مدينةٌ «رخيصة». يمنحها موقع «نمبيو» 30.7 نقطة في الكلفة، لكنه لا يمنحها سوى 38.5 نقطة في القدرة الشرائية، مقابل 153 نقطة لمدينة لاهاي. المدينة رخيصة لمن يقبض بالأورو، وغالية لمن يقبض بالدينار. هذه الجملة تختصر المسألة كلّها.
- المشكلة ليست في السعر
دعونا نقولها بلا مواربة: المشكلة ليست أن الأسعار مرتفعة، بل أن الأجور لم تلحق بها. والقاعدة بسيطة: لا قيمة للسعر وحده، القيمة في عدد ساعات العمل التي يكلّفها.
هاتف «آيفون 16» يُباع في تونس بنحو 3900 دينار، أي أغلى بحوالي 21% من سعره في إسبانيا (959 أورو). السعر إذن قريب من الأوروبي. أما الأجر فليس أوروبياً: يحتاج صاحب الأجر الأدنى إلى سبعة أشهر كاملة ليشتري هذا الهاتف، بينما يشتريه الإسباني بأقل من شهر.
والسيارة؟ «كليو» بـ66950 ديناراً، أي عشر سنوات من الأجر الأدنى، مقابل أقل من سنتين في البرتغال. والشقة من 80 متراً مربعاً؟ بين 35 و42 سنة من الأجر الأدنى.
- أجرٌ لا يتحرّك
لماذا نقارن بالأورو؟ لأن الهاتف والسيارة والدواء المستورد تُسعَّر عالمياً، ولا تسأل عن أجرنا. والأجر الأدنى في تونس يساوي اليوم نحو 165 أورو. كان 139 أورو سنة 2010، أي بزيادة 19% في ست عشرة سنة، وما زال دون مستواه سنة 1990 (190 أورو). في المقابل، قفز الأجر الأدنى الإسباني من نحو 739 أورو (2010) إلى 1381 أورو (2026): زيادة تفوق 85%. فتحوّلت الفجوة مع جنوب أوروبا من أربعة أو خمسة أضعاف سنة 2015 إلى ستة أو ثمانية أضعاف اليوم.
وبالدينار؟ ارتفع الأجر الأدنى 64% منذ 2015، بينما ارتفعت الأسعار قرابة 97%. خسر نحو 17% من قوته الشرائية. وفوق الأدنى لا تنفرج الصورة: في آخر مسح للمعهد الوطني للإحصاء (2022) بلغ الأجر الأساسي المتوسط في المؤسسات 924 ديناراً، لكنّ العامل يتقاضى 658 والإطار 1698 (2.6 أضعاف)، ويصل متوسط قطاع التأمين والمالية إلى 2605 دنانير مقابل 792 في التعليم.
- القفّة والكراء والدواء والمدرسة
هنا يصير الرقم وجعاً يومياً.
القفّة: يلتهم الغذاء 30% من ميزانية الأسرة، وأكثر من 35% عند الأفقر. وفي أوت 2026 ارتفعت أسعار الدواجن 16.5% في عام واحد.
الكراء: شقة «س+2» في حيّ شعبي بالعاصمة بين 500 و800 دينار، أي ما يقارب أجراً أدنى كاملاً أو يفوقه. وقد ارتفعت الإيجارات 29% بين 2020 و2024.
الصحة: تدفع الأسرة من جيبها قرابة 38% من نفقات العلاج، وأكثر من 40% حسب جمعية الدفاع عن الحق في الصحة، مقابل 8.9% في فرنسا. ونحو 2.27 مليون تونسي بلا أي تغطية صحية.
التعليم: الدروس الخصوصية تكلّف في المتوسط 1179 ديناراً سنوياً للتلميذ، أي أكثر من شهرين من الأجر الأدنى. والعودة المدرسية وحدها بين 300 و500 دينار.
