-
بقلم المغرب
-
15:17 30/06/2026
-
221 عدد المشاهدات
-
“ قطوف مهاجر “ هو عنوان الخواطر والقصص الوجيزة للكاتب التونسي البارز
أبو بكر العيادي الماطر والمتعدد ، يقول عنه أ, طارق العمراوي “ للكاتب التونسي أبو بكر العيادي مدونة سردية متميزة ، من حيث الكم والنوع ، في القصة القصيرة ، والرواية ، والنصوص المسرحية المكتوبة للإذاعو ، والمقالات والدراسات ، نشرها في الصحافة العربية في الوطن والمهجر ، كما ترجم العديد من النصوص القصصية والروايات لكتاب معروفين ومشهورين “ .
وقد صدر هذا السجل الأدبي عن مسكلياني للنشر والتوزيع ، ويشتمل على أنفاس سردية جاءت كالتالي :
- وجدانيات
- مهجربات
-تأملات
- غزاويات
- مكابدات
- قصص وجيزة
على امتداد مائة وخمسة وثلاثين صفحة ، يهديها إلى صديقه “ محمد الحبيب الزناد شاعر المنستير “ الذي تجمعه وإياه حرقة الكلمة ..
والمقبل على هذه المدونة يسجل انحيازها للوجازة والخفة المهيمنة على أنفاسها الخاطفة ، وهو ما يفضحه عنوانها الرئيسي “ قطوف مهاجر” ، التي تدل مجازيا على السرعة ، أما المهاجر فيراه الكاتب في خطابه المقداماتي الذاتي “ ليس هو فقط هو ذلك الذي تغرب عن الأوطان ، وإنما هو ايضا ذلك الذي عاش حياته على على مسافة من اليقين والطمأنينة والركود ، والمهاجر هو كذلك شاهد مضاعف، يرى وطنه من بعيد فيشتد تعلقه به ويرى العالم الذي يقيم فيه عن قرب فيزداد وعيه بما يشوبه من تناقضات”، وبذلك يعلن العنوان عن نية الكتاب ، ويغدو الوطن بالنسبة للكاتب الحنون والغليظ القلب، القديس والكافر، الحلو والمر، والمجنون والحكيم .
وعليه ،نقترح هذه القراءة العاشقة للقصة الوجيزة “ ضيق الصدر” ، نموذجا لهذه الخفة والوجازة والسرد السريع و القصير جدا الذي “ فرضته شروط الزمن الراهن بكل خصائصه وتعقيداته وسرعة حركيته لأن “ كل مرحلة تتطلب شكال التعبير التخييلية وتقنياتها الجمالية وحجم النصوص والرؤيا للعالم ، وليست القصة القصيرة جدا إلا نتاجا لمرحلة ما بعد الحداثة “ الباحثة نانا رودريكيس روميروNana Rodriguez Romero
تقديم النص القصصي :
--
“ ضيق الصدر”
كان من أشد دعاة الديمقراطية وحرية التعبير وحق الاختلاف، حتى أصدر رواية أثنى عليها النقاد والقراء، ما عدا واحدا ، فنبض نابضه، وهاج هائجه ، وثارت ثائرته “ص
بخصوص العنوان الذي اختاره الكاتب “ ضيق الصدر” ، يبدو للقراءة الأولى عنوانا بسيطا ، ولا يعدو أن يكون إشارة إلى شعور بعدم الراحة والإحساس بالضغط، ، بيد أن قراءته قراءة فاحصة في علاقته بمتن النص فيوحي باضطراب الرئة السياسية ، ومجرى هوائها الحقوقي ، الناتج عن غياب سعة الصدر وقبول الرأي المخالف .
دلالة النص :
---
جاءت القصة في ثلاثة أسطر ، وخمسة أمقاطع سريدية هي كالتالي :
-أولا ، قصة مناضل سياسي من دعاة الديمقراطية وحرية التعبير وحق الاختلاف”كان من شد دعاة الديمقراطية “
- ثانيا ، إصداره لنص روائي مع مدح وإطراء النقاد والقراء”أصدر رواية أثنى عليها النقاد والقراء “
- ثالثا ، خروج بعضهم من حكم القراء والنقاد”ماعدا واحد “
- خامسا ، هيجان السياسي والروائي من خلال انفعاله” فنبض نابضه ، وهاج هائجه ، وثارت ثائرته “
المقطع الأول ، يصف الكاتب المناضل السياسي والحقوقي الذي ينتصر للفعل الديمقراطي ، وحرية التعبير باعتبارها حق من حقوق الإنسان التي تدعمها الهيئات والمنظمات الدولية .
