Print this page

«‬فصوص‭ ‬الحكم‭ ‬لابن‭ ‬عربي‮»‬‭ ‬ دين‭ ‬الحبّ‭ ‬والإنسانية‭ ‬الروحانية

 
هل‭ ‬يمكن‭ ‬الحديث‭ ‬في‭ ‬مقال‭ ‬عن‭ ‬أحد‭ ‬أعظم‭ ‬نصوص
‭ ‬التراث‭ ‬الصوفي‭ ‬الفلسفي‭ ‬الانساني؟‭ ‬العقل‭ ‬يقول‭ ‬لا‭ ‬لأننا‭ ‬أمام‭ ‬كتاب‭ ‬يستعصي‭ ‬فهمه‭ ‬على‭ ‬ذوي‭ ‬الألباب‭ ‬ممن‭ ‬حرم‭ ‬لذة‭ ‬الذوق‭ ‬وأنوار‭ ‬الكشف‭... ‬

ولكن‭.. ‬لأن‭ ‬في‭ ‬الأمر‭ ‬لكن‭.. ‬المكتبة‭ - ‬أيا‭ ‬كان‭ ‬حجمها‭ ‬وعلاقتها‭ ‬بصاحبها‭ - ‬كائن‭ ‬حي‭.. ‬كل‭ ‬كتاب‭ ‬خلية‭ ‬بل‭ ‬منظومة‭ ‬خلايا‭ ‬تعيش‭ ‬وتتوالد‭ ‬ولكنها‭ ‬لا‭ ‬تموت‭.. ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬مكتبة‭ ‬كتب‭ ‬تروي‭ ‬قصة‭ ‬تتجاوزها‭ ‬وهي‭ ‬تظل‭ ‬كنجوم‭ ‬السماء‭ ‬حتى‭ ‬وان‭ ‬هجرها‭ ‬صاحبها‭ ‬سنوات‭ ‬أو‭ ‬عقود‭..‬

ليعذرني‭ ‬القارئ‭ (‬ة‭) ‬على‭ ‬اقحام‭ ‬الذات‭ ‬أحيانا‭.. ‬فلا‭ ‬معنى‭ ‬لهذا‭ ‬الركن‭ ‬عندي‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬أحدثكم‭ ‬أحيانا‭ ‬عن‭ ‬بعض‭ ‬نجوم‭ ‬مكتبتي‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬عندي‭ ‬كوكب‭ ‬دري‭ ‬ينير‭ ‬حتى‭  ‬عندما‭ ‬ينقطع‭ ‬الكهرباء‭ ‬وتخبو‭ ‬شمس‭ ‬النهار‭.. ‬ثم‭ ‬أنني‭ ‬أعتقد‭ - ‬وقد‭ ‬أكون‭  ‬واهما‭ -  ‬أن‭ ‬‮«‬فصوص‭ ‬الحكم‮»‬‭ ‬في‭ ‬المتناول‭ ‬النسبي‭ ‬لكل‭ ‬مهتم‭ ‬بعوالم‭ ‬الفكر‭ ‬والروح،‭ ‬أي‭ ‬بجوهر‭ ‬الانسان‭.. ‬ذلك‭ ‬‮«‬العالم‭ ‬الصغير‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬يرنو‭ ‬لكي‭ ‬يصبح‭ ‬‮«‬الانسان‭ ‬الكامل‮»‬‭ ‬تلك‭ ‬المرآة‭ ‬المجلوّة‭ ‬للحق‭ ‬والذي‭ ‬دونه‭ ‬يفقد‭ ‬الخلق‭ ‬غايته‭ ‬ومنتهاه‭..‬

قلت‭ ‬أننا‭ ‬أمام‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬نصوص‭ ‬التراث‭ ‬الصوفي‭ ‬الفلسفي‭ ‬الانساني‭ ‬وقد‭ ‬اعترض‭ ‬قديما‭ ‬حديثا‭ ‬فلاسفة‭ ‬ومتصوفة‭ ‬على‭ ‬اعتبار‭ ‬ابن‭ ‬عربي‭ ‬فيلسوفا‭ ‬صوفيا،‭ ‬فعند‭ ‬المتصوفة‭ - ‬كالاندلسي‭ ‬ابن‭ ‬سبعين‭ ‬مثلا‭ - ‬الفيلسوف‭ ‬أرفع‭ ‬شأنا‭ ‬ولا‭ ‬شك‭ ‬من‭ ‬الفقيه‭ ‬والمتكلم‭ ‬ولكنه‭ ‬دون‭ ‬الصوفي‭ ‬علما‭ ‬ومكانة‭ ‬لأن‭ ‬بضاعته‭ ‬تقف‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬العقل‭ ‬وتبقى‭ ‬محجوبة‭ ‬عن‭ ‬حقائق‭ ‬الكشف‭ ‬وتجلياته‭.. ‬وعند‭ ‬الفلاسفة‭ ‬عالم‭ ‬المتصوف‭ ‬هو‭ ‬عالم‭ ‬طلاسم‭ ‬ورموز‭ ‬غريبة‭ ‬ومصطلحات‭ ‬تقطع‭ ‬مع‭ ‬عالم‭ ‬اللغة‭ ‬المتعارف‭ ‬عليها‭.. ‬والمتصوف‭ ‬عندهم‭ ‬لا‭ ‬يمتلك‭ ‬‮«‬الآلة‮»‬‭ ‬أي‭ ‬تلك‭ ‬الترسانة‭ ‬من‭ ‬المفاهيم‭ ‬التي‭ ‬ينحتها‭ ‬العقل‭ ‬وهو‭ ‬لا‭ ‬يمتلك‭ ‬ذلك‭ ‬النسق‭ ‬التفهمي‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬البرهنة‭ ‬والاستدلال‭... ‬نسق‭ ‬لا‭ ‬تناقض‭ ‬داخله‭ ‬وغايته‭ ‬الحقيقة‭ ‬العقلية‭ ‬لا‭ ‬أوهام‭ ‬وشطحات‭ ‬المتصوفة‭..‬