الادخار والدين: حين لا يلحق الدخل الأسعار، يُسدّ الفارق من المدّخرات أولاً ثم من الاقتراض. فقد هبط معدل ادخار الأسر من 8.6% سنة 2021 إلى 3% سنة 2025. ويبلغ دين الأسر لدى البنوك نحو 30.5 مليار دينار (البنك المركزي)، ونحو 32.2 مليار مع التمويل الصغير، أي 9263 ديناراً لكل أسرة (إلبورصة)، ما يعادل قرابة 10 أشهر من الأجر الأساسي المتوسط. وبعد سنوات نما فيها الدين بنحو 11% سنوياً، تباطأ إلى 3.1% سنة 2023 و2.4% سنة 2024 و1.7% سنة 2025، أي أقل بكثير من التضخم. وليس ذلك انفراجاً: الفائدة تتجاوز 10%، والقروض الاستهلاكية في ذروتها التاريخية (5.3 مليار)، وتقول 70% من الأسر إنه «يستحيل العيش دون اقتراض» (مسح المعهد الوطني للاستهلاك، ديسمبر 2018).
والمحصلة؟ تقدّر منظمة الدفاع عن المستهلك أن أسرة من أربعة أفراد تحتاج نحو 3000 دينار لتعيش بكرامة: خمسة أضعاف الأجر الأدنى، وأكثر من ثلاثة أضعاف الأجر الأساسي المتوسط (924 ديناراً سنة 2022).
قاعدة نذكّر بها: لا يُشفى المريض بخفض حرارته. خفض سعر هنا وسقفُ سعر هناك مسكّنات، أما الداء فهو دخلٌ لم يلحق بالأسعار. ومن يعالج العَرَض ويترك السبب، تعود إليه الأعراض أشدّ في كل موسم.
- دولة تضبط الأسعار ولا تضبط الدخل
الدولة تعرف كيف تتحرك حين تريد. سعر البنزين ثابت عند 2.53 دينار منذ نوفمبر 2022، وقد ارتفع منذ 2016 بنسبة 58%، أي بإيقاع الأجر الأدنى تقريباً (55%). والسيارة الشعبية، التي تُباع في إطار نظام خاص (ونقارن هنا طراز 2016 بطراز اليوم)، تراجعت من نحو 5.9 سنوات من الأجر الأدنى سنة 2016 إلى 4.5 سنوات اليوم. إذن حين تتدخل الدولة تنجح. لكنها تتدخل في السعر، ونادراً في الدخل. وهنا بالضبط تقع القطيعة المطلوبة.
وآخر الوصفات المسكّنة «القرض على الشرف» (الأمر 148 لسنة 2026 ومنشور البنك المركزي عدد 8): قرضٌ بلا فائدة وبلا ضمانات، حتى 5000 دينار للفرد على 24 شهراً، تموّله البنوك بـ8% من أرباحها، أي نحو 120 مليون دينار: 0.4% فقط من قروض الأسر (30.5 مليار). وهو يناقض منطق البنك المركزي نفسه: فائدة مديرية في حدود 7%، وفوائد تفوق 10% على الأسر، وتشدّد في تقدير المخاطر. فالمرجّح، كما يحذّر الخبير آرام بالحاج، اختيارٌ غير مباشر للأقل مخاطرة، ولا يتوقع أحد الخبراء أكثر من 12 ألف مستفيد. أما صاحب الأجر الأدنى، فقسط يتراوح بين 208 و278 ديناراً شهرياً يلتهم 38% إلى 50% من أجره. هكذا نعالج نقص الدخل بدَين جديد: نُسكّن الألم ونُبقي الجرح.
- ما العمل؟ ثماني قطيعات
- قفزة في الأجر: قانونٌ يربط الأجر الأدنى بنسبة لا تقل عن 60% من الأجر الوسيط، مع سلّم متحرّك يحميه من التضخم. فالمسألة ممكنة: رفعت رومانيا حدّها الأدنى من 218 إلى 814 أورو بين 2015 و2025، وكسبت إسبانيا 38% من القدرة الشرائية بين 2018 و2025، وقفزت تركيا بأجرها 107% سنة 2023 مقابل تضخم 65%، لكنّ التضخم أكل بعدها جزءاً من القفزة، فلا قفزة تدوم دون ضبط الأسعار.
