Print this page

المحاضرة الافتتاحية بكلية العلوم القانونية والسياسية والاجتماعية بتونس

افتتحت كلية العلوم القانونية والسياسية والاجتماعية بتونس

سنتها الدراسية 2026-2027 يوم 12 سبتمبر الجاري بمحاضرة للأستاذ حمادي الرديسي تحت عنوان «في الحرية» ونظرا لأهميتها الفكرية والعلمية وبعد استئذان صاحبها ننشرها كاملة تعميما للفائدة.. كما ننشر أيضا تقديم عميد الكلية الأستاذ وحيد الفرشيشي.

حمادي الرديسي علم غزير وإنسان حرّ

تقديم العميد وحيد الفرشيشي:

تنطلق السنة الجامعية عدد 40 بكلية العلوم القانونية والسياسية والاجتماعية بتونس، بمحاضرة افتتاحية يلقيها الأستاذ المتميز «حمادي الرديسي»، بعنوان «فيالحرية»، فكيف نقدم «حمادي الرديسي».

يصعب تقديم سي حمادي، لأنه بالنسبة لنا نساء ورجال الجامعة التونسية هو «مكتبة حيّة»، فكيف تقدم المكتبات:.

سي حمادي الذي تخصص في علم السياسة ليصبح أحد رواده في تونس وفي المنطقة، عبر المتوسط والأطلسي ليقدم أعماله ومحاضراته، ليناقش ويدافع عن أفكاره في شتّى جامعات الأرض وأعرقها، وليقدم رؤيته وقراءته لمسائل تتعلق بإشكاليات الحداثة في العالم العربي والإسلامي المعاصر.

الأستاذ حمادي  الرديسي مكتبة عميقة التحاليل تقدم أدوات جديدة لفهم و تفسير معيقات التقدم في الفضاء العربي الإسلامي، بأبعاده  التاريخية والسياسية والاجتماعية فكتبه وانتاجه الغزير  فمن  « ميثاق نجد» 2004، إلى « التعبير الحر في الإسلام» 2023، مرورا « بتاريخ الوهابية» 2016، « تراجيديا الإسلام الحديث» 2017، « الإسلام المتردد» 2017، « صناعة الحداثيات في الإسلام» 2020، « الإغراء الشعبوي» في 2020، إلى « حكم الفرد » 2023...يؤكد حمادي الرديسي شغفه وانشغاله العميق بقضايا بلاده ومنطقته والانسان عموما، و يواصل تأكيده لحريته الفكرية والأكاديمية...

 

واليوم، و في انطلاق هذه السنة الجامعية وأمام الطلبة الذين و اللاتي يلتحقن  ويلتحقون لأول مرة بكلية العلوم القانونية والسياسية والاجتماعية بتونس، يحاضر الأستاذ حمادي الرديسي عن الحرية، هذه القيمة  العليا التي تحكم  و تميز الحياة الأكاديمية وهذا المطمح الذي ينير الحياة عموما.

شكرا سي حمادي الرديسي، على علمك وكرمك العلمي وعلى حرية فكرك، وتعبيرك في زمن الحرية فيه تهمة، يعاقب مرتكبها ومرتكبتها بالسجن...

نحن إذا نتهمك بالحرية ونحكم عليك بنشرها وإفشائها.

فِي الْحُرِّيَّة

حَمَّادِي الرَّدِيسِي

[1]  تَكْتُبُ حَنَّة أَرِنْدْتArendt Hannaفِي مَقَالَتِهَا «مَا الْحُرِّيَّةُ؟» ضِمْنَ كِتَابِهَا Between Past and Present الَّذِيتُرْجِمَ إِلَى الْفَرَنْسِيَّةِ بِعُنْوَانِ أَزْمَةِ الثَّقَافَةِ أَنَّ طَرْحَ مَسْأَلَةِ "مَا هِيَ الْحُرِّيَّةُ؟" يَبْدُو مَسْعًى مَيْؤُوسًا مِنْهُوَذَلِكَ بِسَبَبِ "التَّنَاقُضَاتِ وَالْمُفَارَقَاتِ الدَّائِمَةِ" الْمُلَازِمَةِ لِمَفْهُومِ الْحُرِّيَّةِ.    وَالَّتِي تَقْذِفُ بِالْعَقْلِ « فِي مَآزِقَ لَا حَلَّ لَهَا مَنْطِقِيًّا، بِحَيْثُ يَسْتَحِيلُ، أَيًّا كَانَ الْمَوْقِفُ الْمُتَّخَذُ، تَصَوُّرُ الْحُرِّيَّةِ أَوْ نَقِيضِهَا".  وَلَا تَسْتَعْرِضُ حَنَّة أَرِنْدْت مَا تُسَمِّيهِ بِالْمُتَنَاقِضَاتِ أَوِ التَّقَابُلِ antinomies ، بَلْ تَسْتَحْضِرُ بِسُرْعَةٍ وَاحِدَةً مِنْ أَكْثَرِهَا جَوْهَرِيَّةً، وَهِيَ الَّتِي تُقَابِلُ بَيْنَ الْحُرِّيَّةِ وَالسَّبَبِيَّةِ،    قَبْلَ أَنْ تَنْتَقِلَ الْكَاتِبَةُ إِلَى النَّظَرِ فِي الْحُرِّيَّةِ مِنْ زَاوِيَةِ الْقُدَامَى

I.فِي الْمُتَنَاقِضَات

[2]  تَنْطَوِي الْحُرِّيَّةُ بِالْفِعْلِ عَلَى عَالَمٍ مِنَ التَّنَاقُضَاتِ.  غَيْرَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْمُؤَكَّدِ أَيْضًا أَنَّ هَذِهِ التَّنَاقُضَاتِ كَمَا تُخَاطِرُ بِذَلِكَ أَرِنْتتَنْتَسِبُ الَى الْعِبَارَاتِ الْمُسْتَحِيلَةِ أَيِ الْمُفَارَقَاتِ بِدُونِ حَلّ  les paradoxes insolublesأو ما تسمى في العصر الوسيط   les insolubilia ،كَمُفَارَقَةِ الْكَاذِبِ أَوْ مَا يُسَمَّا مُفَارَقَةَ الْاِقْرِيطِيle paradoxe du crétois : "جَمِيعُ أَهْلِ كْرِيت كَاذِبُونَ" وهو منهم.   فَلِلْمُتَنَاقِضَاتِ حُلُولٌ مِنْ زَاوِيَةٍ مُعَيَّنَةٍ. أي أن الرأي والرأي الخالف على صواب  (ويسمى التناقض تحت التضاد (antinomie des subcontraires.

[3]  وَأَبْسَطُهَا يُقَابِلُ بِالْفِعْلِ بَيْنَ دَلَالَتَيْنِ لِلْحُرِّيَّةِ.    فَهِيَ سَلْبًا: انْعِدَامُ الْإِكْرَاهِ.  وَهِيَ إِيجَابًا: أَنْ يَعْمَلَ الْمَرْءُ وَفْقَ إِرَادَتِهِ مما يحيلنا للمسؤولية.

[4]  التَّعَارُضُ الثَّانِي عَلَى الْمُسْتَوَى الْفَرْدِيِّ، بَيْنَ الْحُرِّيَّةِ وَالْمَسْؤُولِيَّةِ.  نحن نَتَحَدَّثُ عَنِ الْمَسْؤُولِيَّةِ الَّتِي تَنْبُعُ مِنَ الذَّاتِ لَا الْمَسْؤُولِيَّةِ الْمَفْرُوضَةِ مِنَ الْمُجْتَمَعِ (في شكل احترام حرية الآخرين أصلا والأمن العام عرضا). فَإِذَا كَانَتِ الْحُرِّيَّةُ تَسْتَوْجِبُ الْمَسْؤُولِيَّةَ، فَذَلِكَ يَعْنِي أَنَّ الذَّاتَ تَحُدُّ مِنْ حُرِّيَّتِهَا.  وَثَمَّةَ أَيْضًا مَسْأَلَةُ الْأَسْبَقِيَّةِ: أَيُّهُمَا أَسْبَقُ، الْحُرِّيَّةُ أَمِ الْمَسْؤُولِيَّةُ؟  عِنْدَ جُون بُول سَارْتَر Jean-Paul Sartre، الْحُرِّيَّةُ هِيَ الْأَسْبَقُ.    فَالْإِنْسَانُ، وَقَدْ قُذِفَ بِهِ فِي الْعَالَمِ، مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِالْحُرِّيَّةِ، كَمَا يُؤَكِّدُ فِي كِتَابِهِ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِL'Être et le Néant (1943).  فَهُوَ مَا يَصْنَعُ نَفْسَهُ بِهِ.    لَا يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ، بَلْ مَا يَسْتَطِيعُ، فِي ظِلِّ ظُرُوفٍ وَضُغُطَاتٍ فِي وَضْعِيَّةِ مَا يُسَمِّيهِ الْحُرِّيَّةَ الْمُتَمَوْضِعَةَ.    وَحَتَّى مَسْؤُولِيَّتِي ازَاءَهُ قَرَارٌ حُرٌّ.  فالآخر "جحيم" ولكن شرط الوعي بالذات. أَمَّا عِنْدَ ايمَانِيوَاللِيفِينَاسEmmanuel Levinas، فَالْإِنْسَانُ مَسْؤُولٌ مُنْذُ الْبِدَايَةِ عَنِ الْغَيْرِ، دُونَ مُقَابِلٍ، ودُونَ تماثلأي asymétrique.    يَقُولُ فِي كِتَابِهِ الْأَخْلَاقِ وَاللَّانِهَائِEthique et infini 1982 : "أَفْهَمُ الْمَسْؤُولِيَّةَ بِوَصْفِهَا مَسْؤُولِيَّةً عَنِ الْأَخَرِ، أَيْ مَسْؤُولِيَّةً عَمَّا لَيْسَ مِنْ صُنْعِي، بَلْ وَمَا لَا يَعْنِينِي؛ أَوْ بِالْأَحْرَى مَا يَعْنِينِي بِالضَّبْطِ أَسْتَقْدِمُهُ بِوَصْفِهِ وَجْهًا". J’entends la responsabilité comme responsabilité pour autrui, donc comme responsabilité pour ce qui n’est pas mon fait, ou même ne me regarde pas ; ou qui précisément me regarder, est abordé par moi comme visage.

 وَالْوَجْهُ لَيْسَ مَجْمُوعَةً مِنَ الْمَلَامِحِ الْجَسَدِيَّةِ، بَلْ هُوَ، مَا لَا يُمْكِنُ اخْتِزَالُهُ فِي هُوِيَّةِ الْكَائِنِ، فَالْوَاجِبُ قَبْلَ الْحُرِّيَّةِ، كَمَا يَكْتُبُ الْحُرِّيَّةِ الصَّعْبَةِDifficile liberté 1963.

