Print this page

حرب ترامب الاقتصادية ضد طهران... أية تداعيات على أمن الطاقة العالمي؟

مع تلويح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض حزمة

جديدة من العقوبات الاقتصادية ضد طهران ، يدخل الصراع الأمريكي الإيراني منعطفا جديدا أشد وطأة وأكثر خطورة .  فقد تحول الصراع من أروقة الدبلوماسية إلى ساحة ضغط اقتصادي وعسكري خانق غير مسبوق. وتأتي هذه التطورات على وقع أزمة محتدمة في الممرات المائية الحيوية  مما يضع استقرار الأسواق وأمن الطاقة العالمي أمام اختبار قاس.

ومن المقرر أن يكشف وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت تفاصيل ما وصفه بـ"أقسى عقوبات في التاريخ" على إيران. وتوضح تصريحات بيسنت والرئيس دونالد ترامب توجه العقوبات الإضافية نحو نقل الضغط من معاقبة إيران وحدها إلى ملاحقة الدول والمصارف والشركات التي تساعدها في بيع النفط وتحريك الأموال واستيراد السلع والتكنولوجيا. في المقابل هددت ايران على لسان أمين المجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي من ان أي دولة تشارك في العقوبات ستعتبر عدوا لبلاده.

ويرى البعض ان هذه الحزمة الجديدة تستهدف حلفاء ايران بالأساس وخاصة الصين التي تشتري أكثر من 80 في المئة من النفط الإيراني المنقول بحرا. فالمؤكد أن العقوبات ستمس شركاء إيران التجاريين وتعزز تطبيق العقوبات الثانوية التي تتيح معاقبة شركة أو مصرف أجنبي حتى إذا لم يكن أمريكيا ولا يستخدم الدولار، وقد تشمل إدراج مصاف صينية مستقلة، ومعاقبة مصارف ووسطاء يسوّون المدفوعات باليوان أو العملات المحلية، واستهداف الموانئ والمستودعات وشركات إدارة السفن والتأمين وسجلات الأعلام المرتبطة بأسطول الناقلات الإيرانية غير الشفاف. كما قد تطال الإجراءات مبيعات البتروكيماويات وقطاع المعادن وشبكات تحويل الاموال، ومنصات الأصول الرقمية، مخيرة الشركات بين التعامل مع إيران أو الحفاظ على وصولها إلى النظام المالي والتجاري الأمريكي.

وفي الحقيقة فان سلاح العقوبات الأمريكية ليس  بجديد بل انطلق  بعد الثورة الإيرانية وأزمة السفارة الامريكية عام 1979، ثم توسع ليشمل معظم شبكات التجارة والاستثمارات والتحويلات المرتبطة بايران وكذلك تجميد الأصول الحكومية. وفي عام 2016 رفع جزء من العقوبات الثانوية بعد الاتفاق النووي  لكن انسحاب ترامب من الاتفاق عام 2018 أعاد فرض قيود "الضغط الأقصى". أما أحدث تخفيف  فكان الترخيص العام الأمريكي الصادر في 22 جوان 2026، والذي سمح موقتا بإنتاج وتسليم النفط الإيراني حتى 21 أوت، وانتهت المهلة من دون اتفاق نهائي.

وعلى الصعيد الدولي، أعادت الأمم المتحدة في 27 سبتمبر 2025 تفعيل آلية "سناب باك" لحظر السلاح والقيود النووية وسط اعتراض روسي صيني، فضلا عن عقوبات الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة المرتبطة بالبرنامج النووي وحقوق الإنسان وتهديد الملاحة.

ويعد مضيق هرمز الشريان الرئيسي وساحة المواجهة المباشرة، حيث كانت تمر عبره نحو 25 بالمئة من تجارة النفط المنقولة بحرا و20 بالمئة من الغاز الطبيعي المسال عالميا. ومع اضطراب الإمدادات واجه العالم صدمات في تكاليف الشحن والتأمين وأسعار الطاقة.

وفي المقابل، تمكنت طهران من تجاوز العقوبات عبر بناء نظام تجاري ومالي موازي. كما اعتمدت على اليوان والمقايضة والذهب لتجاوز العقوبات على التعاملات المرتبطة بالدولار.  والملاحظ ان هذه العقوبات كانت لها تأثيرات كبيرة على معيشة الإيرانيين اذ بلغ معدل التضخم السنوي نحو 66 في المئة في جويلية وارتفعت أسعار الغذاء بنسبة 128 في المئة، وفق آخر البيانات .

ولا تتوقف تداعيات حرب ترامب الاقتصادية الجديدة عند حدود الداخل الإيراني، بل تمتد لتلقي بثقلها على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة. فالتلويح بخنق الصادرات الإيرانية وتعطيل حركة الملاحة في ممرات حيوية مثل مضيق هرمز يهدد بإحداث صدمة في إمدادات النفط والغاز العالمية. ويحذر محللون من أن هذا التصعيد سيؤدي حتما إلى ارتفاع تكاليف الشحن البحري والتأمين، وزيادة الضغوط التضخمية على الاقتصاد العالمي الذي يعاني أصلا من تبعات توترات سلاسل التوريد، مما يجبر المصافي والشركات الكبرى في أوروبا وأمريكا الشمالية على مواجهة أزمات تشغيلية غير مسبوقة تزيد من تكلفة المعيشة على المستهلكين حول العالم.

وفي ظل الحرب الاقتصادية الامريكية والتحذيرات المتبادلة التي تهدد بحرق أوراق الدبلوماسية، يجد العالم نفسه أمام معضلة كبرى لا تعيد فحسب  تشكيل موازين القوى بل  تضع  كذلك الاقتصاد  الإقليمي والعالمي برمته في مرمى التهديدات .   

المشاركة في هذا المقال