حلم الهجرة إلى أرض سوريا والقتال إلى جانب السوريين من أجل إسقاط نظام بشار الأسد حينها. لم يكن همّهم او أغلبهم على الاقل إحلال الديمقراطية أو إقامة دولة الحريات، بل كانوا يحلمون بالحوريات أو بإقامة دولتهم الإسلامية.
وجد هؤلاء المهاجرون أو المقاتلون الأجانب، وما بقي منهم اليوم في سوريا، أنفسهم أمام واقع جديد وإكراهات مستحدثة تتطلب فقه واقع جديد بعيدًا عن فتاوى باب الجهاد التقريرية. فهم مطالبون اليوم بإثبات أنهم أغمدوا سيوفهم إلى الأبد، وأنهم انخرطوا في المجهود الوطني المحلي السوري في بناء سوريا الجديدة.
في هذا السياق بالذات أطرح مصطلح “السورنة”. ولا أزعم طبعًا أنني من أسّس لهذا المصطلح، لكنه، بخلاف استعمالات سابقة له، يمكن أن يحمل هنا بعدًا جديدًا: وهو انتقال هؤلاء المقاتلين من مشروع أممي عابر للحدود إلى الانخراط في مشروع سوري محلي.
هكذا، إذًا، لم يكن سقوط دمشق، أو تحريرها بحسب زاوية النظر، من قبل هيئة تحرير الشام، منحة، بل كان محنة جديدة لهذه العقيدة ومآلاتها. فهؤلاء القادمون من أصقاع الدنيا الأربعة، محملين برؤيتهم الإسلامية الأممية المتجاوزة لمشاريع سايكس بيكو والوطنيات الضيقة، يجدون أنفسهم أمام امتحان الاندماج في مشروع دولة سورية وطنية محدّدة الحدود.
ومن مثل الشرع، الذي كان جولاني، والذي حوّل “النصرة” إلى هيئة، أقدر على فهم هذا الامتحان؟
فهو يجد نفسه أمام اختبار إقناع مراكز القرار الغربية بأنه يملك المكونات اللازمة لعملية التحول التي قد تجعل من “سورنة” هؤلاء المقاتلين الأجانب مشروعًا ممكنًا وقابلًا للتحقق. وهو الذي جرّب هذا المسار على نفسه من قبل، حين انتقل من "جولاني النصرة" عابر للحدود إلى "شرع الهيئة" الذي يدير حاجيات السوريين من ماء وكهرباء وأسعار مواد غذائية من قصر الشعب في جبل المزة المشرف على دمشق!
إلى أي حدّ يمكن أن ينجح حكّام سوريا الجدد في مشروع “سورنة” كل هاته الخلطة من طاجيك والايغور والجزراوية والتوانسة والليبيين … ؟ ذلك هو السؤال المسكوت عنه.
فنحن أمام تحدٍّ مزدوج في سوريا: كيف يمكن تجنب أولا أي فتن طائفية بين مكونات الشعب السوري المتعددة عرقيًا ودينيًا وثانيا كيف يمكن صهر العنصر الجديد من المهاجرين او المقاتلين الاجانب في الفسيفساء السورية المتنوعة أصلا؟!
ومهما يكن من أمر، فإن عملية “سورنة” المقاتلين الأجانب في سوريا الجديدة تمثل امتحانًا حقيقيًا يضاف إلى الامتحان القديم - الجديد في إدارة بلد كسوريا متعدد الإثنيات والطوائف ( حوالي 25 طائفة وإثنية).
نحن أمام تجربة جديدة لتوطين التيارات الإسلامية في بيئة محلية، وهي تجربة تطرح أسئلة حول مآلاتها، خصوصًا أن تجارب سابقة لم تكن مضمونة النتائج. فقد عشنا في فترات متباعدة تجارب “الأفغنة” و”الجزأرة” و”الصوملة”.
طبعًا، “السورنة” تجربة مختلفة، أو هكذا يريدها حكامها الجدد، لأنها تسعى إلى أن تكون انصهارًا لكل المكونات التي ساهمت في إنتاج الوضع الراهن في “سوريا الجديدة”.
فالسورنة عملية لا تتخلى فيها التنظيمات العابرة للحدود عن أحلامها الطوباوية فقط، بل تؤمن بأن لا مكان في هذا البلد إلا للمواطن -المواطن الحر- فحسب، بعيدًا عن انتمائه الأيديولوجي أو الديني أو الطائفي أو العرقي…
هل تنجح التجربة؟! .. لننتظر .. وسنرى!
بقلم: هادي يحمد