يعود الشباب الفرنسي إلى الشارع، وهذه المرّة انطلاقًا من المعاهد الثانوية. ففي الثامن من أكتوبر 2026، شارك عشرات الآلاف من التلاميذ والطلبة في مظاهرات تطالب بتحسين ظروف الدراسة وتوفير المدرّسين ومراجعة آليات التوجيه الجامعي. وامتدّت المطالب إلى إلغاء الانتقاء عبر منصّتَي «باركورسيب» (Parcoursup) للالتحاق بالتعليم العالي، و«مون ماستر» (Mon Master) للانتقال من الإجازة إلى الماجستير، إلى جانب المطالبة بإحداث 250 ألف مقعد إضافي في مؤسسات التعليم العالي والترفيع في ميزانية التعليم.
وما زالت الأحداث تتطوّر، حاملة معها أسئلة تتجاوز حدود فرنسا.
في ماي 1968، انطلقت الاحتجاجات من الجامعة، وامتدّت إلى المعاهد الثانوية، ثم التقت بالتحركات العمالية، لتصبح مساءلة واسعة للسلطة والقيم وأنماط التفكير السائدة. وكان لهذه الأحداث صدى عالمي واسع، في سياق موجة احتجاجية شهدتها بلدان عديدة، من بينها تونس التي سبق أن عرفت تحركات طلابية في مارس من السنة نفسها.
واليوم، وفي ظروف تاريخية مختلفة، يعود الشباب إلى مساءلة من سبقوه، وكأن الأجيال القادمة تعلن أن المسؤولين عن إعداد المستقبل لم يكونوا في الموعد. إنها مساءلة تنطلق من المؤسسة التي تتكوّن فيها المعرفة والقدرة على المشاركة في بناء المستقبل. ويبقى تطوّر الحركة الراهنة مفتوحًا على احتمالات متعددة.
وتدفعنا هذه الأحداث إلى البحث في أسباب أزمة تعليمية وحضارية طالت جلّ بلدان العالم، وإن اختلفت مظاهرها، والنظر في تجلّياتها في تونس. فقد عرف العالم، خاصة منذ سقوط جدار برلين سنة 1989 وانتهاء الحرب الباردة، تحولات عميقة في العلاقات الاقتصادية والسياسية، امتدّت إلى التعليم والثقافة. وكانت العولمة الاقتصادية قد بدأت قبل ذلك، ثم توسّعت مع ترسّخ نموذج اقتصادي نيوليبرالي شرس، جعل المنافسة والمردودية والنجاعة والربحية مقاييس مهيمنة على تقييم المؤسسات والأنشطة الإنسانية، في ظلّ نظام دولي هيمن عليه قطب واحد وسعى إلى تنميط الثقافات.
وتزامن هذا المسار مع حروب ونزاعات زعزعت استقرار مناطق واسعة، وأسهمت المصالح الاقتصادية والاستراتيجية وصراعات النفوذ في تغذية الكثير منها.
وكانت آثار هذه التحولات الاقتصادية والجيوسياسية في التعليم جسيمة؛ فقد أصبح مطالبًا بإعداد كفاءات تستجيب لحاجات سوق الشغل. وأدّى تغليب التأهيل المهني إلى تراجع أبعاده المعرفية والثقافية والإبداعية والإنسانية. ولا شكّ أن التعليم يتجاوز كونه وسيلة للحصول على شهادة أو اكتساب مهنة، إذ هو، بالأساس، مسار لبناء الإنسان وتنمية وعيه وتحرير فكره وتطوير قدرته على النقد والاكتشاف والإبداع. وحين تصبح المردودية الاقتصادية المعيار المهيمن على تحديد قيمته، تتغيّر الغاية من التعليم ذاتها، وينعكس ذلك على البرامج والمناهج وعلاقة المتعلّم بالمعرفة وعلى ذاتية الإنسان.
في هذا المناخ العالمي، تحوّلت المؤسسة التعليمية في عديد من بلدان العالم إلى فضاء يُعدّ الإنسان للاندماج في عالم تحدّدت اختياراته مسبقًا، فتراجعت قدرته على مساءلة ذلك العالم والمشاركة في تغييره. وأصبح قياس ما ينتجه أهمّ من رعاية ما يستطيع أن يفكّر فيه ويبتكره.
ولم تكن تونس بمنأى عن هذه التحولات، فقد تعاقبت فيها الإصلاحات وتذبذبت السياسات في التعليم الأساسي والثانوي، واشتدّ التهافت على المعدّلات والامتحانات على حساب جوانب من التكوين المعرفي والتربوي. وانتقل جانب من التدريس من قاعات المدرسة إلى دكاكين الساعات الإضافية التجارية، حيث تتفاوت فرص التلاميذ بحسب إمكانات عائلاتهم. وأخذت المدرسة العمومية تفقد شيئًا من قدرتها على أداء دورها مصعدًا للارتقاء الاجتماعي، ذلك الدور الذي اضطلعت به منذ بناء الدولة التونسية الحديثة بعد الاستقلال. وأصبح الحصول على المعدّل يزاحم اكتساب المعرفة، فيما تتراجع مكانة القسم والعلاقة التربوية بين الأستاذ والتلميذ، ويتّسع التفاوت بين أبناء المجتمع الواحد في الحصول على تعليم جيد.