[5]  ثَالِثُ تَعَارُضٍ بَيْنَ الْحُرِّيَّةِ الْفَرْدِيَّةِ وَالْحُرِّيَّةِ السِّيَاسِيَّةِ.    الْحُرِّيَّةُ الْفَرْدِيَّةُ هِيَ تَعْبِيرٌ عَنِ اسْتِقْلَالِيَّةِ الْإِرَادَةِ بَيْنَمَا الْحُرِّيَّةُ السِّيَاسِيَّةُ تَتَمَيَّزُ بِكَوْنِهَا عَلَاقَةً مَعَ الْأَخَرِ. لِذَلِكَ هِيَ فِي صُلْبِ الْعَيْشِ الْمُشْتَرَكِ أَوِ «الْحَيَاةِ السِّيَاسِيَّةِ» ( (bios politikon مُنْذُ الْيُونَانِ وَإِلَى يَوْمِنَا هَذَا.    ويُنْسَبُ إِلَى إِزَايَابَرْلِين Isaiah Berlin وَاحِدٌ مِنْ أَخْصَبِ التَّمْيِيزَاتِ بَيْنَ مَفْهُومَيْنِ لِلْحُرِّيَّةِ : السَّلْبِيَّةِ وَالْإِيجَابِيَّةِ. فَفِي كِتَابِهِ مَفْهُومَانِ لِلْحُرِّيَّةِTwo concepts of liberty1969، تُعَرَّفُ الْحُرِّيَّةُ السَّلْبِيَّةُ بِأَنَّهَا انْعِدَامُ الْقَسْرِ أَوِ التَّدَخُّلِ الْمُتَعَمَّدِ مِنْ قِبَلِ أَشْخَاصٍ أَوْ أَجْهِزَةٍ حُكُومِيَّةٍ (لَا يَنْبَغِي الْخَلْطُ بَيْنَهَا وَالْعَوَائِقِ الْمَوْضُوعِيَّةِ) فِي حَيَاةِ الْفَرْدِ.  أَمَّا الْحُرِّيَّةُ الْإِيجَابِيَّةُ فَتَنْبُعُ مِنْ رَغْبَةِ الْفَرْدِ فِي أَنْ يُحَقِّقَ ذَاتَهُ فِي مَشْرُوعٍ فَرْدِيٍّ أَوْ جَمَاعِيٍّ. وَهَذَا التَّمْيِيزُ لَا يَصْمُدُ لِأَنَّ الْمُجْتَمَعَ يَفْرِضُ قُيُودا عَلَى أَصْحَابِ الْحُرِّيَّةِ السَّلْبِيَّةِ وَالايجَابِيَّةِ عَلَى حَدٍّ السَّوَاءِ.

[6] لَمْ نَسْتَوْفِي الْمُفَارَقَاتِ وَالَّتِي قَدَّمْنَاهَا لَيْسَتْ مُجَرَّدَ تَأَمُّلَاتٍ نَظَرِيَّةٍ مَحْضَةٍ، بَلْ هِيَ تَعْبِيرٌ عَنِ الْأَبْعَادِ الْمُتَعَدِّدَةِ لِمَفْهُومِ الْحُرِّيَّةِ وَنِتَاجٌ لِتَرَاكُمَاتٍ تَارِيخِيَّةٍ جَعَلَتْ مِنَ الْحُرِّيَّةِ أَسَاسَ الْحَيَاةِ الْحَدِيثَةِ.

 وَهَذِهِ الْمُحَاضَرَةُ هِيَ فِي الْحُرِّيَّةِ مِنْ مَنْظُورٍ تَارِيخِيٍّ-نَظَرِيٍّ، تَارِيخِيٍّ يَتَطَرَّقُ لِلتَّشَكُّلِ التَّارِيخِيِّ الْمُتَبَايِنِ لِفِكْرَةِ الْحُرِّيَّةِ، فِي الْغَرْبِ وَفِي الْعَالَمِ الْإِسْلَامِيِّ، لِنَصِلَ الَى التَّأْسِيسِ النَّظَرِيِّ فِي العصر الحديث.  وَالْمُفَارَقَةُ أَنَّ الْحُرِّيَّةَ بَقِيَتْ الَى الْيَوْمِ رَهِينَةَ قُيُودٍ سِيَاسِيَّةٍ وَدِينِيَّةٍ كَانَ يُظَنُّ أَنَّهَا تَحَرَّرَتْ مِنْهَا تَارِيخِيًّا، عَلَى الْأَقَلِّ فِي الْغَرْبِ.    بَيْنَمَا لَا يَزَالُ الْعَالَمُ الْعَرَبِيُّ وَالاسْلَامِيُّ يَتَخَبَّطُ فِيهَا.  فَالْقُيُودُ هِيَ مُكَوِّنٌ بِنْيَوِيٌّ تَجْعَلُ مِنَ اللَّحْظَةِ التَّأْسِيسِيَّةِ مَاضٍ مُتَجَدِّدٌ وَمِنَ الْحُرِّيَّةِ تَحَرُّرٌ غَيْرُ مُكْتَمِلٍ. وَالسَّبَبُ أَنَّ الْحُرِّيَّةَ وَالسُّلْطَةَ، أَيَّ سُلْطَةٍ، فِي تَضَادٍّ.  فَالْحُرِّيَّةُ هِيَ أَسَاسُ السُّلْطَةِ وَ فِي الْآنِ نَفْسِهِ عَدُوُّهَا.  وَهَذِهِ هِيَ الْمُفَارَقَةُ الْكُبْرَى الَّتِي قَدْ تَنْتَسِبُ الَى الْمُفَارَقَاتِ بِدُونِ حل،les insolubilia

 

.IIالْحُرِّيَّةُ، تَارِيخٌ مُتَبَايِن

[7]  تَارِيخِيًّا، مَرَّ مَفْهُومُ الْحُرِّيَّةِ بِثَلَاثِ مَرَاحِلَ.    فَفِي الْيُونَانِ الْقَدِيمَةِ الْحُرِّيَّةُ تُسَمَّى eleutheriaوَالرَّجُلُ الْحُرُّ eleutherios، نقيض العبودية.

[8]  الْخَاصِّيَّةُ الْأُولَى الْحَقُّ فِي الْمُشَارَكَةِ فِي الْحَيَاةِ السِّيَاسِيَّةِ وَالْوَظَائِفِ الْعَامَّةِ.  |  وَكَانَتْ تَجْرِي فِي السَّاحَةِ الْعُمُومِيَّةِ، تَحْتَ الْحِمَايَةِ الرَّعَوِيَّةِ لِزِيُوس Zeus، إِلَهِ الْآلِهَةِ، الْمُكَرَّمِ فِي "رِوَاقِ زِيُوس المحرر"eleutherios في الجهة اليمنى من الساحة العمومية. أما العبد ففاقد لأهلية المداولة العمومية.  الْخَاصِّيَّةُ الثَّانِيَةُ "الْحُرِّيَّةُ بِالنِّسْبَةِ لِلرَّجُلِ تَعْنِي أَنْ يَفْعَلَ مَا يَرْغَبُ " أو ما يشاء حَسَبَ أَرِسْطُو  La liberté pour un homme signifie faire cequ'ildésire.   وَاستوقفني أَنَّهُ يَتَحَدَّثُ عَنِ الرَّغْبَةِ désirلَا عَنِ الْإِرَادَةِ volonté، فتبين ِ لي أَنَّ الاغْرِيقَ لَيْسَ لَهُمْ مُرَادِفَةٌ لَهَا.    وَأَقْصَى مَا يَفْعَلُهُ أَرِسْطُو هُوَ الْحَدِيثُ عَنِ الْفِعْلِ الْإِرَادِيِّ، وَهُوَ رَغْبَةٌ عَقْلَانِيَّةٌ تُبْعِدُ الْإِنْسَانَ عَنِ الرَّذَائِلِ.  وَالْمُصْطَلَحُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ هُوَ boulêsis. والذي سيترجم لدى الرمان بvoluntas. وَأَخِيرًا، تُعَدُّ الْحُرِّيَّةُ أَيْضًا السِّمَةَ الْمُمَيِّزَةَ لِلدِّيمُقْرَاطِيَّةِ الْمُعَرَّفَةِ بِوَصْفِهَا حُكْمَ الْجَمِيعِ وَفْقَ الْحُرِّيَّةِ.   ضِمْنَ الْأَنْظِمَةِ الْمُنْحَرِفَةِDikastikèمُقَارَنَةً بِالْمَدِينَةِ الْفَاضِلَةِ.

[9]  الْعَالَمُ الذِّهْنِيُّ الَّذِي يَتَحَرَّكُ فِيهِ الْإِغْرِيقُ هُوَ مَا يُفَسِّرُ عَدَمَ وُجُودِ أَيِّ نَصٍّ كَبِيرٍ عَنِ الْحُرِّيَّةِ.فهدف اليوناني هي حياة خيّرةوفقالفضائلقصدالسعادةeudaimonia.

[10]  وَتَبْدَأُ الْمَرْحَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي الْعُصُورِ الْوُسْطَى.  فَالْمَسِيحِيَّةُ تُدْخِلُ مَفْهُومَ الْإِرَادَةِ الْحُرَّةِ بِوَصْفِهَا مَلَكَةَ الْاِخْتِيَارِ في باب مخصوص هو التساؤل حول  مصدر الشر (الانسان أم الاله).    وهو موضوع فِي الْإِرَادَةِ الْحُرَّةِDe libero arbitrio للْقِدِّيسِ أُوغُسْطِين (saint Augustin) (ت. (430 تَرْجَمَتِ الْكَلِمَةَ الْيُونَانِيَّةَ boulêsisبِ . voluntas "فَ”الْحَيَاةُ السَّعِيدَةُ كَمَا الْحَيَاةُ الشَّقِيَّةُ تَتَوَقَّفَانِ عَلَى إِرَادَتِنَا" (الْفَصْلُ 13 من في الإرادة الحرة). يَرْبُطُ الْقِدِّيسُ أُوغُسْطِين الْحُرِّيَّةَ بِالْإِرَادَةِ، ويَفْتَحُ الْبَابَ هكذا أَمَامَ التَّأْسِيسِ الْحَدِيثِ لِاسْتِقْلَالِيَّةِ الْإِرَادَةِ، مِنْ دِيكَارْت  إِلَى كانط.

[11]  وَتَتَكَفَّلُ الْإِنْسَانِيَّةُ الْمَسِيحِيَّةُ الْوَسِيطَةُ بِضَمَانِ هَذَا الْاِنْتِقَالِ، وَقَدْ بَلَغَتْ أَوْجَهَا فِي الْقَرْنِ الْخَامِسَ عَشَرَ مَعَ بِيكُو دِيلَا مِيرَانْدُولَا، في كتابه في الكرامة الانسانية Pic de la Mirandole, De la dignité humaine

[12]  يَقُولُ إِنَّهُ مَدِينٌ لِعَبْدِ اللَّهِ السَّرْسَنِيAbdallah le Sarasin بِفِكْرَةِ أَنَّ الْإِنْسَانَ، مِنْ بَيْنِ جَمِيعِ مَخْلُوقَاتِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، هُوَ الْأَجْدَرُ بِالْإِعْجَابِ. صَاغَ  اللهالْكَوْنَ أَوَّلًا، وَزَيَّنَ الْعَالَمَ فَوْقَ الْأَرْضِيِّ بِالْأَرْوَاحِ السَّمَاوِيَّةِ، وَأَسْكَنَ الْعَالَمَ الْأَدْنَى بِالنَّبَاتَاتِ وَالْحَيَوَانَاتِ.  |  وَحِينَ اكْتَمَلَ صُنْعُهُ حَتَّى فَكَّرَ فِي نَوْعٍ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُعْجَبَ بِصَنِيعِهِ فَعَزَمَ عَلَى خَلْقِ الْإِنْسَانِ عَلَى صُورَتِهِ، أَيْ بِلَا صُورَةٍ (لا في أحسن تقويم كما ورد في الكتب السماوية). وهنا تكمن المفاجأة :

[13]   Je ne t’ai donné ni place ni déterminée, ni visage propre, ni don particulier, Ô Adam, afin que ta place, ton visage et tes dons, tu les veuilles, les conquières et les possède par toi-même. La nature enferme d’autres espèces en des lois par moi-même établies. Mais toi, que ne limite aucune borne, par ton libre arbitre, entre les mains duquel je t’ai placé, tu te définis toi-même.

