Print this page

" PSY " لجعفر القاسمي: جلسة علاج أسقطت أقنعة المجتمع

جاء العمل الجديد للممثل والمخرج التونسي جعفر القاسمي

والذي يحمل عنوان "PSY" حمّال هموم ورسائل على عكس أغلب الأعمال التي تدخل تحت مُسمّى "الوان مان شو".

عمل ينطلق من الواقع ليعود إليه، يحفر عميقا في حياة التونسيين بكل ما فيها من أحزان وأفراح، آلام وآمال، تحفيز وإحباط، صدق ونفاق…

يجمع جعفر القاسمي، الماضي والحاضر والمستقبل ليُشكّل إطارا يُلخّص حياة أغلب التونسيين، مرة من خلال موقف ساخر وأخرى بصرخةِ وجعٍ ومرة  ثالثة بقطرة ضوء وسط العتمة التي تخيّم على واقعٍ مربك ضبابي الملامح...

"PSY" ليس مجرد "وان مان شو" أو "مونودراما"، بل هي سيرة الفنان الذي انخرط في تفاصيل مجتمعه حدّ الألم، وتماهى مع اليوميّ كأي مواطن، لكنه يعيشها بروح الفنّان حيث الصدمة أكبر والجرح أعمق…

يمكن تصنيف العمل على أنه "وان مان شو" فقد نجح القاسمي من خلال حضوره وقدرته على صناعة الفرجة بمفرده على الركح وخلق علاقة بينه وبين المتلقي من خلال تقمص عدد من الشخصيات والانتقال من حالة إلى أخرى في سلاسة ويسر مستعينا بقدرته على الحديث مباشر مع الجمهور والاعتماد على ردود أفعالهم لارتجال مواقف تثري العمل، بالإضافة إلى التعويل على الديكور الأدنى (كرسي ومشجب ملابس).

كما يمكن أن نضع العمل في خانة الموندراما، التي تركز على الصراع النفسي لشخصية واحدة تعيش حالة درامية مكثفة على الركح، وهو ما تحقق فعلا في "PSY" حيث يركز العرض بأكمله على تجربة شخصية واحدة، في مواجهة مع الذات ومع الماضي والحاضر في آن، مع قدرته على إيهام الجمهور بوجود شخصيات أخرى إما عبر السرد أو مخاطبة أطياف لا وجود لها فوق الركح.

جعفر القاسمي الذي انطلق من قصة حقيقية عاشها وضمّها في مشروع يحمل أكثر من رسالة، أطلق أكثر من صرخة، في وجه الواقع المُقنّع، وكشف وجوهًا شتّى كشفت بدورها حالات مرضية تختفي خلف ابتسامة مُصطنعة أو نظرةٍ عابرة.

على الركح لم يكن جعفر القاسمي ممثلا بقدر ما كان مرآة لكل واحد منّا، ننظر فنرى وجوهنا التي قد نخجل منها ونهرب منها برسم وجوهٍ أخرى نشتهيها، ورغم علمنا أنها مجرد أقنعة إلا أننا لا نُخفي سعادتنا بارتدائها...

"PSY" تشريح لزمن من القهر والهم والمعاناة، قد تختلف نظرتنا لماهية تلك المصطلحات ولكنّ ما يجمعنا هو رقعة من الأرض قُدّت ذات هروبٍ من جلد ثور أن هكذا أراد كتّاب التاريخ أن يوهمونا...

ورغم أن الجرح غائر والوجع كبير، إلاّ أن الأمل لا يختبئ خلف البحر بل يرافقنا في كل حين ويخرج علينا حتى من شقوق الأسوار العالية.

مسرحية أم جلسة علاج ؟

"PSY" ليس مجرد عمل مسرحي، هي أقرب لجلسة علاج نفسي بالفن "art-thérapie" ولحظة مكاشفة للذات، وضع فيها القاسمي جمهوره أمام مرآة وجعلهم ينظرون إلى وجوههم الحقيقية في لحظة مكاشفة ومصارحة قد لا تتوفر كثيرا بتلك الصورة.

يروي جعفر القاسمي في عمله الجديد رحلة علاج طويلة مع الطبيب النفسي، وبينما يجيب على أسئلة الطبيب، يتعرف على شخصيات كثيرة، لكلٍّ منها حياته وأسراره في حالات تختلف ظاهريا لكنها تصبّ جمعها في سياق واحد وهو الصراع الداخلي الذي تحوّل مع الوقت إلى صراع مع الآخر.

تتوالى الجلسات، ومع كل جلسة تتطور حالة المريض وتُفتح أمامه أبواب جديدة مُشرعة على أفكار وأحلام وقَصَصٍ أخرى.

مع كل جلسة يتحدث المريض لطبيبه عن شخصيات ومواقف طبعت حياته وأحداث ترسّخت في ذاكرته، ورسمت ملامح مرحلة كاملة من سنوات عمره.

في كل نقاش يطرح القاسمي عديد القضايا التي تهمّ المجتمع التونسي واضعا المتفرج أمام المرآة في مواجهة لا مفرَّ منها بين الوجه الحقيقي والوجه الذي يسعى جاهدا ليرسمَه أمام الناس.

اعتمد القاسمي على "التداعي الحر" للمشاعر والأفكار، تماما كالمفهوم الذي يعتمده فرويد في التحليل النفسي، من البوح وتعرية الذات، ما جعل العرض جلسة تحليل نفسي مفتوحة أمام الجمهور، تعرّت فيها الذوات وتحرّرت من كل القيود وانطلقت في البوح بصوت عالٍ يسمعه الجميع.

حياة واحدة وأقنعة كثيرة

يستعير جعفر القاسمي المقولة العظيمة لفرانس كافكا "خجلت من نفسي حين أدركت أن الحياة حفلة تنكرية وأنا حضرتها بوجهي الحقيقي"، ليؤكد أن العيش بوجهين أو أكثر ليس اختيارا في حد ذاته بل قد يكون قدرا أو قرارا حتّمته خيبات أو آلام جعلت من الإنسان مجرد أداة في يد الفاعلين الحقيقيين.

تطرق جعفر أيضا إلى ارتباط حياة الناس بالفضاء الافتراضي وسلطة "السوشيل ميديا" ونُزوع البعض إلى كشف تفاصيل حياته أمام الجميع نازعا رداء الخصوصية والحميمية، ما جعل حياة البعض مجرّد شاشة مفتوحة على مدار الساعة يشاهدها الجميع دون تحفّظات.

في نهاية العرض حاول القاسمي بعث بعض رسائل الطمأنة والموجات الإيجابية رغم عتمة الواقع وختَمَ رحلة الأداء/ العلاج بمقطع من أغنية الفنان الراحل ياسر جرادي "نرجعلك ديما ديما".

بقلم: صالح سويسي

المشاركة في هذا المقال