وامتدادًا لهذه السياسات التعليمية، حلّت منظومة «أمد» في الجامعة ضمن إصلاحات أعطت أولوية لقابلية التشغيل والتمهين. فقد نصّ الفصل الحادي عشر من الأمر عدد 3123 لسنة 2008 على توفير عروض تكوين تتيح توجيه ثلثي الطلبة على الأقل نحو المسالك التطبيقية الممهننة. وحملت المنظومة، المستمدّة من الإصلاح الجامعي الأوروبي والمتأثرة خاصة بالتجربة الفرنسية، وعودًا بتبادل الخبرات وتيسير التنقل الجامعي والاعتراف بالشهادات، غير أن تحقيق هذه الوعود بقي جدّ ضئيلًا، إن لم يكن منعدمًا في بعض جوانبه، واصطدم بعوائق اجتماعية ومادية ومؤسساتية. وأوروبا نفسها تراجع اليوم بعض آليات مسار بولونيا (Bologne) لتدارك نقائص ظهرت في تطبيقه، وهو المسار الذي انطلق من المدينة الإيطالية سنة 1999 واستُلهمت منه هذه المنظومة.
وأذكر أنني، عندما كنت مديرًا للمعهد العالي للفنون الجميلة بتونس سنة 2008، وشرعنا في تطبيق منظومة «أمد»، عاينت مباشرةً، مثلما عاين جلّ الأساتذة، تحوّلًا سلبيًا في التكوين الفني طال أسسه لينذر بتفكيكه؛ فقد تقلّص تدريس الرسم الخطي (dessin) من ثماني ساعات أسبوعيًا إلى ساعتين فقط. والأمثلة على هذا التفكيك متعددة. والمفارقة أن فرنسا، التي شكّلت تجربتها مرجعًا لهذا الإصلاح، تشهد اليوم نقاشًا نقديًا حول حصيلة إصلاحاتها الجامعية، بما فيها منظومة الإجازة والماجستير والدكتوراه (LMD).
ومن المفارقات اللافتة أن هذه السياسات التعليمية، التي هيمنت على جلّ بلدان العالم وبشّرت بآفاق واسعة للتشغيل، زادت الطين بلّة. ولعلّ خير شاهد على ذلك تزايد جحافل المعطّلين عن العمل من حاملي الشهادات الجامعية، بمن فيهم الحاصلون على شهادة الدكتوراه. فمن البديهي أن التكوين الموجّه إلى مهن محدّدة قد يجد نفسه متجاوزًا بفعل التحولات المعرفية والتكنولوجية المتسارعة. فقد تتغيّر المهنة جذريًا أو تندثر خلال سنوات قليلة. ويحتاج الإنسان إلى معرفة أساسية متينة، وإلى قدرة مستمرة على التعلّم والتأقلم والابتكار، حتى يشارك في إنتاج المستجدّات ومواكبتها. وتصبح المعرفة الأساسية والفكر النقدي والطاقة الإبداعية شروطًا لإعداد الإنسان للمستقبل.
وفي سنة 2021 دعت اليونسكو، في تقرير «إعادة تصوّر مستقبلنا معًا»، إلى عقد اجتماعي جديد للتربية والتعليم، يعيد الاعتبار إلى الكرامة الإنسانية والتضامن والعدالة، وإلى التعليم بوصفه منفعة عامة ومشتركة.
فهل ستفتح التحركات الشبابية الفرنسية اليوم مساءلة أعمق للقيم التي قامت عليها السياسات التعليمية التي تسرّبت إلى جلّ بلدان العالم؟ ونحن نتابعها في خضمّ أحداثها، ندرك أن مطالبها المباشرة قد تتطوّر، وأن قطاعات اجتماعية أخرى قد تنضمّ إليها. وقد تحمل هذه الحركة إرهاصات صحوة تعليمية تقودنا نحو الإنسان، نحو الحرية والفكر والمعرفة والثقافة والإبداع. وحين يتّسع هذا الوعي ليشمل دولًا أخرى، قد يتحوّل التعليم إلى قوة فاعلة في مراجعة الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية، وربما في تحولات تطال الأنظمة السياسية أيضًا.
فحين تسائل الأجيال الجديدة المدرسة التي تُعدّها للمستقبل، فإنها تسائل كذلك العالم الذي ورثته وحقها في بناء عالم مختلف. وعندها قد يصبح التعليم، من جديد، قوة لبناء الإنسان، والإنسان قوة لبناء المستقبل. ونتمنى أن يستعيد التعليم في تونس أيضًا دوره في بناء الإنسان والمستقبل، من خلال إعادة النظر في جميع مراحله، انطلاقًا من سؤال واحد: كيف نبني الإنسان؟
بقلم: أ.د. سامي بن عامر