ولكن‭ ‬لا‭ ‬جدال‭ - ‬قديما‭ ‬وحديثا‭ - ‬بين‭ ‬الباحثين‭ ‬أن‭ ‬هنالك‭ ‬تصوفا‭ ‬فلسفيا‭ (‬مقابل‭ ‬التصوف‭ ‬الطرقي‭) ‬وأن‭ ‬‮«‬الشيخ‭ ‬الأكبر‮»‬‭ ‬و«الكبريت‭ ‬الأحمر‮»‬‭ ‬محيي‭ ‬الدين‭ ‬بن‭ ‬عربي‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬أعظم‭ ‬رواد‭ ‬هذا‭ ‬التصوف‭ ‬الفلسفي‭ ‬لا‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭ ‬العربي‭ ‬الاسلامي‭ ‬ولكن‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬قاطبة‭ ‬إلى‭ ‬يوم‭ ‬الناس‭ ‬هذا‭..‬

لا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬القراءة‭ ‬المباشرة‭ ‬لـ«فصوص‭ ‬الحكم‮»‬‭ ‬أمر‭ ‬شبه‭ ‬مستحيل‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬بدّ‭ ‬من‭ ‬الاعداد‭ ‬والاستعداد‭ ‬ولكن‭ ‬الأمر‭ ‬أصبح‭ ‬ميسرا‭ ‬إلى‭ ‬حدّ‭ ‬كبير‭ ‬بعد‭ ‬الجهد‭ ‬الجبار‭ ‬الذي‭ ‬بذله‭ ‬المصري‭ ‬أبو‭ ‬العلا‭ ‬عفيفي‭ (‬دكتور‭ ‬في‭ ‬الفلسفة‭ ‬من‭ ‬جامعة‭ ‬كمبردج‭) ‬الذي‭ ‬أعطى‭ ‬صورة‭ ‬اجمالية‭ ‬مهمة‭ ‬عن‭ ‬التصوف‭ ‬الفلسفي‭ ‬لابن‭ ‬عربي‭ ‬ثم‭ ‬شرح‭ ‬الفصوص‭ ‬فصّا‭ ‬فصّا‭.. ‬وتمثل‭ ‬مقدمة‭ ‬عفيفي‭ ‬وشروحه‭ ‬ضعف‭ ‬نص‭ ‬ابن‭ ‬عربي‭ ‬وقد‭ ‬صدرت‭ ‬الطبعة‭ ‬الأولى‭ ‬لهذا‭ ‬الكتاب‭ ‬سنة‭  ‬1946‭ ‬عن‭ ‬دار‭ ‬‮«‬إحياء‭ ‬الكتب‭ ‬العربية‭ ‬‮»‬‭ ‬بالقاهرة،‭ ‬وليس‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬الصدف‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬أهم‭ ‬ميسر‭ ‬وشارح‭ ‬للفصوص‭ ‬متفلسف‭ ‬من‭ ‬الطراز‭ ‬الرفيع‭...‬

نصيحتي‭ ‬لكم،‭ ‬من‭ ‬يريد‭ ‬الولوج‭ ‬لهذا‭ ‬العالم‭ ‬الانساني‭ ‬الروحاني‭ ‬العظيم‭ ‬عليه‭ ‬الاستعانة‭ ‬بشروح‭ ‬وتعليقات‭ ‬عفيفي‭ ‬وإلا‭ ‬ظلت‭ ‬‮«‬الفصوص‮»‬‭ ‬مستغلقة‭ ‬عليه‭ ‬لا‭ ‬تبوح‭ ‬بأسرارها‭ ‬وكنوزها‭..‬

بعد‭ ‬12‭ ‬سنة‭ ‬أصدر‭ ‬الفيلسوف‭ ‬والمستشرق‭ ‬الفرنسي‭ ‬الكبير‭ ‬هنري‭ ‬كورباى‭ ‬كتابا‭ ‬مرجعيا‭ ‬لفهم‭ ‬فلسفة‭ ‬ابن‭ ‬عربي‭ ‬بصفة‭ ‬عامة‭ ‬تحت‭ ‬عنوان‭ ‬( L›imagination créatrice dans le soufisme d›Ibn ‹Arabi) - Ed Flammarion وقد‭ ‬ترجمه‭ ‬فريد‭ ‬الزاهي‭ ‬بعد‭ ‬حوالي‭ ‬نصف‭ ‬قرن‭ ‬إلى‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬وصدر‭ ‬عن‭ ‬دار‭ ‬‮«‬الجمل‮»‬‭ ‬تحت‭ ‬عنوان‭ ‬‮«‬الخيال‭ ‬الخلّاق‭ ‬في‭ ‬نصوص‭ ‬ابن‭ ‬عربي‮»‬‭. ‬ويمثل‭ ‬هذا‭ ‬العمل‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬التؤويلات‭ ‬الفلسفية‭ ‬لتصوف‭ ‬ابن‭ ‬العربي‭.‬

لابن‭ ‬عربي‭ ‬مؤلفات‭ ‬لا‭ ‬تكاد‭ ‬تحصى‭ ‬إذ‭ ‬نسب‭ ‬إليه‭ ‬حسب‭ ‬الباحث‭ ‬عثمان‭ ‬يحيى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬800‭ ‬عنوان‭ ‬قدّر‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬الشهير‭ ‬‭ ‬‮«‬Histoire‭ ‬et‭ ‬classification‭ ‬de‭ ‬l›œuvre‭ ‬d›Ibn‭ ‬Arabi‮»‬‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬400‭ ‬إلى‭ ‬500‭ ‬كتاب‭ ‬ورسالة‭ ‬تعود‭ ‬فعلا‭ (‬أو‭ ‬الأرجح‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الأمر‭ ‬كذلك‭) ‬إلى‭ ‬الشيخ‭ ‬الأكبر‭.. ‬وبين‭ ‬هذا‭ ‬العدد‭ ‬الضخم‭ ‬لرجل‭ ‬لم‭ ‬ينفك‭ ‬طيلة‭ ‬حياته‭ ‬عن‭ ‬الترحال‭ ‬والتدريس‭ ‬والخلوة،‭ ‬هنالك‭ ‬كتابان‭ ‬بارزان‭: ‬‮«‬الفتوحات‭ ‬المكية‮»‬‭ ‬وهو‭ ‬بمثابة‭ ‬موسوعته‭ ‬الصوفية‭ ‬و«فصوص‭ ‬الحكم‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬اكتنز‭ ‬وكثف‭ ‬الرؤية‭ ‬الصوفية‭ ‬الفلسفية‭ (‬أو‭ ‬الحكمية‭) ‬لابن‭ ‬عربي‭ ‬وقد‭ ‬ألفت‭ ‬مآت‭ ‬الشروح‭ ‬والردود‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬بين‭ ‬متوغل‭ ‬في‭ ‬عوالمه‭ ‬الروحية‭ ‬ومكفر‭ ‬له‭ ‬على‭ ‬طريقة‭ ‬الفقهاء‭ ‬والسلفيين‭..‬

