إلى حدّ ما، عن إدارة الصراع السياسي الذي تحوّل إلى استقطاب حادّ لم يكن المجتمع جاهزًا لفهمه.

لا مساواة بين المرحلتين: الأولى ديمقراطية فشلت اجتماعيًا، والثانية سلطة فردية هدمت الديمقراطية ولم تحقّق ما وعدت به اجتماعيًا. لكنّ أيّ نداء لا يعترف بأخطاء العشرية سيُقرأ دعوةً للعودة إلى ما قبل 25 جويلية، ولن يقنع أحدًا.

العلّة العميقة: هدم الوسائط

أصل الأزمة ليس شخصًا ولا تيارًا، بل انهيار الوسائط بين المجتمع والدولة: الأحزاب والنقابات والمنظمات والإعلام. السلطة الحالية جعلت هدمها عقيدة، والعشرية السابقة أضعفتها بالتشرذم وسوء الأداء.

وحين تُهدم الوسائط، لا يبقى بين الحاكم والمحكوم إلا الإدارة والأمن، فتفقد السلطة عينيها وأذنيها، ويتحوّل كلّ فشل إلى «مؤامرة» بدل أن يكون إشارة. ولذلك فإنّ إعادة البناء الديمقراطي تبدأ بإعادة بناء هذه الوسائط.

ما بعد الاستقطاب: هل هناك طريق آخر؟

عرفت تونس ثلاثة استقطابات متراكمة: إسلاميون وحداثيون، ثورة ونظام قديم، مع 25 جويلية وضدّه. وهي ليست وليدة اليوم: وُلدت في مدرّجات الجامعة التونسية في السبعينات، بين طلبة اليسار والإسلاميين والدستوريين، ثم غذّتها علاقة الدولة بمعارضيها، وورّثها جيلٌ لأجيال لم تعشها. إنّها خصومة عمرها يفوق نصف قرن، وليست خصومة الشباب؛ خصومة أصلها إيديولوجي، ونتيجتها العجز عن بناء مستقبل مشترك. وقد جرّبت المعارضة طريقين للتعامل مع الماضي، وفشلا معًا: تأجيل الخلافات إلى ما بعد عودة الديمقراطية، وهو ما يُقرأ تناسيًا؛ أو تصفية الحسابات مع الآخرين أوّلًا، وهو ما يتحوّل إلى محاكمة.

لقد أثبتت تجارب الانتقال الديمقراطي الناجحة كلّها حقيقة واحدة: لا نجاح من غير تفاهمات أساسية بين الفرقاء حول منهجية العيش المشترك ومبادئه. مجتمعنا التونسي لا يميل إلى العنف، ولنا ميزة تجانسنا التاريخي، وقد حبانا الله بموقع جغرافي متميّز وبلد يطيب فيه العيش، ولنا من الإمكانيات ما يمكن أن يخرجنا من الهشاشة والفقر. ومع ذلك عدنا إلى مربّع الاستبداد وحكم الفرد الاعتباطي: فرضته علينا قوّة الدولة، وفتحت له الطريق انقساماتنا.

والتفاهمات الأساسية تفترض قراءة موضوعية، عقلانية وعاطفية أيضًا ولا ضير في ذلك، لمرحلة ما بعد 2010 إلى اليوم، والوقوف على الأخطاء بكلّ مسؤولية. والهدف ليس محاسبة المسؤولين، فتلك مهمّة صناديق الاقتراع، بل البناء التراكمي على تجارب الماضي، وهو ما من شأنه أن يخفّف من حدّة أزمة الثقة بين التونسيين وطبقتهم السياسية.

فما بعد الاستقطاب لا يعني إلغاء الخلاف، بل نقله من الهويّات إلى البرامج وقواعد اللعبة. لسنا مطالَبين بالتحالف، بل بالاتفاق على قواعد مشتركة: حرّيات غير قابلة للتجزئة، ورفض إقصاء أيّ طرف من الحياة السياسية، والاحتكام إلى صناديق الاقتراع.

لقد سوّت الدكتاتورية بين الجميع أمام التعسّف؛ فلتكن المساواة في الدفاع عن الحرّية أوّل أفعال ما بعد الاستقطاب.

قاعدة مشتركة وهدف واحد

القاعدة الدنيا التي تتقاطع حولها المبادرات السابقة: الحرّيات والحقوق، ودولة مدنية ديمقراطية، وإطلاق سراح جميع المساجين السياسيين ومساجين الرأي دون تمييز.

ونضيف إليها مبادئ اقتصادية واجتماعية عملية وطموحة، تعيد للدولة دورها الاجتماعي وتربط الشرعية بالنتائج لا بالصناديق وحدها: دولة اجتماعية فعلية لا شعارًا، تحمي القدرة الشرائية والخدمات العمومية، وتبني اقتصادًا منتجًا يخلق الثروة ويوزّعها بإنصاف بين الفئات والجهات.

والهدف واحد وواضح: إعادة إطلاق المسار الديمقراطي عبر انتقال تفاوضي.

ولن يتحقّق هذا دون قيادات لا تكون أسيرة جمهورها: تقود قواعدها بدل أن تنقاد لها. فالمطلوب ليس تسوية ظرفية بين أحزاب، بل تحوّل ثقافي عميق في ممارسة السياسة، ينقلها من منطق العداوة إلى منطق الخصومة الديمقراطية، بقواعد عيش مشترك يتّفق عليها الجميع.

والنصّ ليس غاية في ذاته، لكنّه ضروري. والأهمّ أن يُصاغ بطريقة تشاركية، وأن تنبثق عنه هيئة تنظيمية، وأن يُوقَّع جماعيًا في الوقت نفسه، وأن تضمنه شخصيات محايدة لا تطمح إلى أيّ منصب، حاضرًا أو مستقبلًا.

عرفت تونس في الماضي كيف تتفاوض للخروج من أزماتها، وفعلتها حين جمعها حوار وطني في تجربة نادرة في العالم المعاصر، جعلت المجتمع المدني، لا القوى الصلبة، عرّابًا للانتقال الديمقراطي. وتونس التي سبقت غيرها إلى إلغاء الرقّ، وإلى مجلّة الأحوال الشخصية، وإلى ثورة ألهمت المنطقة، لا يليق بها أن تعيش خارج زمنها: مكانها الطبيعي في انسجام مع القيم الإنسانية الكونية، الحرية والكرامة والمساواة، لا في عزلة باسم سيادة متوهَّمة.

ليست المسألة أن نتّفق على كلّ شيء، بل أن نقبل الجلوس معًا، وأن نؤمن بأنّ هناك حياة سياسية بعد الاستقطاب.

بقلم: فوزي بن عبد الرحمان

المشاركة في هذا المقال