الجمعة 14 أوت 2026، الأوامر الرئاسية المتعلقة بالمجلس الأعلى للتربية والتعليم: تعيين سبعة أعضاء بهيئته العليا، وتسمية كاتب عام له، والدعوة إلى جلسته الافتتاحية يوم الاثنين 17 أوت. وما إن ظهرت الأسماء حتى بدأ النقاش حول من حضر ومن غاب. هل التركيبة ممثلة بما يكفي؟ أين النقابات والباحثون في علوم التربية وممثلو الميدان؟ أسئلة مشروعة، تعيد إلى الواجهة استياءً عبّر عنه فاعلون تربويون منذ الإعلان عن مرسوم تنظيم المجلس قبل عامين، معتبرين أنهم غُيّبوا عن التشاور حول تركيبته.
لكن الاكتفاء بهذا السؤال يُبقينا عند مستوى التمثيلية. والسؤال الذي يفرض نفسه، من وراء هذا الجدل، هو: هل تكفي تمثيلية مختلف الأطراف لإنتاج رؤية وطنية مستقلة، أم أن المجلس يواجه خطرين متعاكسين: ارتهان المؤسسة للسلطة، وتحول التعددية إلى صراع يعطل التفكير المشترك؟
للإجابة، يفيد استحضار جذور هذه الفكرة، الممتدة إلى الاحتلال الفرنسي، حين ظهر أول شكل لها سنة 1888 باسم «مجلس المعارف العمومي» ضمن مشروع الهيمنة الثقافية الفرنسية. ثم انتقلت إلى الدولة الوطنية فتغيّر سياقها، لكنها ظلت شديدة الارتباط بالسلطة السياسية في عهد نظام الحزب الواحد. فقد نظم القانون عدد 118 لسنة 1958 المجلس الأعلى للتربية القومية، لكنه ظل، كما لاحظ المؤرخ المختار العياشي، «أقرب إلى الحبر على الورق». ثم أعيد تنظيمه سنتي 1971 و1977، من دون أن يتحول إلى مؤسسة دائمة النشاط، والمفارقة أنه لم يجتمع طوال عقود إلا في مناسبتين.
جاء الاجتماع الأول يوم 9 جويلية 1971 بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، في سياق كانت السلطة تعيد فيه ترتيب علاقتها باليسار بعد إبعاد أحمد بن صالح ونهاية سياسة التعاضد. وتزامن ذلك مع تصاعد نفوذ التيار اليساري في الجامعة، الذي بلغ بعد أسابيع محطة حاسمة في مؤتمر قربة الطلابي الشهير.
أما الاجتماع الثاني، فكان يوم 6 جانفي 1989 بقصر الحكومة بالقصبة، للنظر في وثيقة إصلاح أعدّتها الوزارة في عهد وزير التربية محمد الهادي خليل، وحضره محمد الشرفي ممثلاً للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان. وبعد أشهر، خَلَف الشرفي خليلَ وزيراً، فأسقط الوثيقة ذاتها وقاد مشروعاً بديلاً أثار معارضة التيار الإسلامي المتصاعد. فإذا كان اليسار في مطلع السبعينات أحد مصادر القلق التي حرّكت السياسة التربوية، فإن مواجهة الإسلاميين أصبحت، بعد أقل من عقدين، رهاناً سياسياً أعاد ترتيب المشهد؛ تبدلت أطراف الصراع، لكن التربية بقيت في قلبه.
وتكرر نمط إعادة إحداث المجلس لاحقاً: أُعيد سنة 2000، ثم استُبدل سنة 2002 بمجلس لتنمية الموارد البشرية، وأُعيد ترتيبه سنة 2010،وكأن المؤسسة كانت تُعاد صياغتها مع كل منعطف سياسي، بدل بناء ذاكرة مؤسسية متراكمة.