يحتوي‭ ‬‮«‬فصوص‭ ‬الحكم‮»‬‭ ‬على‭ ‬27‭ ‬فص،‭ ‬كل‭ ‬فص‭ ‬باسم‭ ‬نبي‭.. ‬تبدأ‭ ‬الفصوص‭ ‬من‭ ‬آدم‭ ‬‮«‬فصّ‭ ‬حكمة‭ ‬إلهية‭ ‬في‭ ‬كلمة‭ ‬أدمية‮»‬‭ ‬وتنتهي‭ ‬بمحمد‭ ‬‮«‬فصّ‭ ‬حكمة‭ ‬فردية‭ ‬في‭ ‬كلمة‭ ‬محمدية‮»‬‭ ‬والفصوص‭ ‬لا‭ ‬تروي‭ ‬قصص‭ ‬الأنبياء‭ ‬بل‭ ‬تتناول‭ ‬أبعاد‭ ‬التجربة‭ ‬الروحية‭ ‬وتضيئ‭ ‬عالم‭ ‬الرموز‭ ‬الأكبرية‭ (‬نسبة‭ ‬إلى‭ ‬الشيخ‭ ‬الأكبر‭).‬

لا‭ ‬يمكن‭ ‬لمقال‭ - ‬ولا‭ ‬حتى‭ ‬لكتاب‭ -  ‬أن‭ ‬يتناول‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬الفصوص‭.. ‬ولكن‭ ‬هنالك‭ ‬خيوطا‭ ‬ناظمة‭ ‬قد‭ ‬تفصح‭ ‬عن‭ ‬بعض‭ ‬عوالم‭ ‬ابن‭ ‬عربي‭ ‬نبدأها‭ ‬بـ‮«‬الانسان‭ ‬الكامل‮»‬‭ ‬في‭ ‬الفص‭ ‬الآدمي‭ ‬و«دين‭ ‬الحبّ‭ ‬المبثوث‮»‬‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬الفصوص‭ ‬وعن‭ ‬حقيقة‭ ‬قول‭ ‬ابن‭ ‬عربي‭ ‬بوحدة‭ ‬الوجود‭.‬

•‭ ‬الإنسان‭ ‬الكامل‭:‬

ينسب‭ ‬البعض‭ ‬نظرية‭ ‬الإنسان‭ ‬الكامل‭ ‬للصوفي‭ ‬عبد‭ ‬الكريم‭ ‬الجيلي‭ (‬ت‭ ‬805‭ ‬هـ‭) ‬صاحب‭ ‬الكتاب‭ ‬الشهير‭ ‬‮«‬‭ ‬الإنسان‭ ‬الكامل‭ ‬في‭ ‬معرفة‭ ‬الأوخر‭ ‬والأوائل‮»‬‭ ‬والحال‭ ‬أن‭ ‬ابن‭ ‬عربي‭ (‬ت‭ ‬638‭ ‬هـ‭) ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬وضع‭ ‬الأسس‭ ‬الحكمية‭ ‬لهذا‭ ‬المفهوم‭ ‬المركزي‭ ‬في‭ ‬التصوف‭ ‬الفلسفي،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬كان‭ ‬الحلاج‭ ‬أوّل‭ ‬من‭ ‬استعمل‭ ‬هذا‭ ‬المصطلح‭.‬

في‭ ‬الفص‭ ‬الآدمي‭ ‬يقول‭ ‬ابن‭ ‬عربي‭ ‬‮«‬لما‭ ‬شاء‭ ‬الحق‭ ‬سبحانه‭ (...) ‬أن‭ ‬يرى‭ ‬عينه‭ ‬في‭ ‬كون‭ ‬جامع‭  ‬يحصر‭ ‬الأمر‭ ‬كلّه‭  (...) ‬أوجد‭ ‬العالم‭ ‬كلّه‭ (...)  ‬فكان‭ ‬كمرآة‭ ‬غير‭ ‬مجلوة‮»‬‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬الكون‭ ‬كله‭ ‬لم‭ ‬يتمكن‭ ‬من‭ ‬عكس‭ ‬صورة‭ ‬عين‭ ‬الذات‭ ‬الإلهية‭ ‬لأنه‭ ‬كون‭ ‬لا‭ ‬روح‭ ‬فيه‭ ‬وهو‭ ‬هنا‭ ‬بمثابة‭ ‬المرآة‭ ‬غير‭ ‬المصقولة‭ ‬وغير‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬عكس‭ ‬الصورة‭ ‬وهكذا‭ ‬كان‭ ‬‮«‬آدم‭ ‬عين‭ ‬جلاء‭ ‬تلك‭ ‬المرآة‭ ‬وروح‭ ‬تلك‭ ‬الصورة‮»‬‭ ‬ولهذا‭ ‬كان‭ ‬آدم‭ ‬‮«‬إنسانا‭ ‬وخليفة‮»‬‭.‬

