Print this page

تونس تُعلّم.. والخارج يجني الثمار (2) هجرة الكفاءات.. الخارج يطلب؛ والتكوين يستجيب

إذا كان الجزء الأول من هذا المقال قد توقف عند سؤال

تشكّل المخيال - كيف أصبح الخارج أفقاً للنجاح قبل أن يصبح قراراً؟ - فإن التحول الأكثر إلحاحاً اليوم يتجاوز المخيال إلى التدخل في مسار التكوين. فلم يعد الخارج يكتفي باستقبال خريج يبحث عن عمل، بل بدأ يحضر في اختيار الاختصاصات، وفي تصميم البرامج وفق حاجات أسواق خارجية، وفي اتفاقيات توجّه التكوين نحو وجهة محددة. وهنا يبرز سؤال جديد: هل نحن أمام فرصة للشباب، أم أمام مرحلة يصبح فيها التكوين العمومي أداة لخدمة حاجات الخارج أكثر من حاجات المجتمع الذي موّله؟

في السنوات الأخيرة، تطورت صيغ التعاون التونسي-الإيطالي في التشغيل والتكوين المهني، من مجرد تسهيل الانتداب إلى ربط بعض برامج التكوين بحاجات محددة لسوق العمل الإيطالية. ففي أفريل 2026 أُعلن عن اتفاقية إطار بين الوكالة الوطنية للتشغيل والعمل المستقل والوكالة التونسية للتكوين المهني والوكالة الإيطالية للتشغيل، تنظم تكوينات تكميلية في الاختصاصات التقنية والسلامة المهنية واللغة والثقافة الإيطالية، إلى جانب اتفاقيات حددت اختصاصات مطلوبة، كاللحام والبناء المعدني، مع مسارات لإدماج الخريجين في مؤسسات إيطالية.ولا تقتصر هذه الديناميكية على إيطاليا، إذ تزايد الطلب الأوروبي، والألماني خصوصاً، على الممرضين وتقنيي الصحة، حتى بدأت بعض مسارات التكوين الصحي في تونس تتشكل على أفق هذا الطلب الخارجي.

والأهم أن هذه الاتفاقيات تختصر مساراً من ثلاث محطات:كان الخارج يستقبل ما ينتجه الداخل، ثم أصبح يطلبه، والآن بدأ يؤثر فيما ينتجه من الأساس. فالدولة التي كانت، منذ اعتماد النموذج الفرنسي المركزي، الفاعل الأساسي في تحديد اتجاه التعليم ومناهجه ومساراته، تجد نفسها أمام فاعل جديد: حاجات سوق العمل الخارجية.

قد يكون هذا التعاون ذكياً، لكنه يصبح إشكالياً حين تتحول الحاجة الخارجية إلى بديل عن السؤال الأصعب: ماذا نكوّن، ولمن؟ فالمشكلة ليست في أن يعمل شاب تونسي في الخارج؛ المشكلة تبدأ حين تصبح الإجابة جاهزة من الخارج، بينما يظل سؤال "ماذا يحتاج مجتمعنا؟" مؤجلاً.

وهنا تلتقي المسألة بثقافة الانتظار من الدولة.فالعقد الذي قامت عليه المدرسة منذ الاستقلال- الدولة تستثمر، والأسرة تراهن، والفرد يتعلم، والمجتمع يستوعب - لم يختفِ من الوعي، فيما انهارت شروطه الاقتصادية. والدولة التي كانت توظف وتحمي، تواجه اليوم موارد أضيق واقتصاداً أقل قدرة على الاستيعاب.

ولم ينشأ هذا النمط من فراغ، بل تجسّد في أسلوب حكم بيروقراطي قوامه ترقيع الأزمات وتأجيلها، لا حلها. ولم يأتِ هذا التوصيف من خارج التجربة؛ فقد جاء على لسان صلاح الدين الشريف، الذي شغل مواقع عليا في الإدارة والقضاء والحكومة ورئاسة الجمهورية منذ سبعينيات القرن الماضي، وتولّى الكتابة العامة لرئاسة الجمهورية بين 1999 و2011. ففي كتابه مع محمد المنصف القصيبي، «حقائق عن شخصية زين العابدين بن علي وأسلوب حكمه» (2016)، وصف هذا الأسلوب بأن بن علي "كان يتحاشى مواجهة بعض الملفات الكبرى" ويميل إلى «حلول جزئية» لا يتجاوز مفعولها "مجرد التسكين"(ص. 108.(وهي شهادة تكشف، من داخل تجربة الحكم، كلفة غياب المعالجة الجذرية: مشكلات كبرى تظل قائمة ومرشحة للانفجار.

