Print this page

رسالة إلى المناضل أحمد نجيب الشابي

صديقي نجيب

 أخاطبك اليوم بمناسبة (أو بالأحرى بتعلة، كما ستتبين ذلك بعد قليل...)

مرور...  أكثر من ستينعام على أول لقاء لنا.

 كنا آنذاك طالبين بباريس، وقد ذكّرتني في المدة الأخيرة أنه جمعنا  آنذاك لقاء ببيتي في محاولة مني ... لاستقطابك للانضمام إلى صفوف الحزب الشيوعي التونسي...

فشلت محاولتي تلك(للأسف الشديد...) وسلك كل منا طريقه الفكرية والسياسية والتنظيمية. لكن رغم ذلك، ورغم الفارق في السن (فأنت"أصغر مني سنا"بأربع سنوات على ما أعتقد...) فإننا ننتمي إلى نفس ال boîte d’archives                                                                كما قال المرحومالباجي قايد السبسي و بقيت الطريقانالتين سرنا فيهما أنت وأنا  منذ ذلك الوقت متقاربتين، وتقاطعتا أكثر من مرة  بمناسبة نضالاتنا  من أجل الحرية والعدالة والتضامن مع الشعوب بصفة عامة ( فيتنام ، افريقيا الجنوبية ...) والشعوب العربية (مصر، ليبيا، العراق وخصوصا فلسطين) فكم من ندوة  تعبويه حضرناها معا، وكم من مظاهرة احتجاجية جبنا فيها  معا الشوارع وكم أياما وأشهرا  قضيناها معا في السجن(1968...) !!

   لقاءات لا تعد، وفي نفس الوقت اختلافات  وخلافاتلا تعد هي الأخرى، لكن الذي لم يتغير هو أمر لم تتح لي الفرصة –أو الشجاعة؟- لأعبر لك عنه بالكلام، وجعلتني ظروفك أجاهر به اليوم ألا وهو: احترامي وتقديري الكبيرين  لك وإعجابي الصادق  بنضاليتك وإصرارك وصمودك.

هذا ما جعلني أشعر بغضب شديد إزاء سلطة  غرقتوأغرقت البلاد في أزمة خطيرة وفشلت فشلا ذريعا  في حلها فالتجأت إلى ابتداع  نظريةالعدو الداخلي والقاء مسؤولية تفاقم الأزمة و تردي الأوضاع في كل المجالات على مؤامرات وهمية ودسائس من نسج الخيال ... كنت أنت من  بين ضحايا هذه الهلوسة-التعلة العديدين...

كم تألمت  لتلكال"محاكمات" الصورية والأحكام الجائرةالتي طالتك كما طالت عشرات السياسيين والصحفيين والمدونين وغيرهم... !!!

و كم أشعر يوميا بالغضب إزاء أنباء النقل التعسفية لمساجين الرأي من سجن لآخر والتشدد في شروط ما يجوز إدخاله للسجن من مأكل ومشرب  وسوء ظروف  تسليم "القفة"والحرمان من العلاج الضروري ومن الزيارات بدون حواجز بلاستيكية مذلة ومن الكتب والمجلات وسائل الإعلام الأخرى وحتى من الأدوية.

صديقي نجيب

 لا شك أنك متيقن إني أشاطر تماما احتجاجك واحتجاج السجناء الآخرين ضد كل هذه التصرفات والتضييقات التي تعد من باب خرق حقوق السجين و من باب التنكيل به المتعمد وكذلكبعائلته.

كما أنك أنت تعلم أن تضامني معك ومع بقية ضحايا هذه الأوضاع المشينة تضامن كلي لا حد له إلا حدود ما تسمح به الإمكانيات المتاحة.

وعلى هذا الأساس، فإني أرجوك أن تستمع بانتباه إلى ما سأقول لك الآن:

لقد جعلَت منا – أنت وأنا وأمثالنا-ظروف بلادنا في الماضي والحاضر من المواطنين الذين لن يهنأ لنابال- ما دام في قلوبنا نبض الحياة-  طالما بقيت بلادنا العزيزة وشعبنا الحبيب محرومين من التمتع بكامل الحقوق السياسية والاقتصادية والثقافية ...

ونظرا لما تعيشه البلاد اليوم، فمن الواضح أن الطريق نحو هذه الأهداف ما زالت طويلة طويلة ومليئة بالصعوبات والعقبات والأخطار...

ومن البديهي بالنسبة لي وأكيد للعديد منا، أننا بحاجة، اليوم و خصوصا غدا، ولسلوك هذه الطريق الوعرة، إلى كل العزائم والطاقات المناضلة والصادقة

وبحاجة إذن إلى نجيب قوي- جسديا وذهنيا- قادر على أن يواصل  معنا خوض ما يترقبنا من كفاحات  ونضالات لا نعلم مدتها ، لا إلى نجيب أنهكه إضراب الجوع فأضعف إمكانياته في المساهمة في نحت ملامح تونس الغد ، تونس التي نرتضيها لشعبنا والتي هو أهل لها.

صديقي نجيب

أشعر أني لن أقدر على إتمام هذه الرسالة وتبليغك كل ما يجيش بصدري،وكذلك في صدور العديد من هم حولي،من أفكار حول وسائل النضال السياسي ومدى نجاعة بعضها و تحول بعضها إلى سلاح ذي حدين ومن هلع إزاء مجرد فكرة أن يصيبك مكروه – لا قدر الله-

لذا، فإني سأوجز الكلام وأختم:

صديقي نجيب،

 باسم ما يفوق الستينسنة من النضالات المشتركة بيني وبينك، بلقاءاتها واختلافاتها،

وباسم ما يستحق أن نكرس له ما تبقى من حياتنا في سبيل تونس

وباسم ما نؤمن به: أنت وأنا، من أن الحق في الحياة هو أسمى وأنبل الحقوق الإنسانية

وباسم من يترقب - من عائلتك وأصدقائك ورفاقك - خروجك من السجن -على أساس قناعتنا الراسخة بحكمة شعبنا في مقولته:" مايدوم حال" و"الحي يروح" -لتحيا بينهم موفور الصحة وصفاء الذهن ومواصلة النضال

أقول لك: إن حركتك النضالية الشجاعة قد بلغت أهم أهدافها إذ جعلت من قضيتك-ومنقضية جميع مساجين الرأيببلادنا- قضية وطنية اهتمت بها بكل تأثر جميع أطياف الرأي العام التونسي . بل أصبحت قضية تعقد لها في عديد مدن العالم الندوات وتصدر البلاغات والعرائض وتثار في الدوائر السياسية والدبلوماسية...

لذا، فإني أرجوك بكل جوارحي وقناعاتي-بل أناشدن أن تستجيب لنداء كل من يحترمك ويقدر نضالاتك ويتطلع إلى استمرار مساهماتك:

 " نجيب، علق إضراب الجوع  ولو مؤقتا، على أن تواصل بأشكال نضالية أخرى كفاحك من أجل أن تتمتع بحقوقك كاملة غير منقوصة.

ومن جهتنا إننا نعدك  ونلتزم  أنك لن تكون وحيدا في هذه المعركة النبيلة بل سنبذل قصارى جهودنا  لمواصلة  النضال بشتى الأشكال المتاحة من أجل تحقيق مطالبكم  المشروعة، أنت وبقية ضحايا القمع والتعسف" .

وكلي أمل أنك ستستجيب لهذا النداء الحار النابع لا فقط من العاطفة، بل كذلك مما يمليه العقل من ضرورة مواصلة النضال رغم كل الصعاب.

هشام سكيك – تونس في 6 أكتوبر 2026

المشاركة في هذا المقال