فالانسان‭ ‬فيه‭ ‬يحصر‭ ‬‮«‬الحقائق‭ ‬كلها‮»‬‭ ‬فهو‭ ‬الذي‭ ‬علمه‭ ‬الله‭ ‬الأسماء‭ ‬لكها،‭ ‬أي‭ ‬حقائق‭ ‬الأشياء،‭ ‬وهكذا‭ ‬يكون‭ ‬عماد‭ ‬العالم‭ ‬إذ‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬العالم‭ ‬‮«‬كفص‭ ‬الخاتم‭ ‬من‭ ‬الخاتم‮»‬‭ ‬وهو‭ ‬‮«‬خليفة‮»‬‭ ‬لأن‭ ‬الله‭ ‬‮«‬الحافظ‭ ‬بخلقه‮»‬‭ ‬ليخلص‭ ‬ابن‭ ‬عربي‭ ‬إلى‭ ‬التعريف‭ ‬الشامل‭ ‬للإنسان‭ ‬الكامل‭ ‬‮«‬لا‭ ‬يزال‭ ‬العالم‭ ‬محفوظا‭ ‬ما‭ ‬دام‭ ‬فيه‭ ‬هذا‭ ‬‮«‬الإنسان‭ ‬الكامل‮»‬‭ ‬وفي‭ ‬كتب‭ ‬أخرى‭ ‬يقول‭ ‬ابن‭ ‬عربي‭ ‬أن‭ ‬الإنسان‭ ‬هو‭ ‬‮«‬الكون‭ ‬الصغير‮»‬‭ ‬أي‭ ‬أنه‭ ‬جوهر‭ ‬الحقائق‭ ‬كلها‭ ‬لأنه‭ ‬صورة‭ ‬من‭ ‬الذات‭ ‬الإلهية‭ ‬ولأنه‭ ‬سرّ‭ ‬الوجود‭ ‬وخازن‭ ‬الموجود‭.. ‬و«الإنسان‭ ‬الكامل‭ ‬هو‭ ‬الجامع‭ ‬لحقائق‭ ‬العالم‭ ‬ومفرداته‮»‬‭ ‬ولهذا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نقول‭ ‬أن‭ ‬آدم‭ ‬هو‭ ‬الصورة‭ ‬البدئية‭ (‬la‭ ‬figure‭ ‬archétypale‭) ‬لهذا‭ ‬الانسان‭ ‬الكامل‭ ‬وأن‭ ‬كل‭ ‬البشر،‭ ‬إناثا‭ ‬وذكورا،‭ ‬يشاركون‭ ‬هذه‭ ‬الصورة‭ ‬البدئية‭ ‬بقدر‭ ‬سيرهم‭ ‬في‭ ‬طريق‭ ‬الحق‭ ‬وبقدر‭ ‬ما‭ ‬تنكشف‭ ‬أمامهم‭ ‬الحقائق‭ ‬اللدنية‭...‬

الانسان‭ ‬الكامل‭ ‬حالة‭ ‬لا‭ ‬تدرك‭ ‬بالعقل‭ ‬وحده،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬العقل‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬تعقلها،‭ ‬ولكنها‭ ‬حالة‭ ‬وجودية‭ ‬ورحلة‭ ‬حياتية‭ ‬وسيرورة‭ ‬في‭ ‬طريق‭ ‬ترفع‭ ‬فيها‭ ‬الحجب‭ ‬عن‭ ‬سرّ‭ ‬الكينونة‭ ‬حجابا‭ ‬تلو‭ ‬آخر‭ ‬وهنا‭ ‬لا‭ ‬يهم‭ ‬أي‭ ‬طريق‭ ‬سلكت‭ ‬وأية‭ ‬ديانة‭ ‬اتبعت‭ ‬ما‭ ‬دامت‭ ‬الحقيقة‭ ‬ديدنك‭ ‬ووجهتك‭..‬

• إله‭ ‬المعتقد‭:‬

يميّز‭ ‬ابن‭ ‬عربي‭ ‬بين‭ ‬الذات‭ ‬الإلهية‭ ‬المحجوبة‭ ‬عن‭ ‬عالم‭ ‬الخلق‭ ‬وبين‭ ‬إلاه‭ ‬المعتقدات،‭ ‬فكل‭ ‬أصحاب‭ ‬الديانات‭ ‬والمذاهب‭ ‬يعتقدون‭ ‬أنهم‭ ‬يعبدون‭ ‬الاله‭ ‬الحق‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬معتقداتهم‭ ‬والحال‭ ‬أنهم‭ ‬يعبدون‭ ‬فقط‭ ‬إله‭ ‬معتقدهم‭ ‬وإله‭ ‬المعتقد‭ ‬هو‭ ‬حجاب‭ ‬يحجبنا‭ ‬عن‭ ‬الحضرة‭ ‬الإلهية‭.. ‬إله‭ ‬المعتقد‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬مرحلة‭ ‬في‭ ‬الطريق‭ ‬ولكنه‭ ‬ليس‭ ‬غايته‭ ‬ومنتهاه‭ ‬فالمعتقدات‭ ‬الدينية‭ ‬وغير‭ ‬الدينية‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬مداخل‭ ‬إلى‭ ‬ساحة‭ ‬أعظم‭ ‬تجمع‭ ‬كل‭ ‬المعتقدات‭ ‬وتتجاوزها‭.‬

إله‭ ‬المعتقد‭ ‬مسألة‭ ‬معقدة‭ ‬ومتشعبة‭ ‬في‭ ‬فكر‭ ‬ابن‭ ‬عربي‭ ‬وقد‭ ‬خصص‭ ‬لها‭ ‬الفصّ‭ ‬الثاني‭ ‬عشر‭ ‬تحت‭ ‬عنوان‭ ‬‮«‬فصّ‭ ‬حكمة‭ ‬قلبية‭ ‬في‭ ‬كلمة‭ ‬شعيبية‮»‬‭ ‬وهذا‭ ‬الفص‭ ‬لا‭ ‬علاقة‭ ‬له‭  ‬بإطلاق‭ ‬بالنبي‭ ‬شعيب‭ ‬بل‭ ‬بتشعب‭ ‬المسألة‭ ‬‮«‬وأما‭ ‬اختصاصها‭ ‬بشعيب،‭ ‬لما‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬التشعب‭ ‬أي‭ ‬شعبها‭ ‬لا‭ ‬تنحصر،‭ ‬لأن‭ ‬كل‭ ‬اعتقاد‭ ‬شعبة،‭ ‬فهي‭ ‬شعب‭ ‬كلها‮»‬‭ ‬وهنا‭ ‬يخالف‭ ‬ابن‭ ‬عربي‭ ‬غالبية‭ ‬المتصوفة‭ ‬الذين‭ ‬سبقوه‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬يرون‭ ‬أن‭ ‬الله‭ ‬يتجلى‭ ‬للانسان‭ ‬بقدر‭ ‬استعداد‭ ‬هذا‭ ‬الأخير‭ ‬وترقيه‭ ‬في‭ ‬سبل‭ ‬الكمال‭.. ‬فنوع‭ ‬التجلي‭ ‬مرتبط‭ ‬اذن‭ ‬بالاستعداد‭ ‬الروحي‭ ‬لكل‭ ‬فرد‭.. ‬ولكن‭ ‬ابن‭ ‬عربي‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬التجلي‭ ‬الإلهي‭ ‬متعدد‭ ‬ولا‭ ‬متناه‭ ‬في‭ ‬حدّ‭ ‬ذاته،‭ ‬فالتجلي‭ ‬الإلهي‭ ‬يتقلب‭ ‬في‭ ‬أنواع‭ ‬الصور‭ ‬والصفات‭ ‬ووحده‭ ‬القلب‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يسع‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬التجليات‭ ‬لكن‮«‬‭ ‬العقل‭ ‬قيد‭ ‬فيحصر‭ ‬الأمر‭ ‬في‭ ‬نعت‭ ‬واحد‭ ‬والحقيقة‭ ‬تأبى‭ ‬الحصر‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الأمر‮»‬‭ ‬وفي‭ ‬الحقيقة‭ ‬العقل‭ ‬الذي‭ ‬ينقده‭ ‬ابن‭ ‬عربي‭ ‬هو‭ ‬العقل‭ ‬الفلسفي‭ ‬الأرسطي‭ ‬القائم‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬المنطق‭ ‬على‭ ‬مبدإ‭ ‬‮«‬الثالث‭ ‬المرفوع‮»‬‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬أمرا‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬اما‭ ‬خطأ‭ ‬أو‭ ‬صوابا‭ ‬ولا‭ ‬يوجد‭ ‬لمنزلة‭ ‬بينهما‭...‬

