Print this page

الهرم الذي يجب أن يسقط (3/4)

في الجزئين الأول والثاني، شخّصنا الجذور التاريخية

للمركزية التونسية وفشل "البناء القاعدي" في تصحيحها، ووثّقنا بالأرقام حجم التفاوت الجهوي الناتج (تركّز 85% من المؤسسات المتوسطة والكبرى في ثلاث مناطق ساحلية فقط)، وأسّسنا لمبدأ حاسم: لا قيمة لأي هيكل جهوي جديد ما لم يحمل صلاحيات فعلية مقترنة بموارد ذاتية، لا دورًا صوريًا استشاريًا. في هذا الجزء الثالث، ننتقل إلى السؤال الهيكلي العملي: كم مستوى إداري تحتاج تونس فعليًا، وماذا يعني هذا لمصير الوظائف الوسيطة القائمة اليوم (الولاة، المعتمدون، العمد)، وكيف نسدّ معضلة نقص الأطر المؤهلة التي تُهدّد أي إصلاح مهما بلغت دقة نصوصه؟

رابعًا. كم مستوى إداري تحتاج تونس فعليًا؟

هنا أختلف مع المنطق الذي حكم "البناء القاعدي": إضافة مستوى "الأقاليم" (خمسة) فوق الجهات والمحليات دون معايير جغرافية أو صلاحيات واضحة أنتج تعقيدًا إضافيًا بلا مقابل. التجربة الفرنسية تحذّرنا من هذا الفخ: تعدد المستويات (جهات + أقاليم/départements + بلديات) وُصف محليًا بـ"الميلفوي الترابي" المكلف، وقدّرت محكمة المحاسبات الفرنسية كلفة هذا التعقيد بمئات ملايين اليوروهات في بند واحد فقط، دون أن تنجح محاولات تبسيطه أمام مقاومة المنتخبين.

أرى أن تونس تحتاج ثلاثة مستويات لا أربعة: المركز، الأقاليم، المحليات. لكن هذا لا يعني إلغاء دور الجهة كليًا، بل الإبقاء على اللامحورية (لا اللامركزية الانتخابية) على مستويي الأقاليم والجهات — أي أن يبقى هذان المستويان أذرعًا تنفيذية لمصالح الدولة المركزية غير المُنتخبة، مسؤولة عن التنسيق القطاعي والتخطيط الترابي، بينما تتركز اللامركزية الانتخابية الفعلية (بصلاحيات ومال ذاتيين) في مستويين فقط: المركز الذي يضبط السياسات الكبرى، والمحليات (البلديات) التي تُدار بالقرب المباشر من المواطن. هذا التصور يوفّر وضوح المسؤولية الذي غاب عن التجربة الفرنسية، ويتفادى في الوقت نفسه فراغ التنسيق الجهوي عبر إبقاء الجهاز اللامحوري (الولاة ومصالح الدولة الجهوية) فاعلًا لكن غير منافس للشرعية الانتخابية المحلية.

هذا يستدعي مراجعة جذرية لتقييم موضوعي طال تأجيله: هل لا تزال وظيفة الوالي، بصيغتها الحالية، ضرورية أصلًا إذا أصبح الإقليم هو المستوى اللامحوري المرجعي؟ الأعداد وحدها تكشف حجم الهرم الذي بنته الدولة التونسية تاريخيًا فوق المواطن: 24 واليًا، 264 معتمدًا، و2073 عمدة — أي أكثر من ألفي موظف يشغلون وظائف وسيطة بين المواطن والدولة، أغلب مهامها اليوم إدارية-وثائقية بحتة (تسليم شهادات، تأشيرات إمضاء) لا تستوجب موضوعيًا هرمًا بهذا الحجم. لا العمادة ولا المعتمدية أنتجتا، بتقييم موضوعي بعيد عن العاطفة التاريخية تجاه هذه الرموز، أي قيمة تنموية أو خدماتية تُذكر منذ استحداثهما؛ بل كانتا أساسًا أداتي مراقبة أمنية-سياسية للمواطن أكثر منهما هيكلي خدمة عمومية حديثة. تعويض هذا الهرم الوسيط بمستوى إقليمي واحد قوي وممنهج، مزوّد بمصالح دولة رقمية القدرة، يُلغي طبقتين كاملتين من البيروقراطية الوسيطة دون أي خسارة فعلية في جودة الخدمة بل بتحسينها، كما سنفصّل في الجزء الرابع عبر تصور رقمي مبتكر لهذا التعويض.

