Print this page

زينب المالكي... حين يكون الحلم أكثر جدية من الذين يسمعونه

قبل نحو ست سنوات، قالت لي زينب المالكي

جملة قصيرة: «أحبّ التمثيل، لا أعرف أين ستذهب بي التجربة، ولكني سأتّبع حلمي حتى النهاية».أتذكر الجملة أكثر من تفاصيل المكان والحديث الذي سبقها، ربما لأن زينب قالتها ببساطة امرأة تعرف إلى أين تريد أن تذهب.

ذهبت إلى المسرح، درست عند توفيق الجبالي، وتعلمت من الخشبة ما تحتاجه الممثلة حين تدخل إلى عالم الشخصية، ثم جاءت السينما لتمنحها المساحة التي اختبرت فيها كل ما تعلمته.. وفي 25 جويلية 2026، حصلت زينب المالكي على جائزة أفضل ممثلة في مهرجان الدار البيضاء للفيلم العربي عن دورها في فيلم «كأن لم تكن» لسارة العبيدي، في أول بطولة سينمائية لها. وبين الجملة التي قالتها قبل ست سنوات والجائزة التي حملتها في الدار البيضاء، يمتد طريق كامل من الرغبة والعمل والتعلم والمجازفة.

تؤدي زينب في الفيلم شخصية عايدة، امرأة في الأربعينيات تعيش وحيدة في تونس، تعمل في مركز اتصال وتبيع عبر الهاتف عروض رحلات سياحية لحرفاء أوروبيين، مستخدمة اسم «كلارا». تقضي عايدة ساعاتها في الحديث إلى أشخاص عن مدن وحيوات بعيدة، ثم تعود إلى بيتها حيث تستعيد اسمها وحياتها وروتينها.

هكذا تبني سارة العبيدي شخصية تعيش على هامش العالم، امرأة تتحدث طوال اليوم وتحتفظ بحياتها الحقيقية في مساحة من الصمت. يصبح الروتين جزءًا من الشخصية، ويتحول المكتب والطريق والبيت والمكالمات اليومية إلى تفاصيل تكشف وحدة عايدة بالتدريج.

جاء عنوان الفيلم من وحي محمود درويش، «كأن لم تكن»، وهو عنوان يحمل شيئًا من روح امرأة تمر في الحياة بهدوء، تحمل داخلها عالمًا كاملًا وتبحث عن معنى يجعل حضورها محسوسًا. وهنا تحديدًا يصبح اختيار زينب لهذا الدور شديد الدلالة..

المرأة التي عرفها الجمهور بصوتها وحضورها تدخل السينما عبر شخصية تستخدم اسمًا آخر في عملها، والإعلامية التي اعتادت صناعة حضورها بالكلمة تؤدي امرأة تتحدث كثيرًا في عملها وتحمل حياتها الخاصة في صمت، والممثلة التي يعرف الجمهور وجهها تدخل الكادر وهي مطالبة بأن تجعل عايدة تظهر قبل زينب.

ذلك يحتاج إلى عين تعرف التفاصيل الصغيرة، نظرة، حركة، طريقة جلوس، إيقاع الكلام، وحتى الصمت.. فعايدة شخصية تتحرك داخل يوم عادي، وقوة حضورها تأتي من التفاصيل التي تراكم إحساس الوحدة والانتظار. وهنا دخلت زينب إلى امتحانها الحقيقي كممثلة.. فهي تعرف الكاميرا والجمهور، وتعرف كيف تصنع حضورًا أمامهما، والسينما تطلب منها شيئًا آخر، أي أن تمنح الشخصية حضورها، وأن تخفف من حضور زينب حتى نرى عايدة.

تقول زينب إن الفيلم كان ملهمًا لها على المستوى الشخصي، وإن الإنسان يحتاج إلى السعادة في حياته اليومية حتى يعيش في انسجام، كما تتحدث عن ثقة سارة العبيدي بها حين اختارتها لبطولة الفيلم. وحين وصلت الجائزة إلى يدها، شعرت وكأنها تلقت رسالة تقول، «يا زينب، أنتِ على الطريق الصحيح». وهذه الجملة أعادتني فورًا إلى الجملة الأولى.

«أحب التمثّيل».. وفي ذلك الوقت سمعت رغبة، بينما حملت زينب الجملة معها إلى المسرح، ثم إلى السينما، ثم إلى الدار البيضاء.

ربما تكمن المشكلة في الطريقة التي نرى بها الناس الذين نعرفهم منذ سنوات. نضعهم داخل صور مألوفة، ونمنح كل واحد منهم مهنة وشخصية ومسارًا، ثم ننسى أن الإنسان يحمل داخله أكثر من حياة وأكثر من احتمال.. كم مرة يقول لنا شخص «نحب نكتب» فنبتسم؟ كم مرة يقول «نحب نمثّل» فنسمعها كجملة لطيفة؟ وكم مرة يخبرنا أحدهم عن حلمه فنبدأ في حساب العمر والمال والفرص والمنافسة؟

صاحب الحلم يرى الإمكان، بينما ينشغل الآخرون بالعقبات.. زينب اختارت الإمكان.

كان لديها الإعلام والخبرة والحضور والاسم الذي يعرفه الجمهور، ثم اختارت أن تصبح تلميذة من جديد. ذهبت إلى المسرح، درست، تدربت، وخاضت تجربة جديدة، ثم دخلت السينما من بابها الحقيقي.

وهذه التفاصيل أهم بالنسبة إليّ من عبارة «إعلامية تحولت إلى ممثلة»، لأن الحكاية تحمل معنى أوسع وأشمل امرأة اكتشفت رغبة جديدة ومنحتها الوقت والعمل حتى تصبح مهنة.

لتمنحها بعد ذلك  المخرجة سارة العبيدي شخصية  عايدة، امرأة بعيدة عن الصورة التي يعرفها الناس عن زينب، وحملت زينب الشخصية إلى الشاشة، فخرجت من أول بطولة سينمائية لها بجائزة أفضل ممثلة.

أفكر في المسافة التي صنعتها السنوات الست. في البداية كانت هناك جملة، ثم جاءت الخشبة، ثم جاءت الكاميرا، ثم جاءت عايدة، ثم جاءت الجائزة.لهذا أحب هذه الحكاية.

لأنها تذكرني بأن بعض الأحلام تحتاج إلى صاحبها أكثر مما تحتاج إلى تصفيق الآخرين. تحتاج إلى شخص يأخذها بجدية، يمنحها الوقت، ويتحمل شكل البداية حين يعود تلميذًا في مجال جديد..

واليوم، حينما أرى زينب المالكي توّجت في الدار البيضاء، بجائزة أفضل ممثلة، أفهم أخيرًا أنني يومها سمعت حلمًا، بينما كانت زينب تسمع بداية طريق.

المشاركة في هذا المقال