و السّلع أو محدوديّة إنتاجها. بيد أنّ الواقع الاقتصادي أكثر تشعّبا وتعقيدا. ذلك أن المنتج قد يكون متوفّرا في مصدره، في حين يصعب على المستهلك الوصول إليه، سواء كان ذلك راجعا إلى ارتفاع الطّلب بشكل مفاجئ، أو إلى تراجع المخزون أو تعطّل إحدى حلقات الإنتاج أو النّقل أو التّوزيع. وهنا تتحوّل النّدرة من مسألة تتعلّق بالإنتاج، إلى اختبار فعليّ لقدرة السّوق على الإستجابة إلى الطلب الإستهلاكي.
و لعلّ ما شهدته السوق التونسيّة من اضطرابات في التّزوّد بالمياه المعلّبة خلال صيف 2026 يقدّم مثالا واضحا لفهم هذه المعادلة، حيث ارتفع الطّلب الإستهلاكي خلال فترات الحرارة بنحو 30 بالمائة مقارنة بالمعدّلات الصيفيّة المعتادة، في وقت أدّى فيه استنزاف جزء من مخزونات الإحتياط، إلى جانب اضطرابات في الإنتاج، مرتبطة بدورها باضطرابات أخرى في الطّاقة، إلى التّأثير على نسق التّزويد والتوزيع.
هذا المثال، يكشف أهميّة ما يسمّى إقتصاديّا بـ "سلسلة التّزويد". حيث أنّ المنتوج لا ينتقل مباشرة من المنتج إلى المستهلك، و إنّما يمرّ عبر سلسلة تبدأ بالإنتاج، ثمّ التّخزين، والنّقل، فالتّوزيع، وصولا إلى نقطة البيع، وأيّ اختلال في حلقة واحدة من هذه الحلقات، يمكن أن ينعكس على الحلقة التي تتلوها، حتّى وإن كان بوسع القدرة الإنتاجيّة، في الظروف العاديّة، تغطية الطّلب.
في هذا المستوى، تظهر أهميّة المخزون. فهذا الأخير، لا يتمثّل في مجرّد كمّية تنتظرالبيع، بل يشكّل في واقع الأمر، هامش الأمان الذي يسمح للسوق بإمتصاص الصّدمات المؤقّتة. بيد أنّه، وحين يتجاوز الطّلب المتوقّع مستويات الذّروة المعتادة، يمكن لهذا الهامش أن ينخفض بسرعة، فتظهر النّدرة على مستوى نقطة البيع، قبل أن يصبح هنالك نقص حقيقي في القدرة الإنتاجيّة.
ويتبيّن تبعا لذلك أنّ النّدرة لا تعني بالضرورة غياب الإنتاج، وهنا تكمن المفارقة: فقد تكون الطّاقة الإنتاجيّة موجودة، لكنّ الإرتفاع المفاجئ للطلب من شأنه أن يضغط على المخزون، ثم على الإنتاج، فالنقل والتّوزيع، قبل أن يشعر المستهلك بالنتيجة النّهائيّة حيث يكون المنتوج موجودا في مكان ما، لكنّه غير متوفّر حيث يحتاجه المستهلك و في الوقت الذي يحتاجه.
وعليه، فإنّ السّوق الأكثر مرونة، هي تلك التي تستطيع زيادة الإنتاج أو إعادة توزيع المخزون أو تسريع النقل عند ارتفاع الطلب. غير أنّه، و عندما تكون الإستجابة بطيئة، فإنّ ارتفاعا بسيطا في الطّلب يمكن أن يتحوّل سريعا إلى اضطراب محسوس لدى المستهلك.
ويأخذ مفهوم النّدرة بعدا آخر حين ننتقل من مسألة توفّر المنتوج إلى سعره. فمع تسجيل نسبة تضخم بلغت 5.1 بالمائة في جويلية 2026، ارتفعت أسعار المواد الغذائيّة بنسبة 6.6 بالمائة على أساس سنوي. و يذكر أنّ الأسعار تظهر عادة في نهاية السّلسلة. فعندما يرتفع الطّلب دون أن يستطيع العرض الإستجابة له بالسرعة ذاتها، ينشأ ضغط طبيعي على الأسعار. بيد أنّ ارتفاع السّعر لا يعني دائما وجود مضاربة أو احتكار، حيث يمكن أن يكون ارتفاع الأسعار نتيجة مباشرة لاختلال مؤقت بين العرض و الطّلب.
غير أن الوضع يصبح مختلفا عندما تتحوّل النّدرة إلى فرصة لحجب المنتجات أو رفع الأسعار بصورة غير مبررة، فقد كشفت أرقام المراقبة الإقتصاديّة خلال الفترة من 1 إلى 18 أوت 2026، جانبا من هذه المسألة، حيث تمّ تسجيل 291 مخالفة في قطاع المياه المعدنيّة مرتبطة بتجاوزات الأسعار والممارسات الإحتكاريّة، مع حجز أكثر من 186 ألف لتر من هذا المنتج. وهنا يصبح التمييز ضروريّا بين الندرة الإقتصاديّة باعتبارها اختلالا في السوق، و استغلال الندرة باعتباره سلوكا داخل السوق.
وتبعا لذلك، فإنّ الإشكال الاقتصادي الحقيقي لا يتعلّق بتوفّر السلع من عدمه، بل بمدى قدرة السوق على توفيرها بالكمّيات المناسبة، و في المكان و الوقت المناسبين، و بالأخصّ بسعر مقبول لدى المستهلك. وعندما يصبح هذا الأمر صعبا، تتحوّل سلسلة التّزويد برمّتها إلى اختبار حقيقي لكفاءة السوق و مرونتها.
فالوفرة في المصنع لا تكفي إذا تعثرت شبكة التوزيع، و المخزون لا يكفي إذا تجاوز الطلب التوقّعات، و الإنتاج وحده لا يضمن انتظام التزويد في صورة تعرّض احدى حلقاته لإضطراب.
لكن، من المهمّ أيضا التّمييز بين النّدرة الظّرفيّة و النّدرة الهيكليّة. فالإضطراب المؤقت في سوق منتج معيّن لا يعني أنّ الاقتصاد دخل في ما يعرف بـ "إقتصاد النّدرة"، بل قد يكون، على العكس، اختبارا لقدرة السّوق والمؤسسات على التّكيّف مع الصّدمات المفاجئة.
وهنا تكمن أهميّة الدّرس الاقتصادي لصيف 2026، حيث أنّ قوّة السّوق لا تقاس بقدرتها على إنتاج السلعة فحسب، بل وبقدرتها كذلك على إيصالها إلى المستهلك في صورة ارتفاع الطّلب أو تغيّر الظروف، دون أن يدفع هذا الأخير كلفة عدم التّوازن بين العرض و الطلب أو الإضطرابات الحاصلة على مستوى سلسلة التزويد.
بقلم: كريم بن حميدة - باحث في القانون والاقتصاد الرقمي