Print this page

حل "قسد" .. طيّ النزاع وبداية مرحلة الاندماج في سوريا ؟

في الوقت الذي يدخل فيه الشرق الأوسط مرحلة

بالغة الحساسية على وقع التوترات المتصاعدة في مضيق هرمز ومسار المواجهة المفتوحة بين واشنطن وطهران، تتسارع الخطى الأمريكية لطي الملف السوري وإعادة ترتيب أوراق المنطقة وفق أولويات استراتيجية جديدة. فإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي تجد نفسها أمام اختبارات قاسية لتأمين الممرات البحرية وضمان تدفق الطاقة، لا تبدو مستعدة للاستمرار في استنزاف مواردها في بؤر صراع أخرى .  فهي تتجه نحو حسم المشهد السوري عبر دعم هندسة تسويات قسرية تعيد هندسة التحالفات الإقليمية .

هذا التحول الجذري في الأجندة الأمريكية لا يقتصر صداه على الداخل السوري فحسب، بل يفتح الباب أمام تداعيات إقليمية جيوسياسية واسعة.

لقد تم في سوريا الاعلان عن حل تنظيم "قسد" وجميع تشكيلاته العسكرية والمدنية في قرار وصف بالتاريخي ومن شأنه ان يترك تداعيات على المشهدين السياسي والميداني في سوريا . وجاء اعلان  قائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مظلوم عبدي، عن هذا القرار ليتزامن مع اتفاق لدمج "قسد" الكامل ضمن مؤسسات الدولة السورية وذلك عقب لقاء قمة جمع عبدي بالرئيس السوري أحمد الشرع ليتوج مسارا تفاوضيا مكثفا أعقب الإطاحة بنظام بشار الأسد.

يشار الى أن قسد هو تحالف عسكري يغلب عليه الطابع الكردي، الى جانب فصائل عربية وآشورية وسريانية وتركمانية. وتشكل التنظيم في 11 أكتوبر 2015 بمدينة الحسكة. وجاء تأسيسه بتعلة محاربة تنظيم "داعش" الإرهابي، والدفاع عن مناطق شمال شرقي سوريا، والسعي نحو إنشاء نظام فيدرالي يلبي رغبة المكون الكردي.

ولعب تنظيم "قسد" دورا كحليف رئيسي للتحالف الدولي بقيادة واشنطن في دحر تنظيم "داعش" الارهابي، حيث قاد المعارك الفاصلة لطرد التنظيم من معاقله الاستراتيجية الكبرى، أبرزها مدينة الرقة والشدادي، الطبقة، وسد تشرين.

ولا يخفى الدعم العسكري والمالي والسياسي الواسع الذي حظي به من قبل من الولايات المتحدة ودول غربية أخرى، بتعلة محاربة الإرهاب، وهو ما أتاح له السيطرة على مساحات شاسعة غنية بالنفط والغاز في شرق الفرات.

واتسمت العلاقة مع النظام السوري القديم بالتذبذب والبراغماتية، فبينما خاض الطرفان صداما محدودا أحيانا، حافظ تنظيم "قسد" على نوع من "اللاحرب واللاسلم" مع نظام بشار الأسد، مستفيدا من الانشغال العسكري العام للتركيز على مشروعه الإداري الذاتي.

وبعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، أخذت العلاقة مسارا تصاعديا نحو الحوار والتفاوض مع دمشق . وتوج هذا المسار باتفاقات تضمنت مراسيم رئاسية أصدرها الرئيس أحمد الشرع تضمن حقوق الأكراد الثقافية واللغوية وتعتبرهم جزءا أصيلا من الشعب السوري، لتنتهي المسيرة في أوت 2026 بإعلان الاندماج الشامل ضمن مؤسسات الدولة وجيشها الموحد وذلك  بعد نحو عام ونصف من المسار التفاوضي بين قسد والحكومة السورية.

يحمل القرار أبعادا استراتيجية ويعكس الرغبة في طيّ صفحة الانقسام الإداري والعسكري، وعودة سيادة الدولة السورية الكاملة على حقول النفط والمعابر والحدود، وإنهاء الذرائع الإقليمية للتدخلات الخارجية تحت عنوان مكافحة الإرهاب أو حماية الأقليات. وفقا لهذا القرار تنتهي البنية العسكرية المستقلة لـ "قسد"، وتندمج تشكيلاتها ومقاتلوها رسميا ضمن ألوية الجيش السوري. كما تنضم قوات الأمن الداخلي الكردية  إلى وزارة الداخلية السورية. ويدمج كافة الموظفين المدنيين في مناطق شمال شرق سوريا العاملين في قطاعات التعليم، والمنشآت النفطية والغازية، والسدود، والبلديات ضمن الهيكل الإداري والوزاري للدولة السورية. كما أعلن رئيس قسد أن الاتفاق تضمن تفعيلا لقرار صون حق تعليم اللغة الكردية بوصفها اللغة الأم، بناء على التفاهمات السابقة مع الشرع  . كما قد سبق ان تسليم مطار القامشلي للحكومة السورية يوم الثامن فيفري من العام الجاري .

