Print this page

ما فعلته بنا الثّمانينات

اتّشحت شبكة فيسبوك في الأيّام القليلة الماضية

بثوب الثّمانينات، إذ اندفع الآلاف إلى تغيير صورهم، مستعينين بالذّكاء الاصطناعيّ، في موجة حنين جارفة لعشريّة مُثقلة بالتحوّلات الكبرى – لم تكن تونس بمعزل عنها.

علِق بذهن ما اصطلح على تسميته بجيل الانتقال – أي مواليد السّبعينات والثّمانينات – انطباع اللّهو والمرح، كعنوان رئيسيّ لتلك الحِقبة، مع تعميم التّلفاز الملوّن وأشرطة الكاسيت والفيديو.

يحنّ ذلك الجيل، بفِعل الذّكريات، إلى ما ظنّه نظافةً بشوارع تونس، حركة السّير فيها سلسة ومنظّمة، والمترجّلون منضبطون. يحسَب أنّ التّعليم كان عالي الجودة وخدمات الصّحّة مقبولة. أمّا الأسعار فكانت بمتناول الجميع. هكذا يٌهيّأ له. ثمّة جانب من الصّحّة في هذا الكلام، لكن لا نستطيع إغفال اختلاط المتمثّل الرّومانسيّ مع الضّعف الإنسانيّ أمام الحكم على زمنٍ سابقٍ بوعيٍ لاحقٍ. كما لا يُمكن إسقاط المشترَك الوجدانيّ من حسابتنا، فقد جمع أبناء بين جيل الانتقال، في معظم الأحيان، الملبس ذاته والكتب ذاتها وبرامد التّلفاز ذاته، لنُدرة الكماليّات.

شكّلت كلّ تلك العناصر حلمًا جمعيًّا يُغذّيهتعليم كان لا يزال حينها مصعدًا اجتماعيًّا بامتياز، فيما كانت البلاد تزخر بأجواء مشجّعة على الإقبال على الثّقافة والفنّ والعلم، إذ كانت تعدّ أكثر من 200 نادٍ للسّينما ومثلها من النّوادي العلميّة، بينما طرقت الفرق المسرحيّة الجهويّة أبواب العاصمة وفرضت نفسها بأحقّيّة واقتدار.

كانت معظم المدن التّونسيّة تشهد ثورة ثقافيّة حقيقيّة، لعلّ من أبرز معالمها تعدّد المطبوعات المحلّيّة، خاصّة الفكريّة منها.

ومثّلت الحركة الكشفيّة بدورها فضاءً رحبًا للتّطوّع، بينما شهدت المعاهد، عبر الشّبيبة المدرسيّة، زخمًا هائلًا، رافقته نقاشات الجامعات من خلال اتّحادات الطّلبة.

كان ثمّة حراك هامّ في تونس، الخارجة للتّوّ من صِدامٍ خطيرٍ بين نظام الرّئيس الرّاحل، الحبيب بورقيبة، والاتّحاد العامّ التّونسيّ للشّغل. أقرّ الرّجل، وقد بدأت معركة خلافته بالتّنامي شيئًا فشيئًا، التّعدّديّة الحزبيّة، في الوقت الّذي بدأت تثبت فيه أقدام الصّحافة المستقلّة أكثر فأكثر.

كان الوضع السّياسيّ والحقوقيّ في البلاد متوتّرًا توتّر المخاض، يقتربمن الوضع في إسبانيا والبرتغال، المتردّدتين حيال تجربة الانتقال الدّيمقراطيّ، بعد عقود من حكم ديكتاتوريّة العسكر. وكذا كانت اليونان وقبرص. أمّا إيطاليا، فقد وقعت بين فكّي المافيا بأذرعها الثّلاثة في صقلّيّة ونابولي وكالابريا– وقد تخلّصت للتّوّ من كابوس التّنظيمات اليساريّة المتطرّفة – وفساد النّخبة السّياسيّة الّتي تعاقبت على حكم البلاد، منذ نهاية الحرب العالميّة الثّانية.