بينما‭ ‬‮«‬القلب‮»‬‭ ‬عند‭ ‬ابن‭ ‬عربي‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬المنطق‭ ‬غير‭ ‬المحدد‭ ‬la‭ ‬logique‭ ‬indéterminée‭) ‬فالخطأ‭ ‬محتمل‭ ‬والصواب‭ ‬أيضا‭ ‬وهما‭ ‬يلتقيان‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬القول‭.. ‬فالقلب‭ ‬هنا‭ ‬لا‭  ‬يناقض‭ ‬العقل‭ ‬باطلاق‭ ‬بل‭ ‬يناقض‭ ‬عدم‭ ‬مرونته‭ ‬وعدم‭ ‬قبوله‭ ‬لتعدد‭ ‬الحقائق‭...‬

• الحب‭ ‬أصل‭ ‬الموجودات

هذا‭ ‬القلب‭ ‬الذي‭ ‬يتسع‭ ‬لكل‭ ‬الصور‭ ‬ولكل‭ ‬التجليات‭ ‬الإلهية‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يتحدث‭ ‬عنه‭ ‬ابن‭ ‬عربي‭ ‬في‭ ‬‮«‬ترجمان‭ ‬الأشواق‮»‬‭ ‬ذلك‭ ‬الديوان‭ ‬الذي‭ ‬ألفه‭ ‬ابن‭ ‬عربي‭ ‬بمكة‭ ‬في‭ ‬عشق‭ ‬ابنة‭ ‬شيخه‭ ‬هنالك‭ ‬ولكن‭ ‬ابن‭ ‬عربي‭ ‬يقصد‭ ‬من‭ ‬وراء‭ ‬هذا‭ ‬الغزل‭ ‬الظاهر‭ ‬علوم‭ ‬الباطن‭ ‬وأسراره‭.‬

يقول‭ ‬ابن‭ ‬عربي‭ ‬في‭ ‬قصيدة‭ ‬‮«‬تناوحت‭ ‬الأرواح‮»‬‭ ‬ما‭ ‬يلي‭:‬

‮«‬لَقَد‭ ‬صارَ‭ ‬قَلبي‭ ‬قابِلاً‭ ‬كُلَّ‭ ‬صورَةٍ‭ ... ‬فَمرعىً‭ ‬لغزلانٍ‭ ‬وديرٌ‭ ‬لرهبانِ

وبيتٌ‭ ‬لأوثانٍ‭ ‬وكعبةُ‭ ‬طائفٍ‭ ... ‬وألواحُ‭ ‬توراةٍ‭ ‬ومصحفُ‭ ‬قرآنِ

أَدينُ‭ ‬بدينِ‭ ‬الحُبِّ‭ ‬أَنّى‭ ‬تَوَجَّهَت‭ ... ‬رَكائِبُهُ،‭ ‬فالحُبُّ‭ ‬ديني‭ ‬وإيماني‮»‬

هذا‭ ‬القلب‭ ‬المنفتح‭ ‬لكل‭ ‬صور‭ ‬الاعتقاد‭ ‬هو‭ ‬قلب‭ ‬السالك‭ ‬الذي‭ ‬يتسع‭ ‬لكل‭ ‬صور‭ ‬التجلي،‭ ‬وقبل‭ ‬هذه‭ ‬الأبيات‭ ‬الشهيرة‭ ‬يتحدث‭ ‬الشيخ‭ ‬الأخبر‭ ‬عن‭ ‬رسول‭ ‬الاسلام‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يطوف‭ ‬بالكعبة‭ ‬ويقبّل‭ ‬الحجر‭ ‬الأسود‭:‬

‮«‬كما‭ ‬طاف‭ ‬خيرُ‭ ‬الرُّسلِ‭ ‬بالكعبةِ‭ ‬التي‭  ...  ‬يقولُ‭ ‬دليلُ‭ ‬العقلِ‭ ‬فيها‭ ‬بنُقصانِ‭ ‬

وقبّلَ‭ ‬أحجاراً‭ ‬بها،‭ ‬وهو‭ ‬ناطقٌ‭  ...  ‬وأينَ‭ ‬مَقامُ‭ ‬البيتِ‭ ‬من‭ ‬قدرِ‭ ‬إنسانِ‮»‬

فكل‭ ‬هذه‭ ‬المعتقدات‭ ‬هي‭ ‬تجليات‭ ‬وهي‭ ‬حجب‭ ‬في‭ ‬ذات‭ ‬الوقت،‭ ‬فهي‭ ‬تجليات‭ ‬عالم‭ ‬الشهادة‭ ‬والوقوف‭ ‬عندها‭ ‬فقط‭ ‬يحجب‭ ‬السالك‭ ‬عن‭ ‬تجليات‭ ‬الغيب،‭ ‬تجليات‭ ‬الحضرة‭ ‬الإلهية‭..‬

