Print this page

هل تستطيع الحكومة إصلاح المالية العامة وإنقاذ الفقراء والاقتصاد من حالة الكساد؟ هل تستطيع الحكومة كسب هذا التحدي؟

تتمتع الحكومة اليوم بفرصة حقيقية لمساعدة الأسر

محدودة الدخل، وفي الوقت نفسه تحسين وضع الميزانية والمالية العامة. ويمكن للحكومة التونسية الاستفادة، في هذا السياق، من تجارب دول إسكندنافية مثل السويد والدنمارك.

الخيارات المتاحة أمام الحكومة محدودة: إما إصلاح الاقتصاد، وتحسين تحصيل الإيرادات الضريبية، وتوفير خدمات عامة جيدة، من الكهرباء والمستشفيات إلى شبكات النقل والقطارات، أو الاستمرار في مواجهة الأزمات الاقتصادية وتراجع الخدمات العامة إلى مستويات أكثر سوءاً.

هل تستطيع الحكومة كسب هذا التحدي؟

من أين ينبغي للحكومة أن تبدأ؟

تتمثل جذور جانب كبير من المشاكل الاقتصادية في تونس في العجز المزمن في الميزانية، وسوء إدارة الإيرادات الضريبية، وتجاهل الاقتصاد الموازي. وإذا تمكنت الحكومة من توسيع قاعدة التحصيل الضريبي لتشمل الاقتصاد الموازي، الذي يمثل 40% من حجم الاقتصاد، وإصلاح منظومة دعم الطاقة والغذاء، لا بإلغاء الدعم وإنما بإعادة توجيهه إلى الأسر المستحقة والأكثر حاجة، فسيصبح بالإمكان توفير الخبز والطاقة بأسعار يمكن للأسر الفقيرة والطبقة الوسطى تحملها، مع ضمان ألا يؤدي الإصلاح إلى تراجع مستوى معيشتها.

عندها يصبح من المشروع طرح أسئلة بسيطة:

لماذا تستفيد سيارة فاخرة من دعم الطاقة؟

لماذا يحصل شخص يتقاضى 3000 دينار شهرياً على دعم الخبز؟

لماذا يستفيد مصنع من إعانات ومزايا ضريبية لا يحتاج إليها؟

ولماذا يستفيد مهربو الوقود وغيرهم من مهربي السلع، ممن قد تصل مداخيلهم إلى 5000 دينار شهرياً، من دعم الخبز والوقود؟

يمكن للحكومة التونسية، وفق هذه المقاربة، توفير نحو 17,000 مليون دينار من الاقتصاد الموازي ومن إصلاح دعم الطاقة، ثم توجيه هذه الموارد إلى بناء محطات جديدة لتوليد الكهرباء ومستشفيات، وشراء قطارات جديدة، ورفع الحد الأدنى للأجور (SMIG) من 528 ديناراً حالياً إلى 900 دينار شهرياً، وزيادة المخصصات الشهرية للأسر الفقيرة من 280 ديناراً إلى 700 دينار.

في عام 2025، بلغت ميزانية دعم الغذاء والطاقة 12,000 مليون دينار، وفقاً للمصادر المذكورة، ومنها وزارة المالية وتقرير البنك المركزي التونسي لعام 2025.

وبدل دعم الأسعار بصورة عامة، يمكن للحكومة اعتماد تحويل مالي مباشر بقيمة 400 دينار شهرياً لكل أسرة يقل دخلها عن 1200 دينار شهرياً. ووفق هذا التصور، يمكن أن يتيح ذلك تقليصاً كبيراً في كلفة منظومة الدعم، وتوجيه جزء من الأموال المتوفرة إلى البنية التحتية والخدمات العامة.

التقدير الأولي بسيط: تحصل كل أسرة يقل دخلها عن 1200 دينار شهرياً على 400 دينار إضافية، ليصبح إجمالي دخلها 1600 دينار شهرياً، بما يساعدها على تحمل كلفة الغذاء والطاقة، بما في ذلك الخبز وأسطوانات الغاز والكهرباء.

وتوجد في تونس، وفق الأرقام الواردة في هذا التصور، نحو 1,300,000 أسرة يقل دخلها عن 1200 دينار شهرياً، وتتراوح مداخيلها بين 280 ديناراً و528 ديناراً و900 دينار و1200 دينار شهرياً. وتُنسب هذه المعطيات إلى وزارة المالية والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي.

1,300,000 × 400 دينار × 12 = 6,240,000,000 دينار سنوياً.

12,000 مليون دينار - 6,240 مليون دينار = 5,760,000,000 دينار من الوفر السنوي.

تحتاج تونس اليوم إلى إصلاح المالية العامة ووضع الاقتصاد على مسار نمو مستدام.