 

[14]  وَهَكَذَا، كَمَا يَقُولُ، تَبْقَى الْكَائِنَاتُ الْعُلْيَا إِلَى الْأَبَدِ أَرْوَاحًا خَالِصَةً، وَتَبْقَى الْكَائِنَاتُ الدُّنْيَا إِلَى الْأَبَدِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ، بَيْنَمَا ينحت الْإِنْسَانُ، صُورَتَهُ.

[15]  الْمَرْحَلَةُ الْأَخِيرَةُ تَسُدُّ الْفَجْوَةَ بَيْنَ بَيْنَ الْحُرِّيَّةِ السِّيَاسِيَّةِ الْإِغْرِيقِيَّةِ وَبَيْنَ اسْتِقْلَالِيَّةِ الْإِرَادَةِ الْمَسِيحِيَّةِ بِعَلْمَنَتِهَا، لِكَيْ تُصْبِحَ مَصْدَرَ الْحُقُوقِ وَالْوَاجِبَاتِ.  وَفِي هَذَا السِّيَاقِ، يَرْسُمُ بَنْجَامَانكُونْسْتَان هَذَا التَّقَابُلَ ، فِي كِتَابِهِفي حُرِّيَّةِ الْقُدَمَاءِ مُقَارَنَةً بِحُرِّيَّةِ الْمُحْدَثِينَBenjamin Constant, De la liberté des Ancienscomparée à celle des Modernes (1819): فَحُرِّيَّةُ الْقُدَمَاءِ سِيَاسِيَّةٌ أَمَّا حُرِّيَّةُ الْمُحْدَثِينَ فَتَمْتَدُّ مِنَ الْحَقِّ الْحُرْمَةِ الْجَسَدِيَّةِ habeas corpus إِلَى بَقِيَّةِ الْحُقُوقِ الْفَرْدِيَّةِ، بما فيها المشاركة السياسية.  وَفِي كِتَابِهِ عَنْ بَنْجَامَانكُونْسْتَان، يُفَصِّلُ حَاتِم مُرَاد وَيُعَلِّقُ عَلَى هَذِهِ الْحُقُوقِ-الْحُرِّيَّاتِ الْحَدِيثَةِ.

سَيِّدَاتِي سَادَتِي،  

[16]  فَمَاذَا عَنِ الْعَالَمِ الْإِسْلَامِيِّ؟  |  اكْتَشَفَ فِي الْقَرْنِ التَّاسِعَ عَشَرَ، دَفْعَةً وَاحِدَةً، حُرِّيَّةَ الْقُدَمَاءِ الَّتِي كَانَ يَجْهَلُهَا تَمَامًا فِي الْعَصْرِ الْكْلَاسِيكِيِّ، وَحُرِّيَّةَ الْمُحْدَثِينَ الَّتِي تَحَمَّسَ لَهَا لِبُرْهَةٍ.   أَفَلَا تَكُونُ لِفِكْرَةِ الْحُرِّيَّةِ جُذُورٌ فِي تَارِيخِهِ وَثَقَافَتِهِ؟ اسْمَحُوا لِي، قَبْلَ أَنْ أَخُوضَ فِي ذَلِكَ، أَنْ أُذَكِّرَ بِأَنَّهُ لَا وُجُودَ لِتَارِيخٍ كَامِلٍ وَمُعْتَمَدٍ عَلَيْهِ لِمَفْهُومِ الْحُرِّيَّةِ، بَلْ هُنَاكَ إِسْهَامَاتٌ وَمُحَاوَلَاتٌ تَفْسِيرِيَّةٌ حَوْلَ الْإِسْلَامِ بِوَصْفِهِ دِينَ الْحُرِّيَّةِ.   ‖   وَأَفْضَلُ عَمَلٍ فِي هَذَا الْبَابِ هُوَ كِتَابُ مُحَمَّدٍ الشَّرْفِي الْإِسْلَامُوَالْحُرِّيَّةُ: سُوءُ التَّفَاهُمِ التَّارِيخِيُّ.    لَنْ أَسْعَى إِذَنْ إِلَى إِنْقَاذِ الرِّسَالَةِ بِتَحْمِيلِ الرِّجَالِ وَالتَّارِيخِ الْمَسْؤُولِيَّةَ، بَلْ سَأَنْظُرُ، مِنْ زَاوِيَةِ تَارِيخِ الْأَفْكَارِ، فِي التَّخَصُّصَاتِ وَالنَّظَرِيَّاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِمَفْهُومِ الْحُرِّيَّةِ.     وَيُعَلِّمُنَا الْمَنْظُورُ التَّارِيخِيُّ أَنَّ الْحُرِّيَّةَ تُغَطِّي ثَلَاثَةَ حُقُولٍ: الْقَانُونِيَّ وَاللَّاهُوتِيَّ وَالسِّيَاسِيَّ.  فَكَيْفَ تَطَوَّرَتْ مِنَ الْعَصْرِ الْوَسِيطِ إِلَى الْعَصْرِ الْحَدِيثِ؟

[17] الدَّلَالَةُ الْأُولَى، الْحُرِّيَّةُ بِوَصْفِهَا نَقِيضًا لِلْعُبُودِيَّةِ. لَكِنْ خِلَافًا لِلْإِغْرِيقِ، لَا يُشَارِكُ الرَّجُلُ الْحُرُّ بِصِفَتِهِ تِلْكَ فِي الْحَيَاةِ السِّيَاسِيَّةِ وَلَا بِتَقَلُّدِ الْمَنَاصِبِ، وَمِنْ وِجْهَةِ نَظَرِ الْعَقِيدَةِ، الْإِسْلَامُ السُّنِّيُّ أَرِسْتُقْرَاطِيَّةٌ لِلْعِلْمِ الْقُرْآنِيِّ. وَيُفْتَرَضُ أَنْ يُعَيَّنَ الْخَلِيفَةُ مِنْ قِبَلِ "أَهْلِ الْاِخْتِيَارِ"، أَوْ "أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ"، وَهُمْ هَيْئَةٌ مِنْ كِبَارِ النَّاخِبِينَ غَيْرِ الْمُنْتَخَبِينَ، رِجَالٌ، أَحْرَارٌ، بَالِغُونَ، سَلِيمُو الْعَقْلِ، وَمُسْتَوْفِينَ الشُّرُوطَ الشَّرْعِيَّةَ.     أَمَّا النِّسَاءُ وَالْعَبِيدُ وَأَهْلُ الذِّمَّةِ وَالْعَامَّةُ فَمُسْتَبْعَدُونَ: النِّسَاءُ لِأَنَّهُنَّ لَا يَسْتَطِعْنَ الْاِضْطِلَاعَ بِبَعْضِ الْوَاجِبَاتِ (كَقِيَادَةِ الْحَرْبِ)، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لَوَقَعَتِ اسْتِشَارَةُ زَوْجَاتِ الرَّسُولِ. وَالْعَبِيدُ بِسَبَبِ اسْتِرْقَاقِهِمْ، وَالْعَامَّةُ بِسَبَبِ جَهْلِهَا، وَأَهْلُ الذِّمَّةِلِدِينِهِمْ.     

[18]  وَتَحْدُثُ الْقَطِيعَةُ الْكُبْرَى فِي الْقَرْنِ التَّاسِعَ عَشَرَ:    لَمْ يَعُدِ الرِّقُّ مُبَاحًا، بَلْ أَصْبَحَ مُحَرَّمًا، وَمِنْ ثَمَّ إِلْغَاؤُهُ.  وَكَانَتْ تُونِسُ أَوَّلَ بَلَدٍ مُسْلِمٍ يُلْغِي الرِّقَّ بِأَمْرِ عَلِيٍّ 1846)).

[19]  وَالْأَسَاسُ الشَّرْعِيُّ هو الآتي:  أَوَّلًا الْقُرْآنُ يَحُثُّ عَلَى الْعِتْقِ؛    ثَانِيًا هُنَالِكَ مَقْصِدٌ مَقَاصِدِ الْإِسْلَامِ مَفَادُهُ « تَشَوُّفُ الشَّارِعِ إِلَى الْحُرِّيَّةِ»؛    وَثَالِثًا الْقَاعِدَةُ الْفِقْهِيَّةُ الْقَائِلَةُ فِي حَالَةِ تَعَارُضٍ بَيْنَ الْمُبَاحِ وَالْمُحَرَّمِ، تَقْضِي بِـ«اجْتِنَابِ الْمُبَاحِ خَشْيَةَ الْوُقُوعِ فِي الْمُحَرَّمِ».     وَهُنَالِكَ فَتَاوَى تُدَعِّمُ هَذَا التَّوَجُّهَ صَادِرَةٌ عَنْ شَيْخَيِ الْإِسْلَامِ الْمَالِكِيِّ (الرِّيَاحِي) وَالْحَنَفِيِّ بَيْرَم الرَّابِعِ، إِضَافَةً إِلَى فَتْوَى مَجْهُولَةِ الْمُصْدَرِ وَحُجَجِ الْمُؤَرِّخِ ابْنِ أَبِي الضِّيَافِ، الَّذِي أَوْرَدَهَا فِي الْاِتْحَافِ وَ أخيرا التَّحْقِيقِ فِي التَّحْقِيقِ فِي مَسْأَلَةِ الرَّقِيقِ لِمُحَمَّدٍ بَيْرَم الْخَامِسِ (ت. 1889).

[20]  وَلِسُوءِ الْحَظِّ، بَعْدَ زَوَالِ لَحْظَةِ الْحَمَاسِ هَذِهِ، أَعْتَقَ الرَّجُلُ الْحُرُّ الْعَبْدَ لَكِنَّهُ اسْتَمَرَّ فِي مُمَارَسَةِ أَشْكَالٍ مِنَ الْاِسْتِرْقَاقِ يُسَمِّيهَا الْمُؤَرِّخُونَ "مَا بَعْدَ الرِّقِّ"، بِمَا فِيهِ التَّمْيِيزُ الْعُنْصُرِيُّ، كَمَا حَلَّلَ ذَلِكَ أَحْمَدُ الْوَالِدِي  فِي كِتَابِهِ الرِّقُّ فِي الْعَوَالِمِ الْإِسْلَامِيَّةِAhmed Oualdi,L’esclavage dans les mondesmusulmans 2024.

[21]  الدَّلَالَةُ الثَّانِيَةُ لِلْحُرِّيَّةِ لَاهُوتِيَّةٌ، وَهِيَ الْاِخْتِيَارِفي الأفعال بَيْنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ.     لَكِنْ مُصْطَلَحُ الْإِرَادَةِ الْحُرَّةِ يُخْتَصَرُ فِي "الْاِخْتِيَارِ" بِدُونِ ذِكْرِ كَلِمَةِ الْحُرِّيَّةِ.