يُنظر إلى تونس آنذاك على أنّها الأقرب إلى الدّيمقراطيّة، في منطقة عربيّة غارقة في الانقسامات والاستبداد – ومتى لم تكن كذلك؟ -. ما الّذي حدث بعد ذلك؟ ما الّذي أوقف كلّ تلك الدّيناميّة؟

في الواقع، لم تكن الثّمانينات رحيمةً، أصلًا، بتونس. فقد بدأت العشريّة منذ أسابيعها الأولى بحدث جلل تمثّل في توغّل مسلّحين، قدِموا من ليبيا والجزائر، داخل الأراضي التّونسيّة وهاجموا ثكنة عسكريّة بمدينة قفصة. ركّز نظام بورقيبة ضرباته الإعلاميّة والسّياسيّة على طرابلس، تاركًا مهمّة الرّدّ على الجزائر للعاهل المغربيّ، الحسن الثّاني، الّذي أشرف بنفسه على حملة علاقات دوليّة دفاعًا عن تونس، كان يُشدّد فيها على تماسك الدّولة.

تماسكت الدّولة، بالفعل، لكنّ نظام بورقيبة انهار – سياسيًّا على الأقلّ - في قفصة. فالقاعدة السّياسيّة واضحة، بهذا الصّدد: إنّ أيّ نظام يعجز عن حماية حدوده وأراضيه يفقد شرعيّته.

وعلى العموم، لم يتأخّر نظام بورقيبة في تأكيده فقدان شرعيّته، ففي خريف 1981، أجهز تمامًا على أحلام التّونسيّين في الإصلاح، بتزوير أوّل انتخابات تشريعيّة تعدّديّة في تاريخ البلاد بشكل فجّ – حتّى في "فنون" التّزوير -. فجأةً، اصطدم تيّار إصلاحيّ انطلق من رحِمِ الحزب الاشتراكيّ الدّستوريّمنتصف السّبعينات، بالتّزامن مع إطلاق المعتقلين السّياسيّين من اليسار، وتأسيس الرّابطة التّونسيّة للدّفاع عن حقوق الإنسان، بحقيقة أنّ النّظام لا يَصلح ولا يُصلَح.

"دخلت خضراء طلعت حمراء"، تلك المزحة الّتي خلّدت عمليّة التّزوير، في إشارة إلى تغيير بطاقات الاقتراع من حركة الدّيمقراطيّين الاشتراكيّين إلى الحزب الاشتراكيّ الدّستوريّ، اتّضح، بعد سنوات، أنّها سخيفة، لحطّها من حجم الكارثة. وليس من باب المبالغة لو قلنا إنّ كلّ ما جاءلاحقًا كانت نتيجة تلك الكارثة، بما في ذلك انقلاب السّابع من نوفمبر 1987.

لكن، لسائلٍ أن يسأل، هنا: ألم نكن مستعدّين للانتقال السّياسي، سنة 1981، أكثر ممّا كنّا عليه، سنة 2011؟ فالثّورة الّتي أطاحت ببن عليّ مثّلت صرخةً مشروعةً – بل وضروريّةً – ضدّ الاستبداد، لكنّها سرعان ما اصطدمت بهشاشة القوىالسّياسيّة والنّقابيّة والحقوقيّة بعد 23 عامًا من حكم مطلق، جعل أغلب التونسيين يديرون ظهرهم للشّأن العامّ بفعل التّرهيب. الفرق بين اللّحظتين أنّالأولى جدّت في ظلّ توازنٍ نسبيٍّ بين الدّولة والمجتمع انتهت الدّولة نفسُها بتقويضه، بينما تزامنت الثّانية مع تآكل المَجمع السّياسيّ برُمّته جرّاء الفراغ الّذي تركته سنوات الاستبداد.

اليوم، ونحن نرى موضة الثّمانينات تعود عبر الذّكاء الاصطناعيّ، نُدرك أنّها كانت لحظةً سياسيّةً ضائعة، خاصّة أنّ المجتمع كان مستعدًّا لها، بل ومُرحِّبًا بها. والخوف، اليوم، - ونحن لا نزال نجترّ خيبات ما بعد 2011 – كلّ الخوف، أن تمرّ عقود على الأجيال الوليدة الحالية لتقف مثل وقفتنا هذه وتذكر اللّحظة الرّاهنة بكثير من السّخط والنِّقمة.

بقلم: بسّام بوننّي

المشاركة في هذا المقال