وإذا وُجّه الدعم إلى الفئات الأكثر فقراً، يمكن للحكومة تحرير موارد للاستثمار وخلق فرص العمل، بما يساعد على توسيع النشاط الاقتصادي واستعادة جزء من الإيرادات الضريبية المفقودة، وتحسين الخدمات العامة الأساسية، من الكهرباء والمياه إلى الرعاية الصحية.

وبحسب هذا التصور، تستطيع الحكومة تحصيل 12,000 مليون دينار إضافية من الاقتصاد الموازي، إلى جانب توفير نحو 5,000 مليون دينار من ميزانية الدعم البالغة 12,000 مليون دينار. ويعني ذلك تقليص حاجة الحكومة إلى الاقتراض من البنك المركزي أو النظام المصرفي، بما يحرر، وفق الفرضية المطروحة، أكثر من 17,000 مليون دينار من السيولة داخل النظام المصرفي لتوجيهها إلى تمويل القطاع الخاص واستهلاك الأسر.

ومن شأن زيادة التمويل المتاح، وفق هذه المقاربة، أن تدعم الاستهلاك والإنتاج، وتساهم في تحقيق نمو اقتصادي يتجاوز 5% سنوياً على مدى السنوات الخمس المقبلة.

القرارات الاقتصادية الخاطئة لها كلفة مباشرة

تسببت انقطاعات الكهرباء ونقص مياه الشرب وتراجع مستوى الخدمات العامة في تحويل الصيف إلى مصدر ضغط إضافي على الأسر التونسية. ولم تكن الكلفة اجتماعية فقط؛ فقد تحملت الأسر خسائر اقتصادية ومالية فعلية، في وقت تواجه فيه أصلاً ارتفاعاً في تكاليف المعيشة وتراجعاً في الدخل الحقيقي للفرد، مقوماً بالدولار الأمريكي، خلال السنوات الخمس الماضية.

وتواجه الحكومة تحديات كبيرة في إدارة المالية العامة وفي تحصيل الضرائب بصورة عادلة من مختلف مكونات الاقتصاد. كما أن العجز المزمن في الميزانية والميزان التجاري، وهما من أبرز مصادر الضغط على الاقتصاد، أصبحا عبئاً ثقيلاً على المالية العامة.

وتشير الأرقام الواردة في تقرير البنك المركزي التونسي إلى أن الإيرادات الضريبية بلغت 52.5 مليار دينار في عام 2025، فيما يذهب الجزء الأكبر منها إلى أجور القطاع العام والتحويلات والتدخلات الاجتماعية، التي بلغت 19.8 مليار دينار، وإلى سداد أقساط الديون السنوية، التي بلغت 15.8 مليار دينار. ولا يتبقى، وفق هذه الأرقام، هامش مالي كافٍ للاستثمار في البنية التحتية والخدمات العامة التي تحتاج إليها البلاد. (تقرير البنك المركزي التونسي، ص. 80).

وفي الوقت نفسه، تنفق الدولة مليارات الدنانير على دعم المواد الغذائية والطاقة. ومع ذلك، لم تطرح الحكومات المتعاقبة هذه المسألة بصورة واضحة أمام الرأي العام، ولم تُفتح مناقشة جدية حول إصلاح منظومة الدعم، لا إلغائها، وتوجيهه إلى الأسر التي تحتاج إليه فعلاً.

كما ارتفعت الأعباء الضريبية على الأسر، بحسب الأرقام الواردة في وثيقة ميزانية 2025 وتقرير البنك المركزي التونسي، بنسبة 8% في عام 2025 وبنسبة 7% في عام 2024، من دون أن يقابل ذلك تحسن مماثل في مستوى الخدمات العامة.

المشكلة أن النموذج الاقتصادي القديم، الذي قام على توفير وظائف منخفضة الأجور مقابل دعم واسع للغذاء والطاقة، لم يعد ينسجم مع الواقع الاقتصادي الحالي. تونس تحتاج إلى نمو مستدام، وإلى تغيير في طريقة إدارة الاقتصاد، وإلى إصلاحات تتعامل مع متطلبات القرن الحادي والعشرين بدل الاستمرار في معالجة اختلالات تعود جذورها إلى عقود مضت.

وهنا يمكن لتونس أن تستفيد من تجارب دول إسكندنافية، ولا سيما السويد والدنمارك.

منذ سبعينيات القرن الماضي، وعلى مدى نحو خمسين عاماً، اعتمدت تونس نموذجاً اقتصادياً يقوم بدرجة كبيرة على خلق وظائف منخفضة الأجور وتوفير دعم واسع لأسعار الغذاء والطاقة. كان هذا النموذج أكثر قابلية للاستمرار في السبعينيات، عندما كان سعر برميل النفط الخام في حدود 3 دولارات، وكان الدينار التونسي يعادل نحو 2.40 دولار أمريكي، وكان الدين العام منخفضاً، وكانت تونس دولة مصدرة للنفط الخام.