[22]  وَنَعْلَمُ أَنَّ الْحَلَّ الْوُسْطَى هُوَ الَّذِي هَيْمَنَ: اللَّهُ يَخْلُقُ الْفِعْلَ، بَيْنَمَا الْإِنْسَانُ يَتَحَمَّلُهُ ، وَهَذِهِ هِيَ أُطْرُوحَةُ "الْكَسْبِ" عِنْدَ الْأَشْعَرِيِّ وَيُعْطِيهَا ابْنُ سِينَا وَابْنُ رُشْدٍ  صَلَابَةً فَلْسَفِيَّةً.  فَفِي رِسَالَةٍ فِي سِرِّ الْقَدَرِ وَرِسَالَةٍ فِي الْقَدَرِ، يَتَبَنَّى ابْنُ سِينَا (ت. مَسْلَكًا وَسَطًا:    إِنَّ اللَّهَ يُرِيدُ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ، الْخَيْرَ بِالذَّاتِ وَالشَّرَّ بِالْعَرَضِ.      أَمَّا فِي كَشْفِ مَنَاهِجِ الْأَدِلَّةِ، فَيُعَارِضُ ابْنُ رُشْدٍ نَظَرِيَّةَ "الْكَسْبِ"، مَعَ تَمَسُّكِهِ بِمَسْلَكٍ وَسَطِيٍّ.  وَالْحَلُّ عِنْدَهُ: خَلَقَ اللَّهُ قُوًى خَارِجِيَّةً مُسْتَقِلَّةً عَنْ إِرَادَتِنَا، وَخَلَقَ فِينَا قُوَى اكْتِسَابِ أَشْيَاءَ مُتَضَادَّةٍ.    فَـ"الْعِلَّةُ الْخَارِجِيَّةُ" تَخْضَعُ لِقَانُونِ الضَّرُورَةِ، فِي حِينِ أَنَّ "الْعِلَّةَ الْفَاعِلَةَ الدَّاخِلِيَّةَ" (وهو مفهوم أرسطي)  فِينَا تَتَحَرَّكُ بِحَرَكَتِهَا الْخَاصَّةِ.      وَيَتَبَيَّنُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ أُطْرُوحَةَ الْمُعْتَزِلَةِ الْقَائِلَةَ بِحُرِّيَّةِ الْاِخْتِيَارِ لَمْ تَسُدْ حَتَّى لَدَى الْفَلَاسِفَةِ.  |  وَسَيُعِيدُ الْعَصْرُ الْحَدِيثُ إِحْيَاءَ هَذَا الْجَدَلِ مُوَسِّعًا مَجَالَهُ الَى جَمِيعِ الْأَفْعَالِ، لا أفعال الطاعات والمعاصي فقط.

[23]  وَالدَّلَالَةُ الثَّالِثَةُ لِلْحُرِّيَّةِ  تنتسبللعلم المدني، عَلَى النَّحْوِ الَّذِي وَرِثْنَاهُ عَنِ الْفَلَاسِفَةِ الْعَرَبِ فِي أَعْقَابِ الْإِغْرِيقِ. فَقَدْ تَرْجَمَ الْعَرَبُ eleutheriosبِـ"حُرٍّ"، وَeleutheriaبِـ"حُرِّيَّةٍ".  وَتَسْتَعِيدُ الْفَلْسَفَةُ السِّيَاسِيَّةُ هَذِهِ الدَّلَالَةَ، لَكِنَّهَا لَا تَنْجَحُ فِي تَرْسِيخِهَا فِي ثَقَافَةٍ تَجْهَلُ الْمُوَاطَنَةَ السِّيَاسِيَّةَ.

[24]  وَهُوَ مَا يُنَاقِضُ الْفِكْرَةَ الشَّائِعَةَ الْقَائِلَةَ بِأَنَّ الْعَرَبَ كَانُوا يَجْهَلُونَ مَفْهُومَ الدِّيمُقْرَاطِيَّةِ وَالْحُرِّيَّةِ فِي الْعَصْرِ الْكْلَاسِيكِيِّ.   وَقَدْ تُرْجِمَتِ الدِّيمُقْرَاطِيَّةُ بِـ"الْمَدِينَةِ الْجَمَاعِيَّةِ"، أَيْ مَدِينَةِ الْعَامَّةِ.    وَيُصَنِّفُ الْفَارَابِي فِيآرَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الْفَاضِلَةِ وَفِي السِّيَاسَةِ الْمَدَنِيَّةِ، الدِّيمُقْرَاطِيَّةَ ضِمْنَ الْمُدُنِ الْجَاهِلِيَّةِ، أَيِ الَّتِي تَجْهَلُ السَّعَادَةَ، وَهِيَ، فِي الْآرَاءِ:  "وَالْمَدِينَةُ الْجَمَاعِيَّةُ، هِيَ الَّتِي قَصَدَ أَهْلُهَا أَنْ يَكُونُوا أَحْرَارًا، يَعْمَلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا شَاءَ، لَا يُمْنَعُ هَوَاهُ فِي شَيْءٍ أَصْلًا". وَيُضِيفُ فِي السِّيَاسَةِ الْمَدَنِيَّةِ :" وَأَهْلُهَا مُتَسَاوُونَ... وَيَكُونُ أَهْلُهَا أَحْرَارًا يَعْمَلُونَ مَا شَاءُوا". ويبدو لي نظرا لغياب الأصل الذي اعتمده الفارابي أن"مَا شَاءَ" و"مَا شَاءُوا" ترجمة لمصطلح boulêsis.

[25]وَابْنُ سِينَا فِي كِتَابِهِ الْمَوْسُومِ بِـ"مَجْمُوعٍ" أَوِ الْحِكْمَةِ الْعَرُوضِيَّةِ، يعرض ِتَقْسِيمَاتِ الْمِيتَافِيزِيقَا بِاسْتِثْنَاءِ الرِّيَاضِيَّاتِ،

فَفِي الْقِسْمِ الْخَاصِّ بِالْخَطَابَةِ، يقول أن الخطيب يجب أن يعرف أَنْوَاعِ الْمَدَنِيَّاتِ الْأَرْبَعِ... "وَهَذِهِ الْأَرْبَعُ مِنْهَا الدِّيمُقْرَاطِيَّةُ وَهِيَ الَّتِي يَتَسَاوَى فِيهَا أَهْلُهَا فَاضِلُهُمْ وَدَنِيُّهُمْ فِي اسْتِحْقَاقِ الْعُقُوبَاتِ وَالْكَرَامَاتِ وَالرِّيَاسَاتِ".

 [26] وَأَخِيرًا، ابْنُ رُشْدٍ.    لَدَيْنَا تَلْخِيصٌ لِجُمْهُورِيَّةِ أَفْلَاطُونَ  َيُحَاوِلُ فيه ابْنُ رُشْدٍ رَبْطَ تَصْنِيفِ الْمُدُنِ بِالْأَنْظِمَةِ السِّيَاسِيَّةِ فِي َصْرِهِ، .  فَهُوَ يَسْتَعِيدُ بِالْكَامِلِ تَعْرِيفَ الْحُرِّيَّةِ لِلْفَارَابِي وَيُضِيفُ، بِصُورَةٍ لَافِتَةٍ:

"وَلَعَلَّ أَغْلَبَ هَذِهِ الْمُدُنِ الْمَوْجُودَةِ الْيَوْمَ هِيَ جَمَاعِيَّةٌ... وَهَذِهِ الْمَدِينَةُ هِيَ الَّتِي تَرَى الْعَامَّةُ فِيهَا أَنَّهَا أَحَقُّ بِالْحُرِّيَّةِ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِيهِ يَعْتَقِدُ، بِبَادِئِ الرَّأْيِ، أَنَّهُ أَحَقُّ بِأَنْ يَكُونَ حُرًّا"

[27]  وَيَسْتَعِيدُ الْفِكْرَةَ الْأَفْلَاطُونِيَّةَ الْقَائِلَةَ بِأَنَّ تَحَوُّلَ الْمُجْتَمَعِ الدِّيمُقْرَاطِيِّ إِلَى اسْتِبْدَادٍ يَنْشَأُ عَنِ الْإِفْرَاطِ اللَّامَحْدُودِ فِي الْحُرِّيَّةِ:"يَتَبَيَّنُ لَكَ هَذَا مِنَ الْمَدِينَةِ الْجَمَاعِيَّةِ فِي زَمَانِنَا، فَإِنَّهَا كَثِيرًا مَا تَؤُولُ إِلَى التَّسَلُّطِ. مِثَالُ ذَلِكَ الرِّئَاسَةُ الَّتِي قَامَتْ فِي أَرْضِنَا هَذِهِ، أَعْنِي قُرْطُبَةَ بَعْدَ الْخَمْسِمِائَةِ".

[28]  وَمِمَّا سَبَقَ، يُمْكِنُ أَنْ نَسْتَنْتِجَ أَنَّ مَفْهُومَ الْحُرِّيَّةِ يَحْمِلُ دَلَالَةً سَلْبِيَّةً. فَهِيَ أَسَاسُ الدِّيمُقْرَاطِيَّةِ، تِلْكَ الْمَدِينَةِ الْمُنْحَرِفَةِ   وَعَلَى أَيِّ حَالٍ، لَمْ تَكُنْ قَادِرَةً عَلَى مُنَافَسَةِ مَذْهَبِ الْخِلَافَةِ، الْقَلْبِ النَّابِضِ لِلسِّيَاسَةِ فِي الْإِسْلَامِ، رَغْمَ مَجْهُودِ الْفَلَاسِفَةِ فِي تَكْيِيفِ الْمَدِينَةِ الْفَاضِلَةِ مَعَ مَذْهَبِ الْخِلَافَةِ

 

 . IIIقِيمَةٌ فِي ذَاتِهَا

[29]  الْجَدِيدُ فِي الْعَصْرِ الْحَدِيثِ هُوَ فِكْرَةُ أَنَّ الْحُرِّيَّةَ هِيَ أَسَاسُ التَّقَدُّمِ وَالْحَضَارَةِ الْغَرْبِيَّةِ، وَهُوَ مَا يُبَرِّرُ تَبَنِّيَهَا.  فَالْعَقْلُ يَأْمُرُ بِذَلِكَ، وَالدِّينُ يُشَجِّعُ عَلَيْهِ. وَلَكِنْ لَا يُوجَدُ تَنْظِيرٌ يَرْتَقِي بِالْمَفْهُومِ الْفَلْسَفِيِّ. أنا آسف بالتضحية بهذه الفقرة لضيق الوقت. ويمكن تلخيص التحولات في ما يلي: أولا، توجه الفكر السياسي نحو الملك المقيد بقانون، ثانيا إعلانات حقوق في  تركيا (1839، 1858 ) وتونس (1857) وايران (1907) ودساتير (تونس 1861) وتركيا (1876)وايران (1906). والحقوق مبعثرة وغير مرتبة، باستثناء دستور تركيا. لا ننسى أن إِعْلَانُ حُقُوقِ الْإِنْسَانِ وَالْمُوَاطِنِ 1789، تُّرْجم َ الَى التُّرْكِيَّةِ فِي 1881و إِلَى الْعَرَبِيَّةِ فِي 1901.

ثالثا، المراوحة بين الإصلاح والثورة.  ثورة إيران1906-1911وَيُقَدِّمُ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ حُسَيْن النَّائِينِي(ت. 1936 ) مُسَانَدَةَ رِجَالِ الدِّينِ عَبْرَ فَتْوَى مُطَوَّلَةٍتنبيه الأمة وتنزيه الملة1909)).وثورة تركيا  1910تحت شعَار الثورة الفرنسية ِ ْحُرِّيَّةِ ("حُرِّيَّتْ") وَمُسَاوَاةِ ("مُسَاوَاتْ") وَإِخَاءِ ("أُخُوَّتْ")، بِدَعْمٍ مِنْ مُوسَى كَاظِم (ت. 1920)، شَيْخِ الْإِسْلَامِ لَاحِقًا، مُحَرِّرِ بَيَانِ مَبَادِئِ الشُّورَى وَالْحُرِّيَّةِ فِي الْإِسْلَامِ

 

 . IV  اللَّحْظَةُ التَّأْسِيسِيَّةُ الْمُتَوَاصِلَةُ.

