Print this page

في الميزان: قراءة في القانون والاقتصاد والمجتمع: صيف 2026: عندما يُخْتَبَرُ الإقتصاد التّونسي تحت الضّغط

عادة ما يكون فصل الصيف موسما للسياحة والرّاحة

يرتفع خلاله الإستهلاك. غير أنّ صيف 2026، قدّم لنا صورة مختلفة، حيث شكّل اختبارا لقدرة الاقتصاد التّونسي على الإستجابة للطّلب الإستهلاكي المتزايد، خصوصا عندما تتزامن عدّة ضغوطات في ذات الوقت.

فإذا نظرنا إلى المؤشّرات السّياحيّة، نجدها تحمل أخبارا إيجابيّة، حيث بلغ عدد الوافدين إلى تونس إلى موفّى شهر جويلية المنقضي، نحو 5.828 مليون وافد، بزيادة تقدّر بـ 2.6 ٪، مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2025. كما بلغت العائدات السياحيّة نحو 3.35 مليار دينار خلال النصف الأول من سنة 2026 بزيادة حوالي 4.4 ٪، مقارنة بالفترة نفسها من السنة الفارطة. و يُذكر أنّ عدد اللّيالي المقضّاة في جهة نابل والحمّامات وحدها بلغ 1.6 مليون ليلة إلى غاية 10 جويلية بزيادة قدرها 2.5 ٪ مقارنة بذات الفترة من سنة 2025.

غير أن نجاح الموسم السّياحي يحمل معه في المقابل طلبا إضافيّا على الخدمات الأساسيّة: ذلك أنّ كلّ سائح إضافي يعني استهلاكا إضافيّا للماء و الكهرباء و الوقود و التبريد و الغذاء و سائر الخدمات. وهنا، يبدأ الإختبار الحقيقي، حيث يتحوّل الصيف من موسم اقتصادي واعد إلى اختبار لمنظومة الإنتاج والتوزيع، و مدى قدرتها على الإستجابة إلى ارتفاع الطلب واستيعابه، عندما يتزامن مع درجات حرارة قياسيّة.

فلو نظرنا إلى الكهرباء، نجد أن الإستهلاك بلغ خلال ساعات الذروة في جويلية المنقضي حوالي 5000 ميغاواط، أي بزيادة تقارب 33 ٪ عن المستويات العاديّة، خصوصا نتيجة الإستخدام المكثف لأجهزة التكييف، ما دفع بالشركة التونسية للكهرباء والغاز إلى اللّجوء إلى قطع الكهرباء في أوقات مختلفة و في عديد المناطق من البلاد قصد تخفيف الضغط على الشبكة والحفاظ على توازنها وتفادي انهيارها.

أمّا فيما يتعلّق بالمياه، فإنّ الصّورة تبدو أكثر تعقيدا، حيث بلغت نسبة امتلاء السدود حوالي 60 ٪ خلال هذه الصائفة، وهي نسبة اعتُبرت مطمئنة مقارنة بالسّنوات الأخيرة. ومع ذلك، فقد استمرّت في بعض المناطق اضطرابات في التزويد بالمياه، ما يبيّن أنّ توفّر المياه في السدود لا يعني بالضرورة توفّرها في الحنفيّة، وأنّ شبكات النقل و التوزيع و الطّاقة جزء أساسي من الأمن المائي.

هذا وتقدّم اضطرابات التزود بالمياه المعدنيّة مثالا آخرعلى العلاقة بين موجات الحرّ والطّاقة والطلب وسلاسل التوزيع. فعندما يرتفع الإستهلاك بشكل مفاجئ، لا يكفي أن تكون المواد الإستهلاكيّة المعنيّة متوفّرة في المصدر، بل يتعيّن أن تكون الطّاقة الإنتاجيّة والوسائل اللّوجيستية ومسالك التوزيع قادرة على الإستجابة لهكذا ارتفاع ومواكبة الذّروة.

و أخيرا، لاحظنا جميعا ما شهدته محطات التزوّد بالوقود من ضغط استثنائي في الأيّام الأخيرة نتيجة الإرتفاع الصّاروخي والفجئي للطلب على المحروقات، على اثر الاضطرابات التي شهدها نقل هذه المواد وتزويد محطات بيع الوقود بها.

وهنا، تكمن المسألة الإقتصاديّة الأهم: فقوّة الاقتصاد لا تقاس فقط بمعدّل نموّه أو بعدد السياح الذين يستقبلهم أو بتوفّر منتوج ما في السوق، و إنّما أيضا بقدرته على الصّمود عندما تتعرّض موارده و بنيته الأساسيّة لضغط استثنائي.

إنّ صيف 2026 لا يقدّم بالضّرورة صورة عن اقتصاد في أزمة، بل عن اقتصاد يواجه اختبارا للمرونة والقدرة على مواجهة الضغط. فارتفاع الطلب  يمثل فرصة، و ارتفاع الإستهلاك يمثّل نشاطا اقتصاديّا، لكن تحويل هذه الفرص إلى نموّ مستدام يتطلّب بنية أساسيّة و مصادر إنتاج و سلاسل توزيع قادرة على مواكبتها و حسن استغلالها على الوجه الأمثل.

و عليه، فإنّ الدّرس الاقتصادي الأبرز لصيف 2026 هو أنّ الاقتصاد القويّ ليس فقط ذلك الذي ينمو في الظروف العاديّة أو المثاليّة، بل هو الاقتصاد الذي يمتلك القدرة على الإستمرار عندما يصبح الطّلب مرتفعا و الحرارة أشدّ و الموارد تحت ضغط أكبر.

بقلم: كريم بن حميدة

المشاركة في هذا المقال