- عقد ازدهار في كل قطاع: نتفاوض قطاعاً قطاعاً على ثمرة النمو: كل زيادة في القيمة المضافة تُوزَّع بنسبة 70% للأجور و30% لتحسين الإنتاجية. فيرتبط الأجر بما ينتجه البلد، لا بمزاج المفاوضات، على غرار الاتفاقيات الجماعية القطاعية في البلدان الشمالية.
- إدماج مالي رقمي: نحو 60% من التونسيين البالغين بلا حساب مالي (40% فقط يملكون حساباً حسب «فيندكس» 2025)، بينما 96% منهم يملكون هاتفاً. فلتُصرف الأجور والجرايات والمنح في محافظ رقمية مضمونة. والحاجة صارخة: 39% من المتقاعدين تقل جراياتهم عن 500 دينار، أي دون الأجر الأدنى. وقد نقلت كينيا ملايين الناس إلى الدفع عبر الهاتف في سنوات قليلة.
- خطة وطنية للصحة: إنزال ما تدفعه الأسرة من جيبها إلى أقل من 20% من نفقات العلاج، وتغطية شاملة لمن لا تغطية لهم، ودواء الأمراض المزمنة مجاناً. وقد أقامت تايلاند سنة 2002 تغطية شاملة وهي بلدٌ متوسط الدخل. ملفٌّ يستحق مقالاً مستقلاً.
- خطة وطنية للنقل: يلتهم النقل نحو 12.7% من ميزانية الأسرة (ترجيحات مؤشر الأسعار) دون أي معالجة هيكلية: المطلوب شبكة نقل عمومي موثوقة في المدن الكبرى، بسعرٍ يتحمله الأجر الأدنى. وقد بنى المغرب قطاره السريع وترامات الدار البيضاء والرباط، فالأمر ممكن في بلد مغاربي. وهو أيضاً ملفٌّ لمقال مستقل.
- سكن خارج منطق المضاربة: قطاع عمومي للكراء الاجتماعي لا يتجاوز ثلث الدخل، وسقفٌ لزيادات الإيجار، وقروض مدعومة لأصحاب الأجور الدنيا، كما في فيينا حيث يسكن أغلب الناس في سكن عمومي أو مدعوم.
- الدعم لمن يحتاجه فقط: إعادة توجيه الدعم العام من الجميع، الغني قبل الفقير، إلى الأسر الأشدّ حاجة في شكل منحة مباشرة، تموَّل بعدالة جبائية تُحمّل الريع والثروة نصيبهما. وقد بدأ المغرب منذ أواخر 2023 صرف منح مباشرة للأسر.
- خطة وطنية ضد فقر الأطفال: برنامج هيكلي لا موسمي: منحة طفولة، ووجبة مدرسية، ودعم مأجور داخل المدرسة يُغني عن الدروس الخصوصية. فالفقر الذي يبدأ في الطفولة يتحول إلى قدرٍ يورَّث. وقد خفّضت بولندا فقر الأطفال بشدة منذ 2016 بمنحة «500+» لكل طفل.
في الأخير، شعار الدولة الإجتماعية لمن لا يفهم الإقتصاد و لا يعرف كيف يتناوله يبقى شعارا شعبويا يدغدغ به أحاسيس من لا يفهم أن السياسات الإقتصادية وحدها التي تخلق الثروة و من ثم يقع توزيعه التوزيع الأفضل.
و هو بذلك خطاب منتهي الصلوحية بعد حين .
الدولة الاجتماعية ليست فصلاً في الدستور ولا خطاباً في مناسبة. إنها أجرٌ يكفي ليدخل أبٌ بيته مرفوع الرأس، دون أن يُخفي عن ابنه ثمن الدواء. كفانا علاجاً للأعراض. فإمّا أن نعالج الداء فنرفع الأجر، أو نكفّ عن الحديث عن الدولة الاجتماعية و عن الكرامة المفقودة.
بقلم: فوزي بن عبد الرحمان