   سَيِّدَاتِي سَادَتِي،  

[30] يُبَرْهِنُ التَّارِيخُ أَنَّ فِكْرِة الْحُرِّيَّةِ مَحَلُّ تَجَاذُبٍ قَبْلَ أَنْ تُصْبِحَ مِحْوَرَ الْحَيَاةِ الْاِجْتِمَاعِيَّةِ فِي الْأَزْمِنَةِ الْحَدِيثَةِ.  وَ تَرْتَكِزُ  فكرة الْحُرِّيَّةُ عَلَى أُسُسٍ نَظَرِيَّةٍ صُلْبَةٍ قوامها العقد والواجب الأخلاقي.  

  1. العقد

لَنْ أَعُودَ إِلَى أُمَّهَاتِ الْمَرَاجِعِ، بِتَرْتِيبِهَا الزَّمَنِيِّ:   التِّنِّينِلِهُوبْز  (Hobbes)  (1670)، الرِّسَالَةِ اللَّاهُوتِيَّةِ السِّيَاسِيَّةِلِسْبِينُوزَا  (Spinoza)  (1670)، الرِّسَالَةِ الثَّانِيَةِ فِي الْحُكْمِ الْمَدَنِيِّلِلُوك  (Locke)  (1689)، الْعَقْدِ الْاِجْتِمَاعِيِّلِرُوسُو (Rousseau)  (1762)، وَنَقْدَا كَانْط  (Kant) ،نَقْدِ الْعَقْلِ الْمَحْضِ (1781) وَنَقْدِ الْعَقْلِ الْعَمَلِيِّ((1788.فَقَدِ افْتَرَضَ جُلُّ هَؤُلَاءِ حَالَةَ طَبِيعَةٍ (لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَمْ يَعِشْ قَطُّ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ)، يَخْرُجُ مِنْهَا بِمِيثَاقٍ عَامٍّ يُحَوِّلُ حَقًّا طَبِيعِيًّا إِلَى حَقٍّ مَدَنِيٍّ:    الْأَمْنِ (عِنْدَ هُوبْز وَسْبِينُوزَا)، وَالْمِلْكِيَّةِ (عِنْدَ لُوك)، وَالْحُرِّيَّةِ الطَّبِيعِيَّةِ (عِنْدَ رُوسُو وَكَانْط).   فَأَيُّ سُؤَالٍ يُحِيلُنَا لِلْحُرِّيَّةِ: مَا الدَّوْلَةُ؟ يجيب سبينوزا فيالرِّسَالَةِ اللَّاهُوتِيَّةِ: "مقصد الدولة هو اذن في الواقع الحرية"

"la fin de l'État est donc en réalité la liberté"

«مَا الْقَانُونُ ؟» Quid juris يَتَسَاءَلُ رُوسُو فِي خِطَابٍ فِي بَحْثٍ فِي مَنْشَأِ وَأُسُسِ عَدَمِ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ النَّاسِDiscours sur l’origine et les fondements de l’inégalitéparmi les hommes. ؛  وَيَقُولُ فِي Les confessions الاعترافات: "مَا هِيَ الْحُكُومَةُ الَّتِي، بِحُكْمِ طَبِيعَتِهَا، تَظَلُّ دَائِمًا الْأَقْرَبَ إِلَى الْقَانُونِ؟ وَمِنْ هُنَا، مَا هُوَ الْقَانُونُ؟"  وَالْجَوَابُ فِي الْعَقْدِ الْاِجْتِمَاعِيِّ: أَنَّ الْقَانُونَ يَرْتَكِزُ عَلَى الْحُرِّيَّةِ، وَأَنَّ "طَاعَةَ الْقَانُونِ الَّذِي فَرَضَهُ الْمَرْءُ عَلَى نَفْسِهِ هِيَ عَيْنُ الْحُرِّيَّةِ".   وَلَمْ يَكُنِ الرَّابِطُ بَيْنَ الْقَانُونِ وَالْحُرِّيَّةِ بِهَذِهِ الْقُوَّةِ مِنْ قَبْلُ، قَطُّ.  

  1. وَمَا الْأَخْلَاقُ؟ هُنَا تَأْتِي مُفَارَقَةٍ جَوْهَرِيَّةٍ بَيْنَ الْحُرِّيَّةِ وَالسَّبَبِيَّةِ.    الْاِشْكَالُ هُوَ انَّ الْحُرِّيَّةَ لَا تَنْتَسِبُ لِلْعَالَمِ الْمَادِّيِّ الْمَحْسُوسِ (sensible(؛ وَبِالتَّالِي لَا تُثْبَتُ بِالْبُرْهَانِ الْعِلْمِيِّ عَبْرَ الْعَقْلِ النَّظَرِيِّ.  هِيَ تَنْتَسِبُ لِلْعَالَمِ الْعَقْلِيِّ intelligibleاو الشيء في ذاته .noumène  وَمَعَ ذَلِكَ لَا يُمْكِنُ تَصَوُّرُ أَخْلَاقِيَّةِ الْإِنْسَانِ دُونَ افْتِرَاضِ أَنَّهُ حُرٌّ.  وَهِيَ مَوْضُوعُ الْمُفَارَقَةِ الثَّالِثَةِ فِي نَقْدِ الْعَقْلِ الْخَالِصِ لِلْفَيْلَسُوفِ الْأَلْمَانِيِّ إيمانويل كانط Emmanuel Kant, Critique de la raison pure  وَيُسَمِّيهَا الْحُرِّيَّةَ الْ«مُتَعَالِيَةَ» transcendantaleتُسَوِّغُ الْحُرِّيَّةَ الْقِيَمِيَّةَ normative أَوِ الْعَمَلِيَّةَ الَّتِي تَضَعُ الْقَاعِدَةَ الْاِجْبَارِيَّةَ الْأَمِرَةَ لِلْفَاعِلِ الْاِجْتِمَاعِيِّ وَالَّتِي يَسُنُّهَا الْعَقْلُ الْأَخْلَاقِيُّ. وَهَذِهِ هِيَ الْحُرِّيَّةُ الْقِيَمِيَّةُ أَوِ الْمِعْيَارِيَّةُ مَوْضُوعُ نَقْدِ الْعَقْلِ الْعَمَلِيِّ. وهي إجرائية:"اعمل على أن تعامل الإنسانية، سواء في شخصك أو في شخص أي إنسان آخر، دائماً كغاية وليس أبداً مجرد وسيلة".  ولا يكمن أن نعتبر الانسان غاية بدون اعتباره حرّا.

 

[31]  هُنَالِكَ أَيْضًا تَأْصِيلٌ ثَانٍ دِينِيٌّ لِلْحُرِّيَّةِ مِنْ دَاخِلِ الدِّينِ نَدِينُ بِهِ لِفِرَقِ الْبْرُتْسْتَانْت(sectesprotestantes). فَالْفِرَقُ هي أصولية، بُنِيَتْ عَلَى تَفَرُّدِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا بِالْخَلَاصِ (عَلَى شَاكِلَةِ الْفِرَقِ النَّاجِيَةِ) وَمَعَ ذَلِكَ سَتَقْبَلُ بِالْحُرِّيَّةِ وَبِالتَّسَامُحِ وَالدِّيمُقْرَاطِيَّةِ.  يَقُولُ مَاكْس فِيبِر (Max Weber) الَّذِي قَامَ بِدِرَاسَةٍ مَيْدَانِيَّةٍ فِي أَمْرِيكَا أَنَّ فِرَقَ الْبْرُتْسْتَانْت (أ) كَانَتْ لَهَا مَصْلَحَةٌ فِي الْحُرِّيَّةِ وَ التَّسَامُحِ لَا كَخِيَارٍ فَلْسَفِيٍّ بَلْ كَشَرْطٍ لِلتَّعَايُشِ لِأَنَّ كُلٌّ مِنْهَا تَعْتَبِرُ نَفْسَهَا فِرْقَةً نَاجِيَةً غَيْرَ مَعْنِيَّةٍ بِخَلَاصِ غَيْرِهَا. فَهِيَ تُمَيِّزُ بَيْنَ الْحُرِّيَّةِ وَالْخَلَاصِ (ب). وَلَهَا مَصْلَحَةٌ فِي حِيَادِ الدَّوْلَةِ لِأَنَّهَا تَعْتَبِرُ الْخَلَاصَ رُوحِيّ لَا سِيَاسِيّ وَ(ج) لَهَا مَصْلَحَةٌ أَخِيرًا فِي الدِّيمُقْرَاطِيَّةِ لِأَنَّهَا هِيَ بِنَفْسِهَا مُنَظَّمَةٌ كَجَمْعِيَّاتٍ دِينِيَّةٍ حُرَّةٍ غَيُورَةٍ عَلْ اسْتِقْلَالِيَتَها تَنْدُبُ عَنَاصِرَهَا اخْتِيَارًا.   وَهَذَا مَا أَسَّسَ لِلْ"حِيَادِ الْمُزْدَوِجِ twin toleration ": فَلَا يُطَالِبُ الْمُوَاطِنِينَ الدَّوْلَةَ بِحِمَايَةِ دِينًا مَا وَلَا تَدْخُلُ الدَّوْلَةُ فِي الْقَنَاعَاتِ الدِّينِيَّةِ لِلْمُؤْمِنِينَ.  وَهَذَا مَا تَجَسَّدَ فِي أَوَّلِ اعْلَانٍ لِلْحُقُوقِ الدِّينِيَّةِ لِمَدِينَةِ فِيرْجِينِيَة لِ16 جَانْفِي 1786 مِنْ صِيَاغةِ تُومَاس جفِرْسُون (Thomas Jefferson) وَتَكْمُنُ أَهَمِّيهِ فِي تَأْسِيسِ الْحُقُوقِ الطَّبِيعِيَّةِ لِلْجِنْسِ الْبَشَرِيِّ عَلَى فِكْرَةِ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْفِكْرَ حُرًّا بِحَيْثُ أَيُّ ابْطَالٍ الْحُقُوقِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا أَوِ الْحَدِّ مِنْهَا يَكُونُ مُخَالِفًا لِلْحَقِّ الطَّبِيعِيِّ الالَاهِيِّ.

[32]  هُنَالِكَ مُحَاوَلَاتٌ فِي الْإِسْلَامِ فِي شَكْلِ اصْلَاحٍ دِينِيٍّ، وَمِنْ أَهَمِّهَا مَا قَامَ بِهَا مُحَمَّد عَبْدَة فِي "الْإِسْلَامِ وَ النَّصْرَانِيَّةِ مَعَ الْعِلْمِ وَ الْمَدَنِيَّةِ".   يُمَيِّزُ عَبْدُه الْإِسْلَامَ بِثَمَانٍ أُصُولَ، الْأَوَّلُ النَّظَرُ الْعَقْلِيُّ لِلتَّحْصِيلِ عَلَى الايمَانِ؛ الثَّانِي تَقْدِيمُ الْعَقْلِ عَلَى ظَاهِرِ الشَّرْعِ عِنْدَ التَّعَارُضِ؛ الثَّالِثُ الْبُعْدُ عَنِ التَّكْفِيرِ: الرَّابِعُ الْاِعْتِبَارُ بِسُنَنِ اللَّهِ فِي الْخَلْقِ؛ الْخَامِسُ قَلْبُ السُّلْطَةِ الدِّينِيَّةِ؛ السَّادِسُ، حِمَايَةُ الدَّعْوَةِ لِمَنْعِ الْفِتْنَةِ؛ السَّابِعُ، مَوَدَّةُ الْمُخَالِفِينَ فِي الْعَقِيدَةِ؛ الثَّامِنُ، الْجَمْعُ بَيْنَ مَصَالِحِ الدُّنْيَا وَالْأَخِرَةِ".  ما الفرق بين الإصلاح في الإسلام والبروتستانت ولمذا لم ينجح ؟  ربما لأن الصلاح الديني حركية نخبوية بينما فرق البروتستانت حركات شعبية. على كل، الْأَسْبَابُ الَّتِي يَرْجِعُ إِلَيْهَا انْحِطَاطُ الْإِسْلَامِ فَتَتَمَثَّلُ فِي هَيْمَنَةِ ثَلَاثَةِ وُجُوهٍ سَيْطَرَتْ عَلَى الْإِسْلَامِ فِي الْعُصُورِ الْأَخِيرَةِ ابْتِدَاءً مِنَ الْقَرْنِ الثَّالِثَ عَشَرَ:    سُلْطَانٍ مُسْتَبِدٍّ وَ وَفُقَهَاءَ جَامِدُونَ وَ أَوْلِيَاءِ تَوَسُّلٍ ثار ضدهم المصلحون. 