خامسًا. معضلة قلة الأطر: مدرسة مختصة لا حل مؤجَّل

لا يمكن الحديث عن لامركزية حقيقية دون الاعتراف بمعضلة تُغفَل باستمرار: ضعف الأطر المؤهلة في الجهات الداخلية تحديدًا. اليوم لا يتجاوز عدد أعوان الجماعات المحلية في تونس 4% من إجمالي أعوان الوظيفة العمومية. هذا العجز البشري يجعل أي نقل صلاحيات نظريًا محكومًا بالفشل التنفيذي، بصرف النظر عن جودة النص القانوني. الحل ليس مؤجَّلًا لمرحلة لاحقة، بل شرط مصاحب لأي إصلاح: إحداث مدرسة وطنية مختصة في تكوين الأطر الترابية، على غرار المعهد الوطني الفرنسي للدراسات الترابية (INET) التابع للمركز الوطني للوظيفة العمومية الترابية، الذي يُكوّن سنويًا آلاف الأطر العليا المتخصصة في التسيير المحلي والجهوي. هذه المدرسة يمكن أن تُحدَث ضمن ( أو بالتكامل مع ) مدرسة الإدارة القوية القائمة، بمسار تكوين مخصص للتسيير الترابي، بما يضمن جيلًا من الأطر الجهوية المؤهلة بدل الاعتماد على تنقلات ارتجالية من الإدارة المركزية.

غير أن حجم هذا الاستثمار التكويني وتوقيته يجب أن يُدرَسا بالنظر إلى الصلاحيات الحقيقية التي ستُمنح للأقاليم فعليًا لا نظريًا: تكوين أطر بمهارات تسيير واسعة قبل تحديد صلاحياتها بدقة مخاطرة بإهدار الجهد على مسار قد يبقى صوريًا كسابقيه، تمامًا كما استُنزفت طاقة انتخابية كاملة على مجالس لم تُمنح صلاحياتها إلا بعد سنة من انتخابها.

وريثما تُحدَث هذه المدرسة المتخصصة (مسار متوسط المدى بطبيعته)، لا يجب انتظارها لسدّ العجز الحالي: اعتماد الشهائد التصديقية (formations certifiantes) كأداة تكوين سريعة وموازية — كما فصّلنا في مقالنا حول عقيدة الإدارة — يوفّر حلًا فوريًا وأقل كلفة. إدراج شهائد تصديقية معتمدة (في التصرف المحلي، إدارة المشاريع، الرقمنة) كمعيار وزن صريح في الانتداب والترقية إلى المواقع الجهوية، عبر لائحة معادلات وطنية موحّدة، يسمح ببدء رفع كفاءة الأطر الجهوية الحالية فورًا، بالتوازي مع بناء الحل الهيكلي الأعمق (المدرسة المتخصصة) دون انتظاره.

بعد أن حسمنا الهيكلة العامة (ثلاثة مستويات) ومصير الوظائف الوسيطة ومعضلة الأطر، يبقى سؤال حاسم معلّقًا: كيف نُعوّض فعليًا آلاف الوظائف الوثائقية التي سيُلغيها هذا التبسيط دون خسارة في الخدمة؟ هذا هو موضوع الجزء الرابع والأخير من هذه السلسلة، عبر تصور رقمي وابتكاري متكامل.

بقلم: فوزي بن عبد الرحمان

المشاركة في هذا المقال