واتسمت ردود الفعل المحلية بالترحيب في العاصمة دمشق وبعض المدن السورية باعتبارها خطوة جوهرية نحو الاستقرار والسلام.

اما دوليا، فقد وصفت الإدارة الأمريكية القرار عبر مبعوثها الخاص إلى سوريا، توم باراك، بأنه "تاريخي بامتياز"، معتبرة أنه يفتح الباب أمام شراكة مستدامة وجيش واحد .

وفي الحقيقة فان الموقف الأمريكي يتطلب تفكيك المصالح الاستراتيجية لواشنطن في المنطقة، لاسيما في ظل التطورات الأخيرة المتعلقة بحل "قسد" ودمجها في مؤسسات الدولة السورية.

والمعلوم ان السياسة الأمريكية تجاه سوريا لا تحركها الرغبة في تحقيق "وحدة الأراضي" السورية بل تحركها المصلحة البراغماتية واستقرار النفوذ. اذ كانت واشنطن ترى في "قسد" أداة عسكرية لا غنى عنها لمحاربة تنظيم "داعش" شرقي سوريا، وهو ما جعلها تغض الطرف أو تدعم ضمنا النزعة الإدارية الذاتية هناك.  أما اليوم، ومع تغير المشهد السياسي والإطاحة بنظام الأسد، باتت واشنطن تدرك أن استمرار تقسيم سوريا أو بقاء كيانات شبه مستقلة مثل الإدارة الذاتية الكردية وغيرها، يفتح الباب أمام صراعات أبدية وفوضى تخدم أطرافا أخرى لا ترغب واشنطن في تعزيز نفوذها، مما جعلها تقتنع بأن الاستقرار المستدام لا يمكن أن يتم إلا تحت مظلة دولة مركزية واحدة.

وتعبّر تصريحات الإدارة الأمريكية الأخيرة عن ان واشنطن لم تعد تود تورطا عسكريا طويل الأمد أو تحمّل أعباء حماية كيانات منفصلة في شرق سوريا.

وبعد إضعاف تنظيم "داعش" وانحسار خطره المباشر، لم تعد واشنطن بحاجة إلى شريك محلي مسلح خارج إطار الدولة، بل أصبحت تفضل التعامل مع حكومة مركزية في دمشق قادرة على ضبط الأمن وتوفير استقرار يريح الإدارة الأمريكية من إدارة ملفات الشرق السوري المعقدة.

ويبدو ان "الدولة الواحدة والمؤسسات الواحدة" أصبحت الخيار الأقل تكلفة والأكثر كفاءة لادارة ترامب لإغلاق الملف السوري بالطريقة التي تخدم المصالح الاستراتيجية لواشنطن وحلفائها في المنطقة.

والى جانب إنجاز ملف إنهاء الانقسام الكردي ودمج "قسد" ضمن مؤسسات الدولة السورية الواحدة، يظل التحدي الأكبر أمام الحكومة السورية هو مواجهة التغول الصهيوني المستمر على الأراضي السورية. فالانتهاكات والاعتداءات الإسرائيلية المتكررة في الجولان المحتل ومحيطه تبرز كعائق أساسي أمام استكمال السيادة الوطنية على كامل التراب السوري.

وعلى الصعيد الداخلي، يبرز التساؤل الأهم حول قدرة القيادة السورية الجديدة على تجاوز التحديات الجسيمة التي تواجه البلاد، لا سيما في ظل الاتهامات المثارة حول التعامل مع الأقليات - كالملف العلوي في الساحل السوري - وما رافق ذلك من قرارات إعدام وصفها المنتقدون بالانتقامية. فالصفحة الجديدة التي فتحت بعد سقوط حكم الأسد تقف اليوم أمام مفترق طرق حاسم، إما أن تبتلعها دوامة الثأر وسياسات الانتقام الضيقة، وإما أن تُبنى على أسس الدولة الديمقراطية والعدالة وسيادة القانون. وهنا يبرز التحدي الأكبر أمام الرئيس السوري، ذي الخلفية المرتبطة بفصائل متشددة سابقا (كتنظيم جبهة النصرة)، إلى أي مدى يستطيع أن يخلع رداء الماضي والتطرف، ليرتدي بالكامل رداء رجل الدولة الجامع، متحررا من أي اصطفافات إقليمية أو خارجية لا تخدم مصالح بلاده العليا واستقرارها المنشود؟

المشاركة في هذا المقال