[33]  اكْرَاهَانِ.  لَا يَكْفِي أَنْ نَظُنَّ أَنَّ الْإِنْسَانَ وُلِدَ حُرًّا، بَلْ يَنْبَغِي أَيْضًا أَنْ يَتَحَرَّرَ مِنْ أَغْلَالِهِ.  وَلِتَحْقِيقِ ذَلِكَ، عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَرَّرَ مِنْ قَيْدَيْنِ رَئِيسِيَّيْنِ أَيْ، عَلَى حَدِّ تَعْبِيرِ كَانْط (Kant)، «الْإِكْرَاهِ الْمَفْرُوضِ عَلَى الضَّمِيرِ الْأَخْلَاقِيِّ"، الَّذِي يَفْرِضُهُ أُنَاسٌ نَصَّبُوا أَنْفُسَهُمْ أَوْصِيَاءَ فِي الشُّؤُونِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالدِّينِ، والإكراه الْمَدَنِيِّ" (أَوِ السِّيَاسِيِّ) الَّذِي يُصَادِرُ الْحُرِّيَّةَ بِاسْمِ السُّلْطَةِ.      بِاخْتِصَارٍ، التَّحَرُّرُ مِنَ اللَّاهُوتِيِّ-السِّيَاسِيِّ s’affranchir du théologico-politique ،وَمِنَ الْاِسْتِبْدَادِ الْمُطْلَقِ.    لَكِنَّ الرِّهَانَ لَمْ يُكْتَسَبْ بِالْكُلِّيَّةِ، بَلْ نُلَاحِظُ حَتَّى تَرَاجُعًا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُشَكِّكَ فِي مُكْتَسَبَاتٍ كُنَّا نَظُنُّهَا لَا رَجْعَةَ فِيهَا.  هَذِهِ اللَّحْظَةُ التَّأْسِيسِيَّةُ لَكِنْ لَمْ تَسْتَقِرَّ وَكَـأَنَّهَا تناقض بدون تجاوز.

[34]  إِنَّ التَّحَرُّرَ مِنَ الْوِصَايَةِ الدِّينِيَّةِ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ الْحُرِّيَّةِ.  وَتَارِيخِيًّا، سُلِكَ طَرِيقَانِ: الْقَطِيعَةُ الْمُعْلَنَةُ مَعَ الْكَنِيسَةِ، وَالْعَلْمَانِيَّةُ الْقَائِمَةُ عَلَى التَّوَافُقِ الْأَنْجْلُوسْكْسُونِيِّsécularisme. وَهُمَا نَمُوذَجَانِ يَضَعَانِ حَدًّا لِهَيْمَنَةِ الدِّينِ عَلَى الْمُجْتَمَعِ، وَيَنْتَهِيَانِ فِي النِّهَايَةِ، رَغْمَ اخْتِلَافَاتِهِمَا، إِلَى حِيَادِ الدَّوْلَةِ فِي الشَّأْنِ الدِّينِيِّ، رَغْمَ تَنَازُلَاتٍ رَمْزِيَّةٍ لِدِينِ الشَّعْبِ يَعْتَبِرُهَا بَعْضُ الْمُنْتَقِدِينَ تَنَكُّرًا لِلْمَبْدَأِ. وَثَمَّةَ أَدَبِيَّاتٌ وَفِيرَةٌ تُعَلِّقُ عَلَى "حُدُودِ" كُلٍّ مِنَ النَّمُوذَجَيْنِ.  فَأَنْصَارُ الْعَلْمَانِيَّةِ الْفَرَنْسِيَّةِ يُحَذِّرُونَ مِنَ الطَّائِفِيَّةِ الْأَنْجْلُوسْكْسُونِيَّةِ، بَيْنَمَا يَنْتَقِدُ أَنْصَارُ الْعَلْمَانِيَّةِ الْأَنْجْلُوسْكْسُونِيَّةِ عُنْفَ عَلْمَانِيَّةٍ تَنْفِي كُلَّ مَظْهَرٍ مِنْ مَظَاهِرِ التَّدَيُّنِ فِي الْفَضَاءِ الْعَامِّ.  وَأَعْتَرِفُ أَنَّ هَذَا النَّمُوذَجَ يَمُرُّ الْيَوْمَ بِأَزْمَةٍ.    وَالتَّحَدِّي الْكَبِيرُ يَأْتِي مِنْ نَزْعَةِ الْمُحَافَظَةِ الدِّينِيَّةِالَّتِيتُرَوِّجُ لِقِيَمِ الْأُسْرَةِ وَالتَّقْلِيدِ فِي قَضَايَا مِنْ قَبِيلِ الْإِجْهَاضِ، وَالْقَتْلِ الرَّحِيمِ، وَالتَّجْدِيفِ أَيِ الاسَاءَةِ لِلْمُقَدَّسَاتِ ، وَالْإِبَاحِيَّةِ، وَفِئَاتِ الْجَنْدَرِ، وَالْعَلَاقَاتِ الْجِنْسِيَّةِ خَارِجَ إِطَارِ الزَّوَاجِ، وَالْمُخَدِّرَاتِ، وَنَظَرِيَّةِ الْخَلْقِ، وَمَسَائِلِ النَّوْعِ الْاِجْتِمَاعِيِّ...      وَتَتَّخِذُ الْمُحَافَظَةُ الدِّينِيَّةُ أَشْكَالًا مُتَعَدِّدَةً، أَكْثَرُهَا تَطَرُّفًا فِي الْوِلَايَاتِ الْمُتَّحِدَةِ هُوَ "الْيَمِينُ الْمَسِيحِيُّ الْجَدِيدُ" أَوِ "الْيَمِينُ الدِّينِيُّ"، The New Christian Right / The Religious Right، السَّنَدُ الْكَبِيرُ لِتْرَامْب، الَّذِي يُرَوِّجُ لِمَسِيحِيَّةٍ مُتَعَلِّقَةٍ بِالْهُوِيَّةِ، مُعَادِيَةٍ لِلِّيبِرَالِيَّةِ، مُشَكِّكَةٍ فِي التَّغَيُّرِ الْمُنَاخِيِّ وَمُعَادِيَةٍ لِلْعِلْمِ.

[35]  أَمَّا عَالَمُ الْإِسْلَامِ، فَلَمْ يَتَبَنَّ لَا الْعَلْمَانِيَّةَ الْفَرَنْسِيَّةَ وَلَا الْعَلْمَانِيَّةَ الْأَنْجْلُوسْكْسُونِيَّةَ، بَلْ يَسُودُ فِيهِ نَمُوذَجٌ ثَالِثٌ: نَمُوذَجُ "الْعَلْمَانِيَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ" التَّوَافُقِيَّةِ. "الإسلام يسوذولا يحكم".فَالدَّوْلَةُ تَتَكَفَّلُ بِالدِّينِ، حَتَّى فِي تُرْكِيَا الْمُعْلَنَةِ عَلْمَانِيَّةً (بالتركية  (lailikمُنْذُ 1937، بَيْنَمَا يُشْبَعُ الْمُجْتَمَعُ بِتَدَيُّنٍ اسْتِعْرَاضِيٍّ فِي كُلِّ مَكَانٍ، فِي الْفَضَاءِ الْعَامِّ وَالْإِعْلَامِ وَالْفَضَاءِ الرَّقْمِيِّ.  وَيُضَافُ إِلَى الدَّوْلَةِ شبه علمانية مَا يُسَمِّيهِ عَيَّاض بْن عَاشُور "أُرْثُوذُكْسِيَّةَ الْعَامَّةِ".  وَفِي ظِلِّ هَذِهِ الظُّرُوفِ، تَتَّخِذُ النِّقَاشَاتُ حَوْلَ كَوْنِ الْإِسْلَامِ دِينَ الدَّوْلَةِ أَوْ دِينَ تُونِسَ فِي دُسْتُورَيْ 1959 وَ2014 وَحَوْلَ مَقَاصِدِ الْإِسْلَامِ - وَمِنْهَا الْحُرِّيَّةُ - فِي دُسْتُورِ 2022، طَابَعًا مَدْرَسِيًّا.  دَعْنَا مِنَ النُّصُوصِ مَا دَامَتْ عَاجِزَةً مِنْ أَنْ تَحْمِيَ وَاضِعِيهَا.