والحبّ‭ ‬هنا‭ ‬هو‭ ‬شوق‭ ‬واشتياق‭ ‬المحبوب‭ ‬للمحب‭ ‬وهو‭ ‬أيضا‭ ‬تلك‭ ‬الأخوة‭ ‬البشرية‭ ‬التي‭ ‬تتجاوز‭ ‬التعصب‭ ‬الأعمى‭ ‬للمعتقد‭.. ‬فأصحاب‭ ‬الاعتقادات‭ ‬‮«‬يكفر‭ ‬بعضهم‭ ‬ببعض‭ ‬ويلعن‭ ‬بعضهم‭ ‬بعضا‭ ‬وما‭ ‬لهم‭ ‬من‭ ‬ناصرين‮»‬‭..‬

الحبّ‭ ‬بعد‭ ‬أساسي‭ ‬في‭ ‬فكر‭ ‬وحياة‭ ‬ابن‭ ‬عربي‭.. ‬يشهد‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬ديوانه‭ ‬‮«‬ترجمان‭ ‬الأشواق‮»‬‭ ‬والحبّ‭ ‬عنده‭ ‬روحاني‭ ‬فهو‭ ‬عشق‭ ‬الروح‭ ‬وشوقها‭ ‬واشتياقها‭ ‬للمحبوب‭ ‬وحبّ‭ ‬إمرأة‭ ‬لا‭ ‬ينفصل‭ ‬عن‭ ‬أشواق‭ ‬الروح‭ ‬فهو‭ ‬احدى‭ ‬تجلياتها‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬أعمق‭ ‬وأجمل‭ ‬تجلياتها‭..‬

والمحبة‭ ‬عنده‭ ‬هي‭ ‬أصل‭ ‬الموجودات‭ ‬كما‭ ‬قال‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬آخر‭ ‬فصّ‭ ‬من‭ ‬فصوصه‭ ‬‮«‬فصّ‭ ‬حكمة‭ ‬فردية‭ ‬في‭ ‬كلمة‭ ‬محمدية‮»‬‭.‬

في‭ ‬تأوليه‭ ‬للحديث‭ ‬النبوي‭ ‬‮«‬حُبِّبَ‭ ‬إليَّ‭ ‬من‭ ‬دُنْياكمُ‭ ‬ثلاث‭ ‬النِّساءُ‭ ‬والطِّيبُ،‭ ‬وجُعِلَت‭ ‬قُرَّةُ‭ ‬عَيني‭ ‬في‭ ‬الصَّلاةِ‮»‬‭ ‬يعتمد‭ ‬الشيخ‭ ‬الأكبر‭ ‬على‭ ‬تثليث‭ ‬وجودي‭ ‬روحاني‭: ‬الحق‭ (‬أي‭ ‬الله‭) ‬والرجل‭ ‬والمرأة،‭ ‬وقدمت‭ ‬النساء‭  ‬على‭ ‬الصلاة‭ ‬‮«‬لأن‭ ‬المرأة‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الرجل‭ ‬في‭ ‬أصل‭ ‬ظهور‭ ‬عينها‭ ‬ومعرفة‭ ‬الانسان‭ ‬بنفسه‭ ‬مقدمة‭ ‬على‭ ‬معرفته‭ ‬بربه،‭ ‬فإن‭ ‬معرفته‭ ‬بربه‭ ‬نتيجة‭ ‬عن‭ ‬معرفته‭ ‬بنفسه‮»‬‭.‬

وهذا‭ ‬التثليث‭ (‬الذي‭ ‬يذكرنا‭ ‬بنوع‭ ‬من‭ ‬التثليث‭ ‬المسيحي‭ ‬ولكنه‭ ‬لا‭ ‬يتطابق‭ ‬معه‭) ‬عماده‭ ‬الحبّ،‭ ‬فلو‭ ‬اقتصر‭ ‬الميل‭ ‬بين‭ ‬الرجل‭ ‬والمرأة‭ ‬على‭ ‬اللذة‭ ‬الجسدية‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬حبّا‭ ‬لأنه‭ ‬يفتقر‭ ‬للروح‭.. ‬فالحبّ‭ ‬خاصية‭ ‬الروح‭ ‬حصرا،‭ ‬أما‭ ‬الجسد‭ ‬لوحده‭ ‬فهو‭ ‬لذة‭ ‬لا‭ ‬غير،‭ ‬والحبّ‭ ‬بين‭ ‬المرأة‭ ‬والرجل‭ ‬لا‭ ‬يستثنى‭ ‬لذة‭ ‬الجماع‭ ‬ولكنه‭ ‬يتجاوزها‭..‬

ويخلص‭ ‬ابن‭ ‬عربي‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬التعريف‭ ‬للحبّ‭: (‬،،،‭) ‬فظهرت‭ ‬الثلاثة‭ ‬حق‭ ‬ورجل‭ ‬وامرأة،‭ ‬فحنّ‭ ‬الرجل‭ ‬الى‭ ‬ربه‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬أصله‭ ‬حنين‭ ‬المرأة‭ ‬إليه‭. ‬فحبب‭ ‬إليه‭ ‬ربه‭ ‬النساء‭ ‬كما‭ ‬أحبّ‭ ‬الله‭ ‬من‭ ‬هو‭ ‬على‭ ‬صورته‭ (‬،،،‭) ‬فلهذا‭ ‬أحبّ‭ ‬صلّى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬النساء‭ ‬لكمال‭ ‬شهود‭ ‬الحق‭ ‬فيهن‭ (‬،،،‭) ‬فشهود‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬النساء‭ ‬أعظم‭ ‬الشهود‭ ‬وأكمله‮»‬‭.‬

والشهود‭ ‬هنا‭ ‬كناية‭ ‬عن‭ ‬التجلي‭ ‬الالهي‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬الشهادة،‭ ‬أي‭ ‬عالم‭ ‬المادة‭ ‬فالله‭ ‬يتجلى‭ ‬في‭ ‬الغيب‭ ‬والشهادة،‭ ‬فالتجلي‭ ‬الغيبي‭ ‬هو‭ ‬التجلي‭ ‬الروحاني‭ ‬للذات‭ ‬الالهية‭ ‬أما‭ ‬تجلي‭ ‬الشهادة‭ ‬فهو‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬مادة‭.‬

