لصحفيّين وصحفيّات يعملون خارج أرض الوطن للتّضامن مع زميلاتنا وزملائنا في الدّاخل، لم يكن باستطاعتي الهروب من الإحساس بالإحباط. تذكّرتُ أنّي وقّعت على عريضةٍ مماثلةٍ للغرض ذاتِه قبل سبعة عشر عامًا.
الإحساس ذاته تملّكني حين قرأت، قبلها، خبرَ دخول السّياسيّ المخضرم، أحمد نجيب الشّابّي، في إضرابٍ عن الطّعام، احتجاجًا على ظروف اعتقاله، وقد ذكّرني الخبر بخطوةٍ مماثلةٍ أقدم عليها أحد أقدمِالسّاسة في تاريخ البلاد، عام 2007.
"التّاريخ لا يعيد نفسَه إلّا في شكل مهزلة"، يقول الفيلسوف الألمانيّ، كارل ماركس. ويَردّ عليه عشّاق الاستبداد ومريدو الاستكانة بأنّ "التّاريخ لا يعيد نفسه ولكنّ الانسان يكرّر غباءه". فبالنّسبة إليهم، أيّ شخص يُحاول التّغيير أو يؤمن به هو بالأساس غبيّ. فما بالك بمن أفنى عمره في سبيل ذلك!
قصّة الشّابّي مع السّجن ليست بالجديدة، إذ انطلقت منذ نهاية ستّينيات القرن الماضي. وبين فترتي السّجن الكثير من التّضحيات، أمام تعاظم تعجرف الأنظمة المتعاقبة على حكم البلاد.
والرّجل، هنا، ليس استثناءً. فالرّمز الحقوقيّ، العيّاشي الهمّامي، مرّ بمسيرةٍ مشابهة من التّقلّبات ما بين الاعتقال والتّضييق، تمامًا مثل القياديّ السّابق بحركة النّهضة، عبد الحميد الجلاصي، الّذي قضّى ثمانية عشر عامًا في غياهب نسيان سجون نظام زين العابدين بن عليّ، ولم يهنأ بالحرّيّة طويلًا.
أمّا مراد الزّغيدي فجاء سَجنه ليؤكّد حقيقةً عبثيّةً مفادها أنّ عائلته خُلقت أصلًا لتعيش وراء القضبان!
وقد نحتاج لمجلّدات لتعداد المصائر المتقاطعة في المعتقلات، بين مختلف العائلات السّياسيّة والطّبقات الاجتماعيّة والفئات العمريّة الّتي اكتوت بنيران الشّموليّة الحريصة على إعادة كتابة التّاريخ القميء ذاته، في أدقّ تفاصيله.
في تونس، كثيرونيشعرون بالفعل أنّهم يعيشون حالة من وهم سبق الرّؤية، ذلك الإحساس الغريب بأنّ المشهد الّذي يرونه اليوم قد عاشوه من قبل. والمزعج في الأمر أنّنا لسنا إزاء مجرّد ظاهرةٍ نفسيّةٍ عابرة، بل نحن نصطدم بواقعٍ سياسيٍّ واجتماعيٍّ يكرّر نفسه بلا نهاية، انطلاقًا من بيانات الرّئاسة الّتي تصدر مع ساعات الصّباح الأولى، إلى أخبار المحاكم والسّجون، مرورًا بالمظاهرات الاحتجاجيّة ومظاهر الجريمة ...
وإذا كان القمع هو الوجه الأمنيّ لوهم سبق الرؤية، فإنّ التّخبّط هو وجهه الاقتصاديّ والاجتماعيّ، فلا مشاريع تتحرّك ولا رؤى واستراتيجيّات تُوضع على الطّاولة. فقط هي الأسعار والمؤشّرات الحمراء الدّالّة على المأزق هي الّتي تتحرّك. هذه الحلقة المفرغة تُغذّي إحساسًا شنيعًا باستحالة التّغيير، كيف لا وقد أصبح الحاضر إعادة إنتاجٍ للماضي. والنّتيجة الطّبيعيّة هي حالة الاستسلام الّتي يبدو عليها المجتمع، رغم المخاطر الّتي تتهدّد البلاد، بشكل صارخٍ.
لكن، ألا يُمكن كسر هذا الوهم الّذي يُلاحقنا؟ هل استحال علينا الهروب من الماضي لمواجهة الحاضر والتّطلّع للمستقبل؟ الأسئلة تُحاصرنا، تمامًا مثل وهم سبق الرّوية. والأجوبة الّتي نجدها بالتّاريخ مثقلَة بحقائق يصعب على الذّات البشريّة تحمّلها. وقبل التّاريخ، ثمّة النّزوات الشّخصيّة، من حواراتٍ داخليّة، خاصّة حين يتعلّق الأمر بالسّؤال الملحّ: هل نحن، أصلًا، مستعدّون للتّغيير؟
إنّ أيّ تغيير لا يمكن أن يكون حقيقيًّا ولا بنّاءً دون كسر البنية الّتي تُعيد إنتاج القمع والرّكود، أي أنّ عمليّة التّحصين لا تقلّ أهمّيّة عن فِعل التّغيير في حدّ ذاته، بل هي شرطٌ أساسيٌّ لديمومته. وهو ما فشلت فيه القوى السّياسيّة والمدنيّة والنّقابيّة، غداة رحيل بن عليّ، عام 2011، بشكلٍ أصبحت فيه العودة إلى الوراء أمرًا حتميًّا.
لكن، في لحظةٍ ما، يصعب على الصّحفيّ أو الخبير أو الاستراتيجيّ أن يتكهّنوا بموعدها، يصبح التّخلّص من وهم سبق الرّؤية ضرورةً. فطبيعة الذّات البشريّة لا تُحبّذ بالفِطرة حالات الارتخاء، خاصّة حين تكون جَمعيّة، طال الزّمن أم قصر.
قد يكون الخلاص الفرديّ جزءًا مؤقّتًا من الحلّ، لكنّه حلّ محدود في الزّمان والمكان، وفي عدد من يختارونه.
ويبقى منطق الطّبيعة أن يعيش الفرد والجماعة لحظةً أصليّةً أصيلةً، غير مكرّرة. لحظة الانعتاق ... على الأقلّ، من وهم سبق الرّؤية.
بقلم: بسّام بوننّي