Print this page

في رفوف مكتبتي (7) «الجنوب الكبير والعالـم الآتي» le monde d’après le Sud global et مفاتيح أساسية لفهم الرهانات العالمية

صدر في فيفري الفارط عن دار «نيرفانا» كتاب جديد لحكيم بن حمودة عنوانه الأصلي (le Sud global et le monde d’après) ويمكن ترجمته كالتالي «الجنوب الكبير والعالم الآتي»

  وهو كتاب يستعيد أبرز ما جاء في كتاب سابق لصاحبه صدر في السنة الفارطة عن نف الدار بالعربية عنوانه «الجنوب الكبر ورحلة البحث عن عالم جديد»، ولكن نجد في النسخة الفرنسية اضافات مهمة وتعميقا لبعض القضايا الأساسية.

تتمثل طرافة الكتاب في كونه من المؤلفات النادرة عربيا، التي تتناول مفهوما أضحى مركزيا لفهم تحولات العالم والصراعات الظاهرة والخفية فيه، كما أن صاحبه - رجل الاقتصاد ذي الشهرة الواسعة -  لا يتناول مسألة «الجنوب الكبير» من الناحية الجيواقتصادية أو الجيوسياسية فقط بل نرى فيه جهدا ضخما لوضع هذا المفهوم في اطار التاريخ السياسي والاقتصادي والثقافي والفكري لعلاقات الهيمنة التي طبعت العالم منذ ظهور الامبراطوريات الاستعمارية الغربية إلى اليوم...

نسوق ملاحظة في البداية حول ترجمة «le Sud global» أو«Global South» إلى العربية، لقد اختار حكيم بن حمودة «الجنوب الكبير» في كتابه الذي أشرنا إليه آنفا، والترجمة الرائجة في المشرق العربي هي «الجنوب العالمي» وهي أقل دقة كما نجد كذلك «الجنوب الكلي» والميزة النسبية لهذه الترجمة أنها تقلل إلى الأقصى الصفة الجغرافية لترسي مفهوما جيوسياسيا يتجاوز التعريف الجغرافي الكلاسيكي..

في انتظار استقرار ترجمة جامعة عربيا نبقى مع «الجنوب الكبر» كما اختار حكيم بن حمودة».

هنا لابد من الملاحظة أن «الجنوب الكبير» ليس مقابلا لشمال كبير بل للغرب ولما يسميه بعضهم بـ«الغرب الكلي «L,Occident global».

والواضح أيضا أن «الجنوب الكبير» لا يضم كل الدول غير الغربية بل هو كما يبين المؤلف مجموعة الدول في أمريكا اللاتينية وافريقيا وآسيا التي ترفض النظام العالمي الذي فرضته أمريكا وحلفائها بعد الحرب العالمية الثانية وخاصة بعد انهيار جدار برلين والذي سمي آنذاك بـ«العولمة السعيدة» المتناغمة مع أطروحة فوكوياما حول «نهاية التاريخ».

«الجنوب الكبير» هو أولا وقبل كل شيء ارادة رفض النظام النيوليبيرالي الغربي وموازين القوى التي أقامها سياسيا واقتصاديا وعسكريا وثقافيا.. انها قصة تمرد يتبع خطاها وثناياها حكيم بن حمودة على امتداد 300 صفحة.

من العسير تلخيص أهم ما جاء في هذا الكتاب نظرا لثرائه وتنوعه وتعدد مداخله..

سنكتفي هنا بتتبع إحدى الخيوط الناظمة التي تبدأ من أزمة النظام العالمي الراهن ونهاية العولمة السعيدة وتزايد الوزن الاقتصادي ومن ثمة السياسي للدول الصاعدة وخاصة تلك التي شكلت مجموعة «البريكس»: الصين والهند والبرازيل وافريقيا الجنوبية وروسيا..

وعمدا وضعنا روسيا في المرتبة الخامسة لأنها تشير إلى «الزاوية الميتة» في مفهوم «الجنوب الكبير» فروسيا قطعا لا تنتمي له ولا تنتمي أيضا إلى «الغرب الكبير».

يلفت حكيم بن حمودة النظر أيضا للتعقيدات الجمة في هذا المفهوم فننحن أزاء نظم سياسة مختلفة ومستويات تنمية متفاوتة جدا ومطامع جيواستراتيجية متباعدة وهذا ما يجعل من «الجنوب الكبير» فاعلا اقتصاديا ولاشك من الدرجة الأولى وقوة احتجاج على غياب العدل والمساواة في النظام العالمي الحالي ولكن بين هذا والتحالف الاستراتيجي اقتصاديا وأمنيا بين مختلف هذه المكونات الطريق مازالت طويلة وقد لا تكون سالكة كذلك..

القيمة المضافة الأساسية في كتاب حكيم بن حمودة هو تحليله لتاريخ الهيمنة الغربية ولردود الفعل ضدّها ولتطور الأفكار المناهضة لها من الماركسية الكلاسيكية إلى الفكر النقدي ما بعد الاستعماري وصولا إلى النظريات الديكولونيالية.

وهنا يتوقف المؤلف على بعض الاسهامات البارزة كسمير أمين وادوارد سعيد وكتابه الشهير «الاستشراق» الذي يعد منعرجا في الفكر النقدي الكوني المناهض للنظرة الاستعمارية الأورومركزية بالاضافة إلى الاسهامات الفكرية المهمة لمفكري الهند على غرار ديباش تشاكرابارتي وهومي من بابا وأيضا المفكرين اللامعين في التيار الديكولونيالي.

يصور حكيم بن حمودة بدقة فائقة التحولات العميقة في العالم اليوم وفي موازين القوى الجديدة التي تظهر بعض ملامحها اليوم وبعضها - كما لا يخفى - ينبئ بأخطار جسيمة لا ينكرها حكيم بن حمودة ولكنه يريد أن يكون متفائلا..

فبالنسبة له نهاية العولمة النيوليبرالية ونقد المرتكزات الفكرية للحداثة الغربية لا يعني التضحية بالقيم الكونية والانطواء على هويات مغلقة ومنغلقة فصعود الشعبوات ومعاداة الأجنبي والسياسات العدائية لن تحطم العولمة الغربية فقط بل الانسانية بأسرها.

عالم جديد أكثر عدلا وانفتاحا وتوازنا مازال ممكنا وهو ليس ممكنا فقط بل هو الطريق الوحيدة التي ستنجي الانسانية من دمار محقق والصعود الاقتصادي والتكنولوجي والعلمي - ومن ثمة الجيوسياسي -  لدول الجنوب الكبير هو في نهاية الأمر الضامن الوحيد لانبجاس هذا العالم الجديد.

«الجنوب الكبير والعالم الآتي» ليس مجرد كتاب ينضاف إلى الرصيد الضخم للاقتصادي والمفكر حكيم بن حمودة (أكثر من خمسين كتابا إلى حدّ الآن) بل قراءة عميقة لعالم اليوم.. قراءة تعطينا مفاتيح للفهم وقوادح للتفكير...

المشاركة في هذا المقال