Print this page

الانتقال الطاقي في تونس: الواقع الميداني يدركنا دائما

على مدى ثلاث سنوات، أُعيد النقاش حول

الوضع الطاقي إلى إجابة تكاد تكون وحيدة: مشاريع الطاقة الشمسية الكهروضوئية الكبرى. كان يُفترض أن تستقطب الطاقة الشمسية المستثمرين، وأن تتيح بسرعة إضافة قدرات جديدة إلى إنتاج الكهرباء، وأن تقلّص اعتمادنا على الغاز. وعلى الورق، بدأ الواقع بسيطاً. لكن ما حصل هذا الصيف يذكّرنا بأن منظومة الكهرباء لا يمكن أن تقوم على عنصر واحد من عناصرها.

لقد غيّرت عمليات قطع الكهرباء طبيعة النقاش. فلم تعد الكهرباء مجرد مسألة تخص المهندسين أو الاجتماعات الوزارية، بل أصبحت تمسّ الحياة اليومية بشكل مباشر، منزل يُحرم من التكييف، ومحل تجاري يخسر بضاعته، وورشة تضطر إلى إيقاف نشاطها، ومصنع يعجز عن احترام آجال الإنتاج. ففي غضون ساعات قليلة، يمكن لانقطاع الكهرباء أن يلغي أسابيع من الجهود، وأن يزعزع الثقة في البلاد بأكملها.

وقد طُرحت عدة تفسيرات لهذه الوضعية، من بينها ضعف الاستثمار في وسائل الإنتاج التقليدية، وتقادم الشبكة، وتزايد موجات الحر، والانتشار الواسع لاستخدام أجهزة التكييف. وهذه العوامل حقيقية. لكن مجرد تعدادها لا يكفي. إذ تبقى هناك مسألة أساسية: لماذا لم يقع الاستعداد بشكل أفضل لوضع كان متوقعاً إلى حد كبير؟

على مدى عقود، مثّلت الشركة التونسية للكهرباء والغاز نجاحاً وطنياً. فقد مكّن مهندسوها وتقنيوها وخبراتها المتراكمة من إيصال الكهرباء إلى مختلف أنحاء البلاد، كما تم الاستعانة بكفاءاتها خارج تونس. وترسخ نوع من العقد الضمني، كانت الشركة التونسية للكهرباء والغاز تدير منظومة معقدة، وكان المواطنون يثقون بها. وقد اهتزّ هذا العقد خلال هذا الصيف. ولا تقتصر المسؤولية على نساء ورجال الشركة، بل تشمل أيضاً الإمكانيات التي توضع على ذمتها، والخيارات التي تعتمدها سلطة الإشراف، وطريقة إدارة القطاع بأكمله.

إستراتيجية أصبح من الصعب فهمها

كان من المفترض أن توفر الإستراتيجية المعتمدة سنة 2023 مساراً واضحاً. وقد رُفعت الأهداف، ووُجّه 78 بالمائة من الجهد المبرمج نحو مشاريع اللزمات، أي محطات الإنتاج الكبرى التي يستغلها مستثمرون يتم اختيارهم من قبل الدولة. أما التراخيص والإنتاج للاستهلاك الذاتي، الذي يتيح للأسر والمؤسسات إنتاج جزء من احتياجاتها من الكهرباء، فقد أُسندا موقعاً ثانوياً. ورغم التأخيرات والتحفظات التي أُثيرت، حافظت الجداول الزمنية التفصيلية والاتصال الرسمي، لفترة طويلة، على انطباع بوجود سيطرة على المسار. لكن القرارات الأخيرة جعلت هذه الإستراتيجية أكثر ضبابية. فهناك دعوة لإنجاز مشاريع لإنتاج الكهرباء من الرياح بقدرة 2000 ميغاواط، مقابل 1200 ميغاواط في الإستراتيجية. كما بلغت مشاريع الطاقة الشمسية الكهروضوئية المقبولة في إطار نظام التراخيص 743 ميغاواط خلال سنتين، مقابل 350 ميغاواط مبرمجة، في حين رُفعت القدرة المخصصة للاستهلاك الذاتي إلى 1000 ميغاواط بدلاً من 350 ميغاواط.

