Print this page

تونس بلدان في بلد واحد (2/4)

في الجزء الأول من هذه السلسلة، تتبّعنا الجذور

التاريخية للمركزية التونسية منذ الاستقلال، وكيف تحوّل "البناء القاعدي" من بديل موعود للامركزية المنصوص عليها في دستور 2014 إلى نسخة فاشلة منها بكل المقاييس (مشاركة انتخابية لم تتجاوز 11.66%، صلاحيات صورية، ألغيت الاستقلالية المالية للمجالس الجهوية)، وسجّلنا غياب أي تقييم مؤسسي رسمي لهذا الفشل.

في هذا الجزء الثاني، ننتقل من التشخيص إلى الدليل: ماذا تقول الأرقام فعليًا عن كلفة هذا الفشل، ولماذا لا قيمة لأي إصلاح مقبل ما لم يقترن بصلاحيات حقيقية لا صورية.

ثالثًا. منطلقات الإصلاح: التفاوت الجهوي بالأرقام

أي نقاش حول اللامركزية يجب أن ينطلق من واقع مادي لا من هندسة مؤسسية مجردة. مؤشر التنمية الجهوية لسنة 2024 يضع تونس العاصمة في القمة (0.565) والقيروان في القاع (0.365)، والمراتب الخمس الأخيرة كلها من الداخل (باجة، جندوبة، سيدي بوزيد، القصرين، القيروان). البطالة الوطنية عند 15.2%، لكنها تتجاوز 25 إلى 33% في الجهات الداخلية، وبطالة أصحاب الشهائد العليا تفوق 46% في قفصة مقابل نحو 11% في أريانة. الفقر الوطني عند 16.6%، لكنه يصل إلى نحو 35% في القيروان والكاف والقصرين. أما الاستثمار العمومي فتاريخيًا كان نحو 80% منه يذهب للجهات الساحلية مقابل 20% للداخل — والطريق الساحلي وحده يمثّل نحو 80% من الشبكة الطرقية الوطنية. هذه الأرقام لم تتحرك عمليًا رغم "البناء القاعدي"، وهذا وحده كافٍ للحكم على فشله في تحقيق غايته المعلنة.

ويكمّل هذه الصورة مؤشر أكثر دقة وأبلغ دلالة: التوزيع الجهوي للمؤسسات المتوسطة والكبرى تحديدًا (فوق 50 عاملًا)، وهي التي تُنتج فعليًا الشغل المستقر والأجور المنظّمة، لا الشغل الهش أو غير المصرّح به الذي تهيمن عليه المؤسسات الصغرى. هذه الفئة لا تمثّل، وفق بيانات المعهد الوطني للإحصاء، سوى نحو 3530 مؤسسة من أصل أكثر من 824 ألف مؤسسة مسجّلة وطنيًا (أقل من 0.5% عددًا)، لكنها تُركّز الغالبية الساحقة من التشغيل الرسمي المنظّم. توزيعها الجهوي يفضح التفاوت أكثر من أي مؤشر آخر: "تونس الكبرى" (تونس، بن عروس، أريانة، منوبة) تستحوذ وحدها على نحو 38 إلى 40% من هذه المؤسسات، ويضاف إليها "الوسط الشرقي" (صفاقس، سوسة، المنستير، المهدية) بنسبة 28 إلى 30%، و"الشمال الشرقي" (نابل، بنزرت، زغوان) بنسبة 18 إلى 20% — أي أن هذه المناطق الساحلية الثلاث مجتمعة تستأثر بأكثر من 85% من كامل المؤسسات المتوسطة والكبرى في البلاد، بينما تتقاسم كل الجهات الداخلية والجنوبية (قفصة، قابس، القيروان، باجة، القصرين وغيرها) نسبة هامشية لا تتجاوز 10 إلى 12%، وبشكل مُبعثر جغرافيًا لا مُركّز. هذا التمركز ليس نتيجة عفوية لقوى السوق وحدها، بل انعكاس مباشر لعقود من الاستثمار العمومي غير المتكافئ في البنية التحتية والمناطق الصناعية المهيّأة — إذ لا تُنشأ مؤسسة كبرى في جهة تفتقر للطرقات والكهرباء الصناعية والقرب من الموانئ.