[36]  وَمَاذَا عَنِ الْفِكْرِ؟ لَا أُنْكِرُ الْمُحَاوَلَاتِ النَّظَرِيَّةَ لِتَأْصِيلِ فِكْرَةِ الْحُرِّيَّةِ فِي الْإِسْلَامِ الْمُعَاصِرِ.    وَلَكِنْ مِنْ وِجْهَةِ نَظَرِ الْفَلْسَفَةِ السِّيَاسِيَّةِ تُقَاسُ الْفَاعِلِيَّةُ (أي قدرة القاعدة للنفاذ في الواقعوالذي يسمى في اللغة التقنية الفلسفية facticité) لِلْحُرِّيَّةِ الدِّينَةِ وَالتَّسَامُحِ وَحُرِّيَّةِ الضَّمِيرِ مِنْ خِلَالِ الْحَالَاتِ الْحَدِّيَّةِ.caslimites  كَمَا هُوَ فِي الْحَالَةِ الطَّبِيعِيَّةِ الْمُفْتَرَضَةِ فِي نَظَرِيَّةِ الْعَقْدِ الْاِجْتِمَاعِيِّ أَوْ حَالَةِ الْاِسْتِثْنَاءِ فِي الْقَانُونِ كما درسها الصغير الزكراوي في كتابه حالة الاستثناء 2026. وتأسيس التأسيس على الحالات الحدية هَذَا مَا قَالَهُ لِيُو شْتْرَاوس فِي كِتَابِهِ الْقَانُونِ الطَّبِيعِيِّ وَالتَّارِيخِDroit naturel et histoire 1953Léo Strauss,.   نَرَى آنَذَاكَ كَيْفَ تُثِيرُ مَسْأَلَةُ الْمُقَدَّسَاتِ، وَالْإِلْحَادِ، وَالْفِكْرِ الْحُرِّ، وَالتَّحَرُّرِ النِّسَوِيِّ، وَالحق في الميل الجنسي وأَشْكَالٍ أُخْرَى عَدِيدَةٍ مِنَ الْوُجُودِ وَالْفِعْلِ،تثير احْتِجَاجَاتٍ جَمَاعِيَّةً، وَحَمَلَاتٍ إِعْلَامِيَّةً وَرَقْمِيَّةً، وَمُلَاحَقَاتٍ قَضَائِيَّةً فِي أَقْصَى أَقْصَاءِ الْعَالَمِ الاسْلَامِيِّ.    لِمَاذَا؟    لِأَنَّ مُجْتَمَعَاتِنَا تَجْهَلُ حَقًّا الْحَقَّ فِي الْاِخْتِلَافِ أَوْ مَا يُسَمِّيهِ سْبِينُوزَا الْحَقَّ فِي الظَّلَالَةِ.    وَهَذَا يَنْطَبِقُ عَلَى كُلِّ اجْمَاعٍ في أي مسألة،ينَكِّلُ بِمَنْ يُجَاهِرُ بِقَنَاعَاتٍ خَارِجَةٍ عَنِ الْمَأْلُوفِ وَبِمَبَادِئَ تَمَرُّدِيَّةٍ. وَهَكَذَا، فَإِنَّ أَصْحَابَ الْفِكْرِ الْحُرِّ libres-penseursفِي الْعَالَمِ الْإِسْلَامِيِّ يُخْفُونَ قَنَاعَاتِهِمْ خَشْيَةَ إِثَارَةِ غَضَبِ الْعَامَّةِ وَالسُّلْطَةِ، وَهُمْ يُذَكِّرُونَ بِالزَّنَادِقَةِ وَهُمْ عُلَمَاءُ كَلَامٍ وَشُعَرَاءُ وَأُدَبَاءُ عَقْلَانِيِّينَ وَمُشَكِّكِينَ وَمُنْتَسِبِينَ لِدِيَانَاتٍ فَارِسِيَّةٍ كَالْمَانَوِيَّةِ manichéisme ))، إِذْ كَانُوا "يُظْهِرُونَ الاسْلَامَ وَ يُبْطِنُونَ الزَّنْدَقَةَ"، كَمَا يَقُولُ ابْنُ النَّدِيمِ عَنْهُمْ فِي الْفِهْرِسْتِ.   وَقَدْ طَارَدَتْهُمُ السُّلْطَةُ الْعَبَّاسِيَّةُ خِلَالَ خِلَافَةِ الْمَهْدِيِّ (158-169هـ/775-785م) ثَالِثِ خُلَفَاءِ بَنِي الْعَبَّاسِ. وَقَدِ اخْتَارَ الْفُقَهَاءُ تَكْفِيرَ الزَّنَادِقَةِ.  السُّؤَالُ الْوَحِيدُ هُوَ هَلْ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ امْ لَا. تُقْبَلُ عِنْدَ الْأَحْنَافِ وَيَنْطَبِقُ عَلَيْهِ حُكْمُ الْمُرْتَدِّ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَلَا يَقْبَلُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ تَوْبَتَهُ.

[37]  وَانْ كَانَ أَصْحَابُ الْفِكْرِ الْحُرِّ وَالْأَقَلِّيَّاتُ الدِّينِيَّةُ الْوَسِيطَةُ تَتَظَاهَرُ بِتَبَنِّي الْعَقِيدَةِ الرَّسْمِيَّةِ كَمَا كَانَ الْحَلُّ بِالنِّسْبَةِ لِلشِّيعَةِ عَبْرَ التَّقِيَّةِ وَ لِلْيَهُودِ وَالْمُسْلِمِينَ فِي الْأَنْدَلُسِ بَعْدَ ضَيَاعِهَا فِي الْقَرْنِ فِي الْقَرْنَيْنِ الرَّابِعَ وَالْخَامِسَ عَشَرَ،      فَإِنَّ أَصْحَابَ الْفِكْرِ الْحُرِّ الْمُحْدَثِينَ يُخْفُونَ قَنَاعَاتِهِمْ حَتَّى عَنِ الْأَقْرِبَاءِ وَالْمُقَرَّبِينَ، خشْيَةً مِنَ الْعِقَابِ الْاِجْتِمَاعِيِّ الَّتِي تَتَرَصَّدُهُمْ لَوْ جَاهَرُوا بِمُعتْقَدَاتِهِمْ وَأَرَاءَهُمْ.   وَقَدْ يَلْتَجِؤُوا حِمَايَةً بِالْقَاعِدَةِ الْفِقْهِيَّةِ "الْإِسْلَامُ يَحْكُمُ بِالظَّاهِرِ".   وَهَذَا لَا يَمْنَعُ الَّذِينَ نَصَّبُوا أَنْفُسَهُمُ الْأَوْصِيَاءَ فِي الشُّؤُونِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالدِّينِ بِالنَّبْشِ فِي الضَّمَائِرِ.

 وَنَكْتَفِي بِهَذَا الْقَدْرِ فِي التَّحَرُّرِ مِنَ الْوِصَايَةِ الدِّينِيَّةِ بِاعْتِبَارِهَا شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ الْحُرِّيَّةِ، أَزْمَتِهَا الْعَمِيقَةِ فِي الْغَرْبِ وَعَوَائِقِهَا فِي الْعَالَمِ الاسْلَامِيِّ.

[38] الشَّرْطُ الثَّانِي فِي التَّحَرُّرِ مِنَ "الْإِكْرَاهِ الْمَدَنِيِّ" (أَوِ السِّيَاسِيِّ) الَّذِي يُصَادِرُ الْحُرِّيَّةَ بِاسْمِ السُّلْطَةِ.  هُوَ التَّخَلُّصُ مِنَ السُّلْطَةِ الْمُطْلَقَةِ بُغْيَةَ إِرْسَاءِ دِيمُقْرَاطِيَّةٍ، أَيْ حُكْمِ الْجَمِيعِ، أَحْرَارًا وَمُتَسَاوِينَغَيْرَ أَنَّ الْحُرِّيَّةَ وَالْمُسَاوَاةَ غَيْرُ مُتَوَافِقَاتٍ ne sont pas compatibles  كَمَا أَنَّ الدِّيمُقْرَاطِيَّةَ وَالْحُرِّيَّةَ غَيْرُ قَابِلَةٍ لِلتَّبْدِيلِ ne  sont pas interchangeables.    فَثَمَّةَ إِذَنْ فَكُّ ارْتِبَاطٍ  مزدوجمُمْكِنٌ. وَفِيمَا يَخُصُّ الْاِنْفِصَامَ الْأَوَّلَ، مَا قِيمَةُ الْحُرِّيَّةِ دُونَ الْمُسَاوَاةِ؟  |  قَدَّمَ جُون رُولْز (John Rawls) حَلًّا لِهَذَا الْإِشْكَالِ فِي كِتَابِهِنَظَرِيَّةِ الْعَدَالَةِ1971، يُوَفِّقُ بَيْنَ الْحُرِّيَّةِ الْمُتَسَاوِيَةِ لِلْجَمِيعِ مِنْ جِهَةٍ l’égale liberté pour tous،وَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى تَقْلِيصِ التَّفَاوُتَاتِ الْاِجْتِمَاعِيَّةِ-الْاِقْتِصَادِيَّةِ، بَدْءًا بِأَشَدِّ الْفِئَاتِ حِرْمَانًا فِي الْمُجْتَمَعِ فَصَاعِدًا عَلَى السُّلَّمِ الْاِجْتِمَاعِيِّ.    وَهَذَا مَا يُسَمِّيهِ الْعَدَالَةَ بِوَصْفِهَا إِنْصَافًا.     وَيُتَرْجَمُ ذَلِكَ قَانُونِيًّا بِالتَّمْيِيزِ بَيْنَ الْحُقُوقِ-الْحُرِّيَّاتِ وَالْحُقُوقِ-الْمَطَالِبِ les droits-libertés et les droits-créances:  |  فَالْأُولَى تُغَطِّي الْحُقُوقَ الْأَسَاسِيَّةَ، الَّتِي يُسَمِّيهَا رُولْز basic liberties، بَيْنَمَا الثَّانِيَةُ حُقُوقٌ اقْتِصَادِيَّةٌ وَاجْتِمَاعِيَّةٌ، قَائِمَةٌ عَلَى مَبْدَأِ الْمُسَاوَاةِ، وَوَاجِبَاتٌ تَقَعُ عَلَى عَاتِقِ الْجَمَاعَةِ الْوَطَنِيَّةِ أَوِ الدَّوْلَةِ.     وَفِي مُقَابِلِ هَذِهِ الرُّؤْيَةِ الْمُسَاوَاتِيَّةِ، ثَمَّةَ مُقَارَبَةٌ تُعْرَفُ بِالْلِّيبِرْتَارِيَّةِ أَوِ التَّحَرُّرِيَّةِlibertarienneتَمْنَحُ قِيمَةً مُقَدَّسَةً لِلْحُرِّيَّةِ، وَلَا سِيَّمَا حُرِّيَّةِ  المبادرة   والتَّصَرُّفِ فِي الثَّرَوَاتِ، وَتَقْبَلُ بِتَدَخُّلِ الدَّوْلَةِ فِي حَدِّهِ الْأَدْنَى، مَعَ رَفْضِهَا إِعَادَةَ تَوْزِيعِ الثَّرَوَاتِ.  وَقَدْ دَافَعَ عَنْ هَذِهِ الْأُطْرُوحَةِ هَايَك فِي السِّتِّينِيَّاتِ فِي كِتَابِهِ دُسْتُورِ الْحُرِّيَّة،ِHayek, The Constitution of Liberty 1960، وَطُرِحَتْ بِصِيغَةٍ أَكْثَرَ تَطَرُّفًا فِي الْعَقْدِ الْأَوَّلِ مِنَ الْأَلْفِيَّةِ الثَّالِثَةِ عَلَى يَدِ سْتِيف هَانْكِي، فِي كِتَابِهِ الدِّيمُقْرَاطِيَّةِ فِي مُقَابِلِ الْحُرِّيَّةِ Steve H. Hanke, On Democracy Versus Liberty (2011).  وَفِكْرَتُهُ: أَنَّ الْحُقُوقَ الْفَرْدِيَّةَ وَالدِّيمُقْرَاطِيَّةَ تَنْتَمِيَانِ إِلَى تَارِيخَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، وَالدَّلِيلُ أَنَّ كَلِمَةَ "دِيمُقْرَاطِيَّةٍ" لَا تَرِدُ فِي أَمْرِيكَا لَا فِي إِعْلَانِ الْاِسْتِقْلَالِ 1776 وَلَا فِي الدُّسْتُورِ 1789، فِي حِينِ أَنَّ الْحُقُوقَ الْمَدَنِيَّةَ مُعْتَرَفٌ بِهَا اعْتِرَافًا كَامِلًا.  وَهَكَذَا، فَالْحُرِّيَّةُ وَالدِّيمُقْرَاطِيَّةُ غَيْرُ قَابِلَتَيْنِ لِلتَّبَادُلِ.      وَبِيتَر ثِيل Peter Thiel ، رَجُلُ الْأَعْمَالِ فِي مَجَالِ التِّكْنُولُوجْيَا، يَتَبَنَّى نَفْسَ النَّهْجِ الْفِكْرِيِّ ؛ فَفِي نَصٍّ شَهِيرٍ كَثِيرًا مَا يَسْتَشْهِدُ بِهِ الْلِّيبِرْتَارِيُّونَ الْجُدُدُ، "تَرْبِيَةِ لِيبِرْتَارِيٍّ"  The Education of a Libertarian, ، يَعْتَرِفُ: "يَجِبُ أَنْ أُقِرَّ... أَنَّنِي لَمْ أَعُدْ أُؤْمِنُ بِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ وَالدِّيمُقْرَاطِيَّةَ مُتَوَافِقَتَانِ" .ووصلنا الى المعادات للديمقراطية باسم الحرية مع ما تسمى "الرجعية الجديدة": الدولة شركة أسهم، كل له حصة، يديرها رئيس مدير عام وتحرسها وكالة خاصة.  وهذا ما دافع عنه2022 Curtis Yarvin, Unqualified reservations تحفظات غير مشروطة،واستاذ الفلسفة نيك لاند، التنوير المظلمNick Land, The dark enlightenment، وهما من أهم منظري الأيديولوجية الرجعية الحاكمة في أمركا.