ومن هنا نشأ فراغ بين ما ينتظره الفرد وما تستطيع الدولة توفيره.يبحث كل طرف عن مخرج:الفرد بالهجرة، والدولة بفتح قنوات للتكوين المرتبط بفرص التشغيل الخارجية. وفي هذا الفراغ يعود الخلط بين التحديث والتغريب، لكن هذه المرة لتحديد مرجعية الاختيار لا صورة النجاح. فحين لا يستطيع الداخل تحديد أولوياته، يصبح النموذج الخارجي مرجعاً عملياً يقدم إجابة جاهزة عن سؤال التكوين.وهكذا يغدو الخارج جذاباً بصورة مضاعفة: سوق عمل أفضل للفرد، وقناة لتخفيف ضغط البطالة عن الدولة، ومرجعاً لمؤسسات التكوين حين يغيب المعيار الداخلي.

وبذلك لا يبدأ اختلال عائد الاستثمار في المعرفة بعد التخرج فقط؛ إنه يدخل في حلقة مفرغة: كلما ترحّلت المهارات إلى الخارج، ضعف البناء المؤسسي والإنتاجي في الداخل، وارتفعت الحاجة إلى مزيد من تصدير التكوين واليد العاملة. وتجد هذه الحلقة تفسيراً في أطروحة دارون أسيموغلو وجيمس روبنسون في كتابهما «لماذا تفشل الأمم» (2012)، التي تربط تعثّر الأمم بضعف مؤسساتها الاقتصادية والسياسية. فإدارة الهجرة لتدبير البطالة، وتوجيه التكوين لتلبية طلب خارجي، واعتبار التحويلات تعويضاً عن ضعف الإنتاج الداخلي، كلها تعالج النتائج دون أسبابها المؤسسية، وتغذي الحلقة المفرغة نفسها.

لذلك لا ينبغي أن يكون السؤال منع الهجرة، بل جعلها حركة ذات عائد متبادل: هجرة تحمي حقوق المهاجرين، وشبكات تربط كفاءات الخارج بالاقتصاد والجامعة والمؤسسات في الداخل، بحيث تتحول الجالية من مجرد مصدر للتحويلات إلى رصيد معرفي واستثماري.

لكن ذلك يظل علاجاً جزئياً ما لم نعد إلى السؤال الأول: ماذا نريد من التعليم؟ وتذكّرنا تجارب شرق آسيا، من اليابان وكوريا الجنوبية إلى الصين، بأن التعليم لا يتحول تلقائياً إلى تنمية ما لم تسنده مؤسسات قادرة على تحويل المعرفة والكفاءة إلى قدرة إنتاجية. فالمعيار الحاسم ليس محاكاة الآخرين، وإنما امتلاك أسباب القوة وتحديد الأولويات بما يلائم حاجات المجتمع.

فالتعليم وحده لا يخلق الوظائف، لكنه يستطيع أن يكون جزءاً من منظومة تجعل المسار أوضح: التعليم ينتج الكفاءة، والكفاءة تجد عملاً، والعمل ينتج قيمة، والقيمة تفتح أفقاً يستحق البقاء. وحين تنقطع هذه السلسلة، يصبح النجاح الدراسي مفارقة: المجتمع الذي موّل التكوين لا يحصل على نصيبه من رأس المال البشري الذي كوّنه.

وفي النقاش العام، يبدو جدل «هجرة الكفاءات: فرصة أم نزيف أم خيار» أقل أهمية من السؤال الذي يقع وراءه: من يحدد ما الذي تُعلّمه تونس، وعلى أي أفق؟ فجوهر المسألة يعود إلى العقد الضمني الذي قامت عليه المدرسة منذ الاستقلال، وهو عقد انهارت شروطه الاقتصادية دون أن يُستبدل بغيره. لذلك تحتاج تونس اليوم إلى رؤية جديدة وعقد اجتماعي جديد للتربية والتعليم، يجعل التعليم أكثر من طريق إلى سوق العمل:مشروعاً جماعياً يصل المعرفة بالعمل، والكفاءة بالتنمية، والنجاح الفردي بالمصلحة العامة.

بقلم: مصطفى الشيخ الزوالي

المشاركة في هذا المقال