وينهي‭ ‬ابن‭ ‬عربي‭ ‬هذا‭ ‬الفصّ‭ ‬الأخير‭ ‬من‭ ‬فصوصه‭ ‬بتغليب‭ ‬الرسول‭ ‬التأنيث‭ ‬على‭ ‬التذكير‭ ‬فالنساء‭ ‬مؤنث‭ ‬والصلاة‭ ‬مؤنث‭ ‬كذلك‭ ‬وقال‭ ‬‮«‬ثلاث‮»‬‭ ‬ولم‭ ‬يقل‭ ‬‮«‬ثلاثة‮»‬‭ ‬وثلاث‭ ‬دليل‭ ‬التأنيث‭ ‬وهذا‭ ‬على‭ ‬غير‭ ‬عادة‭ ‬العرب‭ ‬الذين‭ ‬يغلبون‭ ‬التذكير‭ ‬على‭ ‬التأنيث‭... ‬وبالنسبة‭ ‬للطيب‭ ‬يقول‭ ‬‮«‬الكبريت‭ ‬الأحمر‮»‬‭ ‬‮«‬وأما‭ ‬حكمة‭ ‬الطيب‭ ‬وجعله‭ ‬بعد‭ ‬النساء،‭ ‬فلما‭ ‬في‭ ‬النساء‭ ‬من‭ ‬روائح‭ ‬التكوين،‭ ‬فإنه‭ ‬أطيب‭ ‬الطيب‭ ‬عناق‭ ‬الحبيب‮»‬‭.‬

لا‭ ‬نريد‭ ‬أن‭ ‬نقول‭ ‬أن‭ ‬ابن‭ ‬عربي‭ ‬كان‭ ‬نسويا‭ ‬أو‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬يؤمن‭ ‬بالمساواة‭ ‬بين‭ ‬النساء‭ ‬والرجال،‭ ‬فالشيخ‭ ‬الأكبر‭ ‬يبقى‭ ‬وليد‭ ‬عصره‭ ‬ولكنه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬كبني‭ ‬عصره‭.. ‬لقد‭ ‬كان‭ ‬عاشقا‭ ‬حبيبا‭ ‬محبا‭ ‬يشهد‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬ديوانه‭ ‬‮«‬ترجمان‭ ‬الأشواق‮»‬‭ ‬ولكن‭ ‬عنده‭ ‬الحب‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬منبع‭ ‬واحد‭: ‬هو‭ ‬حب‭ ‬الروح‭ ‬للروح‭ ‬وشوق‭ ‬الحبيب‭ ‬للمحبوب‭ ‬واشتياقه‭ ‬له‮»‬‭ ‬إلهي‭ ‬ما‭ ‬أحببتك‭ ‬وحدي،‭ ‬لكن‭ ‬إحببتك‭ ‬وحدك‮»‬‭. ‬بهذه‭ ‬المقولة‭ ‬الأكبرية‭ ‬يفتتح‭ ‬الكاتب‭ ‬السعودي‭ ‬محمد‭ ‬حسن‭ ‬علوان‭ ‬روايته‭ ‬الرائعة‭ ‬عن‭ ‬حياة‭ ‬ابن‭ ‬عربي‭ ‬‮«‬موت‭ ‬صغير‮»‬‭ .. ‬رواية‭ ‬يحتل‭ ‬فيها‭ ‬الحبّ،‭ ‬بمعناه‭ ‬الروحاني‭ ‬العميق،‭ ‬الحيز‭ ‬الأكبر‭ ‬والأهم‭.‬

•‭ ‬ابن‭ ‬عربي‭ ‬ووحدة‭ ‬الوجود‭:‬

لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬ننهي‭ ‬هذا‭ ‬النص‭ ‬دون‭ ‬الاشارة‭ ‬اى‭ ‬أكبر‭ ‬قضية‭ ‬خلافية‭ ‬تهم‭ ‬ابن‭ ‬عربي‭ ‬قديما‭ ‬وحديثا‭ ‬وهي‭ ‬مسألة‭ ‬وحدة‭ ‬الوجود‭..‬

الوجود‭ ‬واحد‭ ‬عند‭ ‬الشيخ‭ ‬الأكبر‭ ‬وهو‭ ‬خلق‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الكثرة‭ ‬والتنوع‭ ‬وحق‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الوحدة‭ ‬وقد‭ ‬اتهمه‭ ‬خصومة‭ ‬بالكفر‭ ‬والالحاد‭ ‬لأنه‭ - ‬حسب‭ ‬زعمهم‭ - ‬لا‭ ‬يقول‭ ‬بمفارقة‭ ‬الذات‭ ‬الالهية‭ ‬عن‭ ‬الموجودات‭ ‬وكأنه‭ ‬استبق‭ ‬سبينوزا‭ ‬بالقول‭ ‬بالطبيعة‭ ‬الطابعة،‭ ‬أي‭ ‬الله،‭ ‬المطبوعة،‭ ‬أي‭ ‬الخلق،‭ ‬مع‭ ‬نفي‭ ‬المفارقة‭ (‬La Transcendence) والقول‭ ‬بالمحايثة (L›immanence) ‭ ‬وهكذا‭ ‬يكون‭ ‬ابن‭ ‬عربي‭ ‬ماديا‭ ‬متسترا‭ ‬يعمد‭  ‬للتقية‭ ‬ليخفي‭ ‬على‭ ‬الناس‭ ‬نفيه‭ ‬لوجود‭ ‬الذات‭ ‬الالهية‭...‬

