-
بقلم روعة قاسم
-
15:19 30/06/2026
-
154 عدد المشاهدات
-
لم تكن "مذكرة التفاهم" التي وُقّعت في 18 جوان 2026 بين واشنطن وطهران
سوى هدنة هشة سرعان ما بدأت تتآكل بفعل التناقض الجذري في تفسير البنود، والتنافس المحتدم على "مفاتيح" مضيق هرمز. وبينما أُعلن عن الهدنة كبارقة أمل لإنهاء جولات من القتال العنيف، فإن الواقع الميداني بعد أقل من أسبوعين يشير إلى أن الطرفين لا يزالان عالقين في "فخ النوايا المتبادلة".
جوهر الأزمة الحالية يتلخص في المادة الخامسة من مذكرة التفاهم، التي تنص على إعادة فتح مضيق هرمز. وبينما تضغط واشنطن من أجل ممر آمن ومفتوح كلياً للتجارة العالمية، تتمسك طهران -عبر تحذيرات الحرس الثوري - بفرض مسارات إجبارية تعتبرها جزءا من "سيادتها الأمنية". هذا الغموض المتعمد في صياغة الاتفاق جعل من الممر المائي، الذي يفترض أن يكون شريان الحياة للاقتصاد العالمي، ساحةً للاشتباك السياسي والقانوني، حيث تسعى شركات الشحن الدولية للهروب نحو ممرات بديلة خوفا من التورط في نزاع قد يفجر العقوبات الأمريكية أو المواجهة العسكرية المباشرة.
يجد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه اليوم أمام معادلة شديدة التعقيد. فمن جهة، تدفعه حسابات الداخل-مثل انتخابات التجديد النصفي والضغوط الاقتصادية الناجمة عن أسعار الطاقة-إلى تمديد الهدنة وتجنب حرب مفتوحة. ومن جهة أخرى، يواجه ضغوطا متزايدة من "صقور" الحزب الجمهوري واللوبيات المؤيدة لإسرائيل التي تطالب بحزم أكثر مع ايران. هذا المأزق يجعل الإدارة الأمريكية في حالة تأرجح دائم بين "الدبلوماسية الفنية" في الدوحة و"الردع العسكري" في الميدان.
على الجانب الآخر، تُظهر إيران براغماتية لافتة. فبعد إعلان الرئيس مسعود بزشكيان عن قرب الإفراج عن 6 مليارات دولار من أصول بلاده المجمدة، يبدو أن طهران قد نجحت في تحويل "الجمود العسكري" إلى مكاسب مالية وسياسية. ومع ذلك، فإن الخطاب المتشدد الصادر عن أوساط المرشد الأعلى-التي ترفض أي تهاون في بنود التفاهم-يشير إلى وجود تيار داخلي لا يرى في الهدنة سوى محطة لالتقاط الأنفاس، مما يضع فريق التفاوض الإيراني في مواجهة مباشرة مع استحقاقات التنازل عن "دور الشرطي" في مضيق هرمز.
تتجه الأنظار الآن إلى الدوحة التي من المقرر أن تستضيف اجتماعات فنية في ظل تضارب الأنباء حول انعقادها. هذه الاجتماعات ستحدد ما إذا كانت "مذكرة التفاهم" ستتحول إلى اتفاق دائم، أو ستنتهي كسابقتها من الاتفاقات الفاشلة التي أشعلت حرائق جديدة في المنطقة.
إن استمرار الهجمات وتوسع العمليات العسكرية بين الجانبين، كلها مؤشرات تؤكد أن "الهدنة" ليست سوى واجهة لصدام مؤجل. فإذا لم تنجح الأطراف في وضع آليات واضحة وملزمة لإدارة الممرات المائية والنشاط الإقليمي، فإن احتمالات عودة المنطقة إلى المربع الأول-مربع المواجهة الشاملة-تظل الاحتمال الأرجح في المدى المنظور.