هذه المفارقة تكشف قابلية المؤسسة، تاريخياً، للتسييس وتداخل وظيفتها مع رهانات اللحظة على حساب التفكير التربوي المستدام. وهو ما خلص إليه الباحث الحبيب عياد، حين اعتبر تجربة المجلس بين 1988 و1989 نموذجاً لارتهان التربية للسلطة التنفيذية، بما حرمها من الاستقرار الذي كانت في حاجة إليه بعيداً عن الاستقطاب. ورأى الهادي التيمومي في إصلاح 1991 محاولة لسحب البساط من تحت أقدام التيار الإسلامي. فالمشكلة ليست دخول التربية في الصراع السياسي، بل أن المؤسسة الموكول إليها التفكير فيها قد تصبح جزءاً من الصراع بدل الاحتفاظ بمسافة نقدية منه.
وليس واضحاً بعد ما إذا كانت وظيفة المؤسسة نفسها ستتغير هذه المرة، أم أن المتغير هو السياق السياسي فقط. فالمجلس اليوم لم يعد فكرة مؤجلة، فقد نصّ الفصل 135 من دستور 2022 على المجلس، ونظم مرسوم 2024 تركيبته، وحدد اجتماعه مرة كل ستة أشهر وتناوب الوزراء على رئاسته. وهذا الإيقاع يحتمل قراءتين: أن يضمن استمرارية الرؤية، أو يعيد إنتاج التقطع السابق، وإن بصيغة أكثر تنظيماً.
لكن انتظام اجتماعاته وحده لا يكفي، فالسؤال الحقيقي: «من يمثل التربية؟». فالتربية شأن جامع يشمل المعلم والتلميذ والأسرة والباحث والإدارة والمجتمع، ولا تختزل في فئة. والمجلس ليس برلماناً مصغراً، فالتمثيلية تمنحه شرعية لكنها وحدها لا تنتج رؤية. وقد جربت تونس هذا التوتر في مجلس سابق بلغ 197 عضواً، حيث كانت العضوية مجرد مكافأة على الولاء للنظام أو أداة تعبئة، لا بناء مشتركاً. فالاتساع العددي كان واجهة تخفي غياب الاستقلالية، ولعل محدودية تركيبة المجلس اليوم تعكس استفادة ضمنية من ذلك.
فالسؤال الأعمق ليس التمثيلية، بل الاستقلالية: استقلال عن ماذا تحديداً؟ الاستقلالية الفكرية لا تعني أن يكون المجلس ضد السلطة أو فوقها، بل أن يمتلك قدرة مؤسسية على الاستناد إلى البحث، والاستماع إلى الميدان، ومناقشة الخيارات بعيداً عن منطق المعركة السياسية العابرة.
فتونس لا تعاني من ندرة الآراء حول التربية، لدينا آراء المدرسين والأولياء والباحثين والنقابات بوفرة. لكن المشكلة تكمن في تحويل هذه الوفرة إلى معرفة مشتركة صالحة لاتخاذ القرار. فالوزارة تدير المنظومة يوماً بيوم، أما المجلس، إن أراد ألا يكون وزارة ثانية، فعليه أن يتفرغ لأسئلة تحتاج نفساً طويلاً :أي مدرسة نريد؟ وكيف نستعد للتحولات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي على التعليم؟
وهنا يفرض التاريخ درسه: المؤسسة التي تُستدعى وقت حاجة السلطة إليها قد تختفي حين تنتهي تلك الحاجة. وقد كشفت التجربة التونسية مشكلتين متعاكستين: ضعف الاستقلالية تحت هيمنة السلطة قبل 2011، وتعثر بعدها أمام صعوبة استيعاب التعددية وإدارة الاختلاف. والتحدي أمام المجلس الجديد هو ألا يعيد إنتاج أي من النموذجين: لا تابعاً للسلطة، ولا أسيراً لتوازنات تعطل التفكير المشترك. لذلك، فالسؤال ليس هل نحتاج إلى مجلس، بل: هل نستطيع أن نجعله مؤسسة تستمر في التفكير حين ينتهي الجدل حول تركيبته؟
وكما تذكّرنا أطروحة كتاب «لماذا تفشل الأمم؟»، فإن تحويل المؤسسات من أدوات نخبوية إلى كيانات شاملة هو مفتاح الازدهار، وقوة المجتمعات لا تتوقف على الأشخاص بل على استمرارية تلك المؤسسات. فالجدل لحظة تمر، أما المؤسسة والمعرفة والمستقبل فتبقى.
بقلم : مصطفى الشيخ الزوالي