سادسًا. صلاحيات حقيقية لا صورية

هذه الأرقام نفسها هي ما يجعل سؤال "نوعية" الصلاحيات الممنوحة لأي هيكل جهوي مقبل أهم من مجرد وجودها. الفارق الجوهري بين تونس والتجارب الناجحة (المغرب، إيطاليا) هو أن الصلاحيات الجهوية هناك مقترنة بموارد مالية ذاتية وسلطة قرار فعلية، لا دورًا "تداوليًا" استشاريًا كما نصّ عليه قانون 2025 التونسي. اللامركزية الحقيقية يجب أن تشمل صلاحيات فعلية في التعليم، والصحة، والتهيئة الترابية والعمرانية، والمناطق الصناعية، والتكوين المهني، والنقل — على غرار إيطاليا التي تدير جهاتها قطاع الصحة فعليًا وتُشرّع فيه، أو المغرب حيث للجهة دور محوري في مخطط التنمية الجهوي مقترن بحصة ثابتة من الجباية الوطنية (5% من الضريبة على الشركات، 5% من الضريبة على الدخل). دون هذا الاقتران بين الصلاحية والمورد الذاتي، يبقى أي حديث عن "جهات" أو "أقاليم" حبرًا على ورق، مهما تعددت الانتخابات والهياكل.

وجب التذكير هنا بأن هناك نوعين مختلفين جوهريًا من تجارب اللامركزية عالميًا، والخلط بينهما يُضلّل النقاش أكثر مما يُنيره. النوع الأول يذهب من المركز نحو الجهات: دولة موحّدة تاريخيًا تقرر، من قمتها، تفويض صلاحيات لوحدات ترابية لم تكن مستقلة من قبل وهذا هو المسار التونسي، حيث تبقى كل خطوة لامركزية منّة من المركز يمكنه نظريًا سحبها، كما فعل "البناء القاعدي" فعليًا. النوع الثاني يذهب من الجهات نحو المركز: دولة اتحادية نشأت أصلًا من اتحاد كيانات كانت تتمتع باستقلالية سابقة على قيام الدولة المركزية نفسها — كألمانيا، حيث سبقت الولايات (Länder) قيام الجمهورية الاتحادية تاريخيًا، فامتلكت صلاحياتها كحق أصلي لا كمنحة مركزية، والمركز الفدرالي هو من يستمد شرعيته منها لا العكس.

هذا الفارق البنيوي حاسم لفهم حدود أي إصلاح تونسي: لا يمكن لتونس، بحكم مسارها التاريخي كدولة موحدة مركزية منذ نشأتها، أن تستنسخ المسار الألماني بين ليلة وضحاها؛ لكنها تستطيع، ضمن مسارها الخاص (من المركز إلى الجهات)، أن تجعل هذا التفويض أقرب إلى حق مكتسب لا مِنّة قابلة للسحب عبر تكريسه دستوريًا بضمانات صعبة التعديل، لا بقانون عادي كما هي الحال اليوم. وهذا لن يتحقق بإصلاح تقني أو هيكلي وحده، بل يستوجب أولًا سياسات عمومية حقيقية ومدروسة، وثانيًا إرادة سياسية جامعة يلتزم بها المجتمع السياسي التونسي بأكمله — أغلبية ومعارضة، حاضرًا ومستقبلًا لا حكومة بعينها تمنح ثم تسحب بحسب حساباتها الظرفية.

بعد هذا التأسيس بالأرقام والمبادئ، ينتقل الجزء الثالث من هذه السلسلة إلى السؤال العملي المباشر: كم مستوى إداري تحتاج تونس فعليًا، وماذا يعني هذا لمصير الولاة والمعتمدين والعمد، وكيف نسدّ معضلة نقص الأطر المؤهلة في الجهات الداخلية؟

بقلم: فوزي بن عبد الرحمان

المشاركة في هذا المقال