Print this page

زمن المحاكمات السياسية: تونس بين مآلات القطيعة وإمكان المصالحة؟

تمضي تونس اليوم نحو المجهول، وسط أوضاع

سياسية واجتماعية متوترة يصعب التنبؤ بتداعياتها داخلياً وإقليمياً. فمع تراكم الاحتقان وتراجع منسوب الثقة، تتوفر تدريجياً شروط انفجار سياسي واجتماعي قد تكون كلفته عالية على الدولة والمجتمع. والتأخر في معالجة أسباب هذا الاحتقان قد يدفع البلاد نحو مرحلة جديدة من الاضطراب، يصعب استشراف مآلاتها.

مثّلت المحاكمات السياسية اليوم أحد أبرز تمظهرات الأزمة المركبة التي تعيشها البلاد. فقد تعددت الإحالات على النيابة العامة وأوامر الإيداع بالسجن، ولم يسبق أن ضمّت السجون التونسية هذا القدر من التنوع الأيديولوجي بين السجناء السياسيين.

ماضيا وحاضراً، ورغم تغير السياقات السياسية، ظلّت تهمة “المؤامرة” حاضرة في عدد من أبرز المحاكمات السياسية التي عرفتها تونس الحديثة. وكان الفصل 72 من المجلة الجزائية، المتعلق بـ”تبديل هيئة الدولة أو حمل السكان على مهاجمة بعضهم بعضاً بالسلاح وإثارة الهرج والقتل والسلب بالتراب التونسي”، من بين النصوص القانونية التي استندت إليها السلطات في عدد من هذه القضايا.

وطبقاً لهذا الفصل، أُحيل مئات التونسيين على القضاء منذ بداية الاستقلال إلى اليوم. وكانت ما عُرفت بـ”مؤامرة 1962” ضد الزعيم الحبيب بورقيبة من أوائل القضايا السياسية الكبرى في الدولة الوطنية، ثم تلتها محاكمة جماعة “آفاق – العامل التونسي” (برسبكتيف) سنة 1968، وما رافقها من محاكمات للنقابيين واليساريين.

وفي ثمانينيات القرن الماضي تغير المشهد الأيديولوجي للسجناء السياسيين. فبعد أن كان اليسار أبرز ضحايا المحاكمات في الستينيات والسبعينيات، أصبح الإسلاميون الفئة الأكثر حضوراً في السجون. ومرة أخرى عادت تهمة “المؤامرة” إلى الواجهة، كما حدث في قضية “براكة الساحل” سنة 1991، حين اتُّهم عدد من الإسلاميين، المنتمين إلى حركة النهضة، بمحاولة قلب نظام الرئيس زين العابدين بن علي.

ليس من مهام هذا المقال الحسم في شرعية تلك المحاكمات أو في صدقية روايات أطرافها المختلفة، بل التوقف عند نتائجها السياسية. فقد أثبتت التجربة التاريخية أن المحاكمات السياسية لم تؤدِّ إلى القضاء على المعارضات، ولم تمنح الأنظمة استقراراً دائماً، بل تحولت غالباً إلى مؤشر على انسداد سياسي وعجز عن إدارة الخلافات عبر الوسائل السياسية.

فالمحاكمات لم تُنهِ الخصومات السياسية، بقدر ما عمّقت الأزمات وأضعفت قدرة الأنظمة على التجدد. وعندما تُغلق أبواب المنافسة السياسية، يتحول الصراع تدريجياً من فضاء السياسة إلى فضاء القضاء، ويصبح السجن بديلاً عن الحوار.

لقد أصبحت المحاكمات السياسية، على اختلاف مراحلها، وسيلة لإدارة الصراع من موقع القوة، لكنها كشفت في الوقت نفسه محدودية هذا الخيار. فالدولة التي تعجز عن استيعاب الاختلاف السياسي تجد نفسها في مواجهة أزمات مؤجلة تعود في أشكال جديدة.

المرحلة الحالية: عودة المحاكمات وتحدي السياسة

يتكرر اليوم مشهد المحاكمات السياسية، مع اختلاف السياقات والأدوار والفاعلين. وعادت معه تهمة “التآمر” لتحتل موقعاً مركزياً في الخطاب السياسي والقضائي. غير أن خصوصية المرحلة الحالية تكمن في أن السجون وقاعات المحاكم تضم شخصيات من مشارب مختلفة: يساريين وإسلاميين وليبراليين ودساترة ونقابيين وصحفيين ونشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي.

وفي مواجهة هؤلاء المتهمين تقف السلطة السياسية بإدارة رئيس الجمهورية قيس سعيّد، الذي يجد نفسه أمام مشهد معقد. فعدداً ممن وُضعوا اليوم تحت عنوان “التآمر” كانوا من بين الذين لم يعارضوا وصوله إلى رئاسة الجمهورية في أكتوبر 2019، بل إن بعضهم اعتبر انتخابه آنذاك قطيعة مع منظومة الحكم السابقة.

ومن هذه الزاوية تبرز ضرورة إجراء نقد ذاتي داخل مختلف مكونات المعارضة أيضاً. فبعض القوى السياسية التي ساهمت، بشعاراتها الثورية، في مرحلة ما بعد 2011، شاركت بدرجات مختلفة في تكريس مناخ أصبحت فيه “الطهرية السياسية” عنواناً لمرحلة كاملة، وتحول فيه تخوين الخصوم واتهامهم بالارتباط بالنظام القديم إلى أداة من أدوات الصراع السياسي.