لا‭ ‬يسعنا‭ ‬المجال‭ ‬للتفصيل‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المسألة‭ ‬الجوهرية‭ ‬هنا‭ ‬ولكن‭ ‬نقول‭ ‬أن‭ ‬الوجود‭ ‬عند‭ ‬ابن‭ ‬عربي‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬مبدئه‭ ‬وأساسه‭ ‬وهو‭ ‬وجود‭ ‬الحق‭ ‬وهو‭ ‬يقول‭ ‬كالفلاسفة‭ ‬القدامى‭ ‬بوجود‭ ‬الهيولى‭ ‬أي‭ ‬تلك‭ ‬المادة‭ ‬الأصلية‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تتشكل‭ ‬بعد‭ ‬في‭ ‬صورة‭ (‬La‭ ‬matière‭ ‬informe‭ ‬،‭ ‬Sans forme). والخلق عنده هو «فيض التجلي‮»‬‭ ‬أى‭ ‬تلك‭ ‬الروح‭ ‬الإلهية‭ ‬السارية‭ ‬في‭ ‬الموجودات‭ ‬التي‭ ‬قبلت‭ ‬وتشكلت‭ ‬فيها‭ ‬صورة‭ ‬ما‭ .. ‬فكل‭ ‬موجود‭ ‬بهذا‭ ‬المعنى‭ ‬هو‭ ‬أحد‭ ‬تمظهرات‭ ‬فيض‭ ‬التجلي‭ ‬الإلهي‭..‬

ويمكن‭ ‬أن‭ ‬نقول‭ ‬أن‭ ‬ابن‭ ‬عربي‭ ‬كانطي‭ ‬قبل‭ ‬كانط‭ ‬الفيلسوف‭ ‬الألماني‭ ‬فالله‭ ‬ظاهر‭ (‬أي‭ ‬ما‭ ‬يعطى‭ ‬لحواسنا‭) ‬وباطن‭ (‬الشيء‭ ‬في‭ ‬حدّ‭ ‬ذاته‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬تدركه‭ ‬الحواس‭) ‬ويختم‭ ‬ابن‭ ‬عربي‭ ‬فصوصه‭ ‬بقوله‭ ‬‮«‬فإلاه‭ ‬المعتقدات‭ ‬تأخذه‭ ‬الحدود‭ ‬وهو‭ ‬الإله‭ ‬الذي‭ ‬وسعه‭ ‬قلب‭ ‬عبده،‭ ‬فإن‭ ‬الإله‭ ‬المطلق‭ ‬لا‭ ‬يسعه‭ ‬شيء‭ ‬لأنه‭ ‬عين‭ ‬الأشياء‭ ‬وعين‭ ‬نفسه‮»‬‭.‬

لا‭ ‬شك‭ ‬أننا‭ ‬لم‭ ‬نلامس‭ ‬كل‭ ‬عوالم‭ ‬‮«‬فصوص‭ ‬الحكم‮»‬‭ ‬وما‭ ‬لامسناه‭ ‬منها‭ ‬هو‭ ‬إبحار‭ ‬في‭ ‬شواطئها‭ ‬فقط‭..‬

لا‭ ‬يهم‭ ‬من‭ ‬هو‭ ‬إله‭ ‬معتقدك‭ ‬ولا‭ ‬يهم‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬معتقدك‭ ‬فأنت‭ ‬عندما‭ ‬تبحر‭ ‬في‭ ‬الفصوص‭ ‬لن‭ ‬تخرج‭ ‬من‭ ‬أمواجها‭ ‬كما‭ ‬دخلت‭.‬

عناصر‭ ‬ببليوغرافية‭:‬

من‭ ‬الكتب‭ ‬التي‭ ‬ذكرناها‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المقال‭ ‬واخترنا‭ ‬هنا‭ ‬الترجمة‭ ‬العربية‭ ‬متى‭ ‬توفرت٬

‭- ‬‮«‬فصوص‭ ‬الحكم‮»‬‭ ‬للشيخ‭ ‬الأكبر‭ ‬محيي‭ ‬الدين‭ ‬بن‭ ‬عربي‭ - ‬تعليقات‭ ‬أبو‭ ‬العلا‭ ‬عفيفي‭ - ‬دار‭ ‬لكتاب‭ ‬العربي،‭ ‬بيروت‭. ‬الطبعة‭ ‬الثانية‭ ‬ينة‭ ‬1980‭.‬

‭- ‬‮«‬ترجمان‭ ‬الأشواق‮»‬‭ ‬للشيخ‭ ‬الامام‭ ‬محيي‭ ‬الدين‭ ‬بن‭ ‬عربي‭ - ‬دار‭ ‬صادر،‭ ‬بيروت‭ - ‬1966‭.‬

‭- ‬‮»‬بدّ‭ ‬العارف‮«‬‭ ‬لابن‭ ‬سبعين،‭ ‬تحقيق‭ ‬وتقديم‭ ‬الدكتور‭ ‬جورج‭ ‬كتورة‭. ‬دار‭ ‬الأندلس‭ ‬بيروت‭ ‬ودار‭ ‬الكندي‭ ‬بيروت‭. ‬الطبعة‭ ‬الأولى‭ ‬1978‭.‬

‭- ‬‮«‬موت‭ ‬صغير‮»‬‭ ‬لمحمد‭ ‬حسن‭ ‬علوان،‭ ‬وقد‭ ‬حصلت‭ ‬هذه‭ ‬الرواية‭ ‬على‭ ‬الجائزة‭ ‬العالمية‭ ‬للرواية‭ ‬العربية‭ ‬لسنة‭ ‬2017‭. ‬دار‭ ‬الساقي‭ ‬لندن‭ - ‬الطبعة‭ ‬الثانية‭ ‬والعشرون‭ ‬سنة‭ ‬2025‭:‬

‭- ‬‮«‬‭ ‬الخيال‭ ‬الخلاق‭ ‬في‭ ‬تصوف‭ ‬ابن‭ ‬عربي‮»‬‭ ‬لهنري‭ ‬كورباي،‭ ‬ترجمة‭ ‬فريد‭ ‬الزاهي،‭ ‬منشورات‭ ‬دار‭ ‬‮«‬الجمل‮»‬،‭ ‬الطبعة‭ ‬الثانية‭ (‬كولونيا‭ ‬ألمانيا‭) ‬سنة‭ ‬2008‭.‬

‭- ‬‮«‬مؤلفات‭ ‬ابن‭ ‬عربي‭ ‬تاريخها‭ ‬وتصنيفها‮»‬‭ ‬لعثمان‭ ‬يحيى،‭ ‬ترجمة‭ ‬أحمد‭ ‬محمد‭ ‬الطيب،‭ ‬الهيئة‭ ‬المصرية‭ ‬العامة‭ ‬للكتاب،‭ ‬القاهرة‭ ‬2001‭.‬

المشاركة في هذا المقال