لكن المعطيات تغيرت جذرياً. لم تعد الدولة تملك الموارد المالية التي كانت متاحة لتمويل الدعم، في ظل العجز المزمن في قطاع الطاقة، وفي الوقت نفسه تمويل الاستثمارات الضرورية في محطات توليد الكهرباء والمستشفيات وشبكات النقل وغيرها من الخدمات العامة.

ما تحتاجه تونس هو نموذج اقتصادي حديث يقوم على أجور أعلى وإنتاجية أكبر، مع دعم أقل استهدافاً وأعلى كفاءة. أما النموذج الذي يجمع بين الأجور المنخفضة والدعم الواسع للغذاء والطاقة، والذي كان مناسباً لظروف السبعينيات، فقد أصبح أكثر صعوبة في الاستمرار في القرن الحادي والعشرين.

وقد مرت دول آسيوية وجنوب شرق آسيوية، مثل كوريا الجنوبية وماليزيا وسنغافورة وتايوان والصين، بتحولات اقتصادية عميقة منذ السبعينيات والثمانينيات. بدأت هذه الاقتصادات من مستويات دخل منخفضة، ثم نفذت إصلاحات واستثمارات واسعة غيّرت بنيتها الاقتصادية، ورفعت الإنتاجية ونصيب الفرد من الدخل، وطورت قطاعاتها الصناعية، وخفضت البطالة، ورفعت معدلات الادخار مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي.

الخلاصة

  1. إصلاح المالية العامة هو نقطة البداية.

المشكلة الأساسية تكمن في السياسة المالية وفي طريقة توزيع الموارد. فإذا أصلحت الحكومة المالية العامة، وأعادت تصميم منظومة الدعم وتقليص كلفتها دون إلغائها، ووسعت التحصيل الضريبي ليشمل الاقتصاد الموازي، الذي يمثل 40% من الاقتصاد وفق التقديرات الواردة، وخفضت اعتمادها على الاقتراض من البنوك التجارية، فستتوفر موارد وسيولة أكبر يمكن توجيهها إلى القطاع الخاص والاستثمار.

ووفق هذا التصور، يمكن إدماج جزء كبير من الاقتصاد الموازي في الاقتصاد الرسمي، بما يوسع القاعدة الضريبية ويزيد قدرة الدولة على تمويل الخدمات والاستثمار.

  1. الإصلاح المالي يتيح سياسة نقدية أكثر فاعلية.

كلما تراجعت حاجة الحكومة إلى الاقتراض من النظام المصرفي، زادت الموارد المتاحة لتمويل المؤسسات والأسر. كما يمكن أن تصبح السياسة النقدية للبنك المركزي أكثر فاعلية في بيئة اقتصادية يكون فيها الجزء الأكبر من النشاط الاقتصادي رسمياً.

ووفق الفرضية المطروحة، يمكن أن تصل نسبة الاقتصاد الرسمي إلى 90%، مقابل 10% للاقتصاد غير الرسمي، خلال السنوات الثلاث المقبلة، بما يسمح بخفض أسعار الفائدة إلى 4% وتحسين انتقال السياسة النقدية إلى الاقتصاد الحقيقي.

  1. إعادة تصميم الدعم لا تعني إلغاءه.

يمكن للحكومة، بالتزامن مع التحويلات النقدية المباشرة، تعديل أسعار بعض المواد والخدمات المدعومة. ووفق التصور المقترح، يمكن أن يصل سعر رغيف الخبز من نوع "الباغيت" إلى 400 مليم، وسعر أسطوانة الغاز إلى 40 ديناراً، وتكلفة الكهرباء إلى 400 مليم لكل كيلوواط/ساعة.

ويهدف التحويل النقدي المباشر بقيمة 400 دينار شهرياً لكل أسرة مستحقة إلى تعويض الأسر عن الزيادة في تكاليف الغذاء والطاقة، مع تمكين الحكومة من تقليص كلفة الدعم وتوفير نحو 5,000 مليون دينار سنوياً، بحسب التقديرات الواردة في هذا التصور.

  1. تخفيف العبء الضريبي على الموظفين يمكن أن يواكب إصلاح الدعم.

وبالتوازي مع إعادة هيكلة دعم الغذاء والطاقة، يمكن للحكومة خفض ضريبة الدخل بمقدار 50 ديناراً شهرياً لفائدة 700 ألف موظف حكومي، بما يمنحهم هامشاً إضافياً لمواجهة الزيادة في كلفة الخبز والكهرباء.

المسألة في النهاية ليست إلغاء الدعم أو الإبقاء عليه بصورته الحالية. المسألة هي: هل تواصل الدولة إنفاق موارد محدودة على دعم الأسعار بصورة يستفيد منها الفقير والغني والمصنع والمهرب في الوقت نفسه، أم تعيد توجيه هذه الموارد إلى من يحتاج إليها فعلاً، وتستخدم الجزء المتبقي لتمويل الاستثمار والخدمات العامة والنمو؟

بقلم: العربي البوهالي

إدارة الأصول العمليات العالمية

سيدني، أستراليا

المشاركة في هذا المقال