[39]  إِنَّ الْحُرِّيَّةَ أَسَاسُ الدِّيمُقْرَاطِيَّةِ، لَكِنَّهَا أَيْضًا أَلَدُّ أَعْدَائِهَا الْحَمِيمِينَ.    فَمُنْذُ الْإِغْرِيقِ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا، يُمْكِنُ لِلدِّيمُقْرَاطِيَّةِ أَنْ تَنْحَدِرَ إِلَى اسْتِبْدَادٍ.  وَنَمُوذَجُ هَذَا التَّرَاجُعِ نَجِدُهُ، كَمَا رَأَيْنَا، فِي جُمْهُورِيَّةِ أَفْلَاطُونَ: فَالْاِسْتِبْدَادُ يَنْشَأُ عَنْ إِفْرَاطٍ فِي الْحُرِّيَّةِ.  وَفِي الْعَصْرِ الْحَدِيثِ، وُلِدَتِ النَّازِيَّةُ وَالْفَاشِيَّةُ مِنْ رَحِمِ دِيمُقْرَاطِيَّاتٍ فِي أَزْمَةٍ.  وَالشَّعْبَوِيَّةُ هِيَ أَحْدَثُ تَجَلِّيَاتِ هَذَا التَّحَوُّلِ الَّذِي تَشْهَدُهُ الدِّيمُقْرَاطِيَّةُ.   هَلْ تَنْتَسِبُ الْفَاشِيَّةُ الَى الْمَاضِي؟   مَعَ رِئَاسَةِ تْرَامْب، تَسَاءَلَ الْبَعْضُ عَمَّا إِذَا كَانَتْ فَاشِيَّةٌ جَدِيدَةٌ بِصَدَدِ التَّشَكُّلِ، دُونَ حَرْبٍ كونية، ، وَدُونَ حِزْبٍ وَاحِدٍ، وَدُونَ فُوهْرَرَFuhrer أَوْدُوتْشِيDuce  .  فَسَيْطَرَتُهُ الْكَامِلَةُ يُمَارِسُهَا مِنْ خِلَالِ التِّقْنِيَّاتِ الْفَائِقَةِ فِي خِدْمَةِ الرَّأْسْمَالِيَّةِ التِّكْنُولُوجِيَّةِ، الَّتِي يُفَضِّلُ يَانِيسفَارُوفَاكِيسYanis Varoufakis ، وَزِيرُ الْمَالِيَّةِ الْيُونَانِيُّ الْأَسْبَقُ، تَسْمِيَتَهَا بِـ"الْإِقْطَاعِ التِّكْنُولُوجِيِّ" technoféodalisme. .أَمَّا الشَّعْبَوِيَّةُ، فَتُحْدِثُ انْفِصَالًا صِدَامِيًّا بَيْنَ "الشَّعْبِ" النَّقِيِّ وَ"النُّخَبِ" الْفَاسِدَةِ.    غَيْرَ أَنَّ مَفْهُومَ الشَّعْبِ مُتَعَدِّدُ الدَّلَالَاتِ.  وَفِي تُونِسَ، تَتَكون الشَّعْبَوِيَّةِ الْحَاكِمَةِ  من ثَلَاثُ طَبَقَاتٍ:    الشَّعْبُ-الْإِثْنِي peuple ethnos الْمُتَجَذِّرُ فِي الْهُوِيَّةِ الْعَرَبِيَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَالشَّعْبُ-الْعَامَّةُ peuple-plèbe، أُولَئِكَ الْمُغَيَّبُونَ وَالْمُهَمَّشُونَ وَ الْعَاطِلُونَ عَنِ الْعَمَلِ ، وَأَخِيرًا الشَّعْبُ-الْإِرَادَةُ، الَّذِي يَبْتَلِعُ الْحُرِّيَّةَ الْفَرْدِيَّةَ فِي الْإِرَادَةِ الْجَمَاعِيَّةِ، إِرَادَةٌ مُحَوَّلَةٌ لِصَالِحِ الزَّعِيمِ، الْمُفَسِّرِ الْأَصِيلِ لَهَا l’interprèteauthentique اقتباسا منكتاب سليم اللغماني في فَلْسَفَةِ الْقَانُونِ في فصل التأويل.  إِنَّهُ رُوسُو الْإِرَادَةِ الْعَامَّةِ فِي مُوَاجَهَةِ رُوسُو الْعَقْدِ التَّأْسِيسِيِّ، رُوسُو الْبَابِ الثَّانِي مِنَ الْعَقْدِ الْاِجْتِمَاعِيِّ مُنْقَطِعٌ عَنْ رُوسُو الْبَابِ الْأَوَّلِ الْفَصْلِ الْخَامِس. لَكِنَّ الدِّيمُقْرَاطِيَّةَ الشَّعْبَوِيَّةَ تَنْحَدِرُ إِلَى حُكْمٍ تَسَلُّطِيٍّ كَمَا تَقُولُ نَادِيَة اربِينَاتِي فِي أَنَا الشَّعْبُ Nadia Urbinati, Me the People: How Populism Transforms Democracy, 2019, عِنْدَمَا يُدَارُ الظَّهْرُ لِلْقَوَاعِدِ وَالْإِجْرَاءَاتِ الدِّيمُقْرَاطِيَّةِ.   وَهَذَا مَا وَقَعَ فِي بِلَادِنَا حَيْثُ مَرَرْنَا مُنْذُ الْاِنْقِلَابِ الذَّاتِيِّ self-coup فِي 25جُويْلِيَة مِنْ دِيمُقْرَاطِيَّةٍ مُشَوَّهَةٍ إِلَى رِئَاسَةٍ وَحْدَانِيَّةِ التَّسَلُّطِ، بِتَعْبِيرِ ابْنِ رُشْدٍ.  وَانْتِهَاكَاتُ الْحُرِّيَّاتِ الْعَامَّةِ وَصَلَتْ لِحَدٍّ يهدّد الْحَيَاةِ الْمَدَنِيَّةِ bios politkon بالسقوط في الْحَيَاةِ الْحَيَوَانِيَّةِzoé أو كما يقول جيورجيو أقنبان Giorgio Agamben  "الحياة العارية "  lavitanuda، أي الحياةالحيوية الصرفة، الغير محمية.

   سَيِّدَاتِي سَادَتِي  

[40]  لَقَدْ تَبَيَّنَّا أَنَّ الْحُرِّيَّةَ لَا يُمْكِنُ اخْتِزَالُهَا فِي صِنْفٍ، وَلَا حَصْرُهَا فِي تَحْدِيدٍ مُعَيَّنٍ، وَلَا يُمْكِنُ احْتِسَابُهَا عَلَى نِظَامٍ بِذَاتِهِ.  فَأَيُّ سُلْطَةٍ تُعَادِي الْحُرِّيَّةَ بِمَا فِيهَا السُّلْطِيَّةُ الْمَبْنِيَّةُ عَلَى الْحُرِّيَّةِ. لتَفْتَحُ مَجَالَ لِلْمُقَاوَمَةِ الْفَرْدِيَّةِ عَبْرَ مُمَارَسَاتِ الْحُرِّيَّةِ، لِلدِّفَاعِ عَنِ الْحَقِّ فِي الْاِخْتِلَافِ لَنَا وَلِخُصُومِنَا.    وَهَذِهِ الْمُفَارَقَةُ الْكُبْرَى الَّتِي رُبَّمَا تنتسب الى المفارقات الْمُسْتَحِيلَةِparadoxes insolubles    أَيِ الْمُفَارَقَاتِ بِدُونِ حَلّles insolubilia.   يَكْتُبُ فُوكُو  فِي وِلَادَةِ لِسِيَاسَةِ الْحَيَاةِ، Michel Foucault, Naissance de la biopolitiqueمُحَاضَرَاتِهِ بِالْكُولِيج دُو فْرَانْس، 1978-1979، إِنَّ "الْحُرِّيَّةَ لَيْسَتْ أَبَدًا شَيْئًا آخَرَ - لَكِنَّ هَذَا يَكْفِي كَثِيرًا - سِوَى عَلَاقَةٍ رَاهِنَةٍ بَيْنَ الْحَاكِمِينَ وَالْمَحْكُومِينَ".     فَالسُّلْطَةُ قُوَّةٌ فِي مُوَاجَهَةِ قُوَّةٍ، قُدْرَةٌ عَلَى الْفِعْلِ وَعَلَى أَنْ يُفْعَلَ بِهَا.   وَرِهَانُهَا تَطْوِيعُ حُرِّيَّةِ زَيْدٍ وَاخْضَاعُ عُمَرَ، وَأَدَاتُهَا تَرْوِيضُ الْأَجْسَادِ وَالسَّيْطَرَةُ عَلَى الْعُقُولِ.  وَيُنْصَبُ جِهَازٌ تَأْدِيبِيٌّ كَامِلٌ، مُصَمَّمٌ عَلَى غِرَارِ النَّمُوذَجِ السِّجْنَى، حَتَّى إِنَّهُ يَقُولُ فِي الْمُرَاقَبَةِ وَالْمُعَاقَبَةِSurveiller et Punir (1974):  : "السِّجْنُ يُشْبِهُ الْمَصَانِعَ، وَالْمَدَارِسَ، وَالثَّكَنَاتِ، وَالْمُسْتَشْفَيَاتِ، وَكُلُّهَا تُشْبِهُ السُّجُونَ".    وَالسِّجْنُ هُوَ التِّرْيَاقُ الْمُطْلَقُ لِلْحُرِّيَّةِ، يَحْجُبُ السَّجِينَ مِنَ النُّورِ في حين أنه دوماتَحْتَ ضَّوْءِ برج المراقبة.    فَهُوَ يُرَى وَلَا يَرَى العالم الخارجي.  فِي مُقَابِلِ التِّرْيَاقِ قَدْ يَكُونُ السِّجْنُ الْمَكَانَ الْوَحِيدَ أَيْنَ تُصْبِحُ الظُّلْمَةُ نُورُ وَالْاِحْتِبَاسُ حُرِّيَّةِ.   وَفِي تَعْلِيقِهِ عَلَى مَقَالَةِ كَانْط "مَا التَّنْوِيرُ؟" Qu’est-ce que les Lumières ? (1784) ، لَا يُعَرِّفُ فُوكُو التَّنْوِيرَ بِوَصْفِهِ تَحَرُّرًا مِنَ الْقُيُودِ، وَهَذَا تَعْرِيفُ كَانْط. يَرَى فِيهِ حَدَثًا ينتسب الى "أنطولوجية الراهن" ontologie de l’actualité والذي يُحَفِّزُنَا عَلَى طَرْحِ السُّؤَالِ: مَنْ نَحْنُ؟ وَمَا عَلَاقَتُنَا بِالْوَاقِعِ الرَّاهِنِ وَبِأَنْفُسِنَا؟    وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا أَنْ يُجِيبَ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ، إِنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ ابْنَ حاضره. أنا، أَرَانَا فِي حَيْرَةٍ مِنْ أَنْفُسِنَا، أَجْسَادٌ طَيِّعَةٌ مُعَدَّةٌ لِلتَّرْوِيضِ، وَعُقُولٌ عاجزة امام أَلَّا مَعْقُولَ.

المشاركة في هذا المقال