لقد أثبتت التجارب التاريخية في تونس والمنطقة أن إدارة شؤون الدولة لا يمكن أن تقوم على منطق الإقصاء والغلبة. فالدول لا تُدار بمنطق الانتصار الدائم لطرف على آخر، بل بقدرة المؤسسات على استيعاب الاختلاف وتحويل الصراع إلى منافسة سياسية سلمية.

قدّم قيس سعيّد نفسه لأنصاره وللشعب التونسي باعتباره مشروع إنقاذ من مآلات العشرية السابقة، غير أن نتائج السنوات الماضية أظهرت محدودية الحلول التي تم اعتمادها في مواجهة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. كما أن تفسير كل الأزمات من خلال خطاب “المؤامرة” التي تُحاك في “الغرف المظلمة” لم يعد كافياً لإقناع الرأي العام، أو جزء واسع منه على الأقل.

لقد كانت البلاد في غنى عن هذا الاستنزاف السياسي وإهدار الطاقات في صراع لا يؤدي إلا إلى مزيد من الاحتقان. فالأزمات المتراكمة لا تُعالج بتوسيع دائرة الخصومة، بل بإيجاد حلول سياسية قادرة على إعادة الثقة بين الدولة والمجتمع.

ومن أكبر الخسائر أيضاً ضياع سنوات ما بعد الثورة، التي حملت آمالاً في تغيير ثقافي وتحرري، وفي طرح قضايا كانت مؤجلة أو محظورة، والدفاع عن مكانة أفضل للفئات المهمشة والأقليات. غير أن تونس تجد نفسها اليوم أمام سؤال أكثر أساسية: كيف تحافظ على دولة القانون والمؤسسات، وتحمي الحقوق والحريات؟

ويبقى السؤال المركزي: ما العمل؟

إنه السؤال الذي طرحه الكاتب الروسي نيكولاي تشيرنيشفسكي، كما طرحته حركات سياسية وفكرية عديدة في لحظات الأزمات والهزائم. وهو اليوم سؤال تونسي بامتياز: كيف يمكن الخروج من وضعية لا غالب فيها ولا مغلوب؟

لقد أثبت تاريخ تونس منذ الاستقلال أن إدارة الخلاف السياسي بمنطق الإقصاء لم تؤدِّ إلى الاستقرار. وعندما تغيب السياسة، تحضر المحاكمات، لكن الأزمات لا تختفي.

ومن هنا يعود مجدداً خيار الحوار الوطني، الذي ساهم في نهاية سنة 2013 في تجنيب البلاد الانزلاق نحو الفوضى, بعد سلسلة الاغتيالات السياسية والعمليات الإرهابية التي هزت تونس. 

العفو والحوار :طريق ممكن للخروج من الأزمة

عايش كاتب هذه السطور, في نهاية حكم بن علي, تجربة المطالبة بالعفو التشريعي العام, حين كان هذا المطلب الحقوقي والسياسي يحظي بإجماع واسع باعتباره مدخلا لإنهاء ملف المساجين السياسيين في الداخل والخارج.

غير أن بن علي لم يستجب لهذا الطلب, ولم يلتفت إلى دعوات الدعوات المصالحة فكانت النتيجة ما عرفه التونسيون لاحقا مع اندلاع الثورة التي اسقطت نظامه وأجبرته على مغادرة البلاد في جانفي 2011.

واليوم , ورغم اختلاف السياقات, يمكن أن يشكل العفو التشريعي العام مدخلا لمسار سياسي جديد, شرط أن يكون جزءا من رؤية أوسع تقوم على الحوار والمراجعة والاحتكام إلى القانون.

فالعفو لا يعني تبرئة الجمع أو إسقاط المحاسبة, بل يمكن أن يكون خطوة سياسية لفتح الطريق أمام معالجة شاملة للملفات, والتمييز بين الجرائم الحقيقة والخلافات السياسية.

إن عقد حوار وطني جامع, يضم السلطة ومختلف أطياف المعارضة والقوى المدنية, يبقي خيارا ممكنا إذا توفرت الإرادة السياسية. وليس في ذلك تنازل من طرف لآخر, بل إدراك أن تونس لا تحتمل استمرار منطق القطيعة.

لقد أثبت تاريخ تونس الحديث أن المحاكمات السياسية لم تنه يوما الخلافات وأن أي سلطة لم تستطع أن تحكم طويلا بمنطق الإقصاء والغلبة. وما تغير عبر العقود ليس سوى أسماء الحكام والمعارضين, أما مشكلة إدارة الاختلاف فقد بقيت حاضرة.

قد يختلف التونسيون حول تشخيص الأزمة والمسؤوليات التي أوصلت البلاد إلى هذا المنعطف, لكنهم لن يختلفوا حول حقيقة أساسية: البلاد لم تعد تتحمل استمرار الوضع القائم.

إن إنقاذ تونس لا يكون بانتصار طرف على اخر, بل بانتصار الدولة على منطق القطيعة, وانتصار السياسة بما هي منافسة سلمية على منطق السجون والمحاكمات.

بقلم : هادي يحمد

المشاركة في هذا المقال