يمكن أن يكون رفع الطموحات خبراً جيداً. لكن مثل هذه الفوارق تتطلب تحييناً علنياً للإستراتيجية. هل يتعلق الأمر بتكوين محفظة مشاريع تفوق الحاجيات، تحسباً لعدم إنجاز بعضها؟ أم أن الأمر يعكس طلباً على الكهرباء يفوق التوقعات؟ في كلتا الحالتين، من الضروري توضيح أي المشاريع سينجز، وأين سيتم ربطها بالشبكة، ووفق أي جدول زمني.

الميغاواطات وحدها لا تصنع منظومة كهربائية

فالإعلان عن قدرات إنتاجية جديدة لا يعني، في حد ذاته، إنتاج الكهرباء المتاحة في الوقت المناسب. فالمحطة الشمسية تنتج أساساً خلال ساعات النهار، في حين يمكن أن تبلغ الاستهلاكات ذروتها في وقت لاحق. أما إنتاج طاقة الرياح، فيبقى مرتبطاً بقوة الرياح. وتحتاج الشبكة إلى نقل الطاقة إلى المستهلكين، وإلى الحفاظ، في كل لحظة، على التوازن بين العرض والطلب. وهذا يتطلب محطات إنتاج قابلة للتحكم، وقدرات للتخزين، وربطاً كهربائياً مع الدول الأخرى، وإدارة نشطة للاستهلاك، وأدوات دقيقة للتنبؤ. ومن دون هذه العناصر مجتمعة، فإن تراكم المشاريع لا يضمن لا استمرارية الخدمة ولا أمن الطاقة.

لذلك، تحتاج تونس إلى نقاش يتجاوز مجرد إسناد اللزمات. فالمحطات الشمسية وطاقة الرياح الكبرى لها مكانها، لكنها يجب أن تندرج ضمن نموذج يجمع بين الاستهلاك الذاتي، والمشاريع متوسطة الحجم، والنجاعة الطاقية، وتحديث الشبكة، وإدارة ذروة الاستهلاك. ويجب أن يعمل هذا النموذج أيضاً على خفض فاتورة الطاقة بشكل مستدام، وتعزيز تنافسية المؤسسات، وتحديد القيمة التي تريد تونس خلقها محلياً، الدراسات، والمعدات الكهربائية، والهياكل، والبرمجيات، والتركيب، والصيانة والخدمات.

استعادة الثقة عبر النتائج

الأولوية الأولى هي الشفافية ويتعين على الوزارة والشركة التونسية للكهرباء والغاز أن تشرحا بدقة أسباب عمليات قطع الكهرباء، وأن تنشرا وضعية أسطول الإنتاج والشبكة، وأن تقدما حجم الاستثمارات الضرورية، وأن تعلنا عن جدول زمني يمكن التحقق منه. كما ينبغي أن يتضمن التقرير السنوي تمييزاً واضحاً بين القدرات المعلنة، والمشاريع المرخص لها، والمشاريع الممولة، والمشاريع المنجزة، والمشاريع المرتبطة فعلياً بالشبكة.

يمكن للمواطنين أن يتفهموا الصعوبات التقنية والمالية، لكنهم أقل استعداداً لقبول الصمت، وتغيّر الأهداف، والوعود التي لا تتبعها حصيلة واضحة.

أما الأولوية الثانية، فتتمثل في منح الشركة التونسية للكهرباء والغاز الوسائل التي تمكّنها من أداء مهمتها، بالتوازي مع تحديث حوكمتها. فالدفاع عن هذه المؤسسة الوطنية لا يعني إخراج إدارتها من دائرة النقاش العام. إن دورها المركزي يتطلب حسابات واضحة، ومسؤوليات محددة، وإستراتيجية تتلاءم مع الأشكال الجديدة لإنتاج الكهرباء. ويجب أن تكون الشركة التونسية للكهرباء والغاز الركيزة الموثوقة لمنظومة أكثر انفتاحا وأكثر لامركزية وأكثر استعداداً للصدمات المناخية.

لقد أدركنا الواقع الميداني، لكن هذا الواقع لا يدين الانتقال الطاقي، بل يجبرنا على أخذه على محمل الجد. لن تنتصر تونس في معركة الطاقة من خلال الإعلان، في كل مرة، عن مزيد من الميغاواطات، وإنما من خلال بناء منظومة قادرة على إنتاج الكهرباء ونقلها وتوزيعها في كل لحظة.

وستعود الثقة من خلال النتائج، والشفافية، ورؤية واضحة يستطيع الجميع فهمها وتقييمها.

بقلم: شكيب بن مصطفى

المشاركة في هذا المقال