االمقطع الثاني ، إصداره لنص روائي ، لأن العلاقة بين الرواية والسياسة طبيعية ومنطقية ، لأنهما معا يوليان اهتماما لحياة الإنسان من نواح عديدة ، “ ونتيجة لذلك فإن الأدب حيتفإن الأدب حين يعكس رؤيته للواقع فإنه يعد ممارسة سياسية بشكل من الأشكال ، ولا شك أن الأدب الجيد ملتزم بالضرورة ، والالتزام يقود طبقا لذلك إلى صف المعارضة “ حسب تعبير رضوى الأسود ، ثم التلقي السلبي للرواية من قبل النقاد والقراء،بناء بناء على التهويل والوعي الزائف دون مضادات حيوية نقدية ، مما يحول دون الإبداع والتحول ، ويكرس فعل التلميع للزعيم السياسي ، بقصد تصويره بطولته وامتلاكه لقدرات خارقة في كل المجالات .
المقطع الثالث ، يشير إلى الشخض المعارض الذي يخالف السائد وسياسة القطيع، ويتبنى مواقف الاختلاف والمخالفة التي وقفت في وجه التطبيل ، والأدهى من ذلك ، منع استبداد الرأي .
المقطع الرابع ، يمثل جوهر ديمحرامية الرجل السياسي والحقوقي الذي يحتكر كل السلط حتى الروائية ، وهذا ما تجسده انفعالاته “ فنبض نابضه ، وهاج هائجه ، وثار ثائره “
وبذلك نكون أمام ثلاثة تصورات ،الأول يعادل ظاهرة السلطة كنسق سياسي وثقافي ، ويسلط الضوء على المؤسسة السياسية التي تريد تسعى إلى أن يظل الزعيم السياسي ، زعيما وفضوليا على الرواية إلى أن يلقى ربه ،
والثاني ، يحيل إلى عقلية العبيد أو عقلية الإنسان المقهور الذي يسعى دائما إلى أن يرضى عليه سيده والتقرب منه ، مما يشبه علاقة المريد بالشيخ على حد تعبير عبدالله مودي في كتابه “ الشيخ والمريد “
أما التصور الثالث، يجسد الممارسة الديمقراطية ، بل الاستقلال وبث الحياة في الرأي المخالف بدل الدخول في ماكينة تحويل الإنسان إلى ماكينة لصناعة ماركات بشرية مسجلة لا تتقن سوى التبعية الضريرة .
ومما يستنتج من قصة “ ضيق الصدر” بعيدا عن التخييلي قريبا من الواقعي ، اعتبارا بما وقع ، مايلي :
- الاحتكار السياسي والثقافي
- الانفراد بالرأي دون السماح للآخرين بالمشاركة
- التجنيد الثقافي للمريدين وقدرتهم على تجميل وتحسين الرأسمال الثقافي للزعيم
- تعطيل حاسة النقد المفيد والبناء
- مواجهة الرأي الآخرى بالقمع الرمزي دون تبني سياسة الحوار
وعليه ، ثمة مفارقة عملت على قلب السياق المنطقي عبر انقلاب قصصي ، حيث يقدم لنا مفتتح القصة مشهدا سرديا يجسد ديموقراطية السياسي وتشدقه بحرية التعبير ، إلا أن المشهد الأخير - لقفلة ” نبض ، ثار ، هاج “ تنحرف إلى أفق جديد، بلغة مشحونة بالتوتر حيث تتشكل علاقة غير متآلفة بين المشهدين ، مما يخلق مفارقة وانحرافا ديناميا على النحو الذي يتحلى به الكلام بحساسية قصصية وإيحائية.
الشخصيات :
تقوم قصة “ ضيق الصدر “ على تعدد الشخصيات ، الرجل السياسي والروائي ، النقاد والقراء ،ثم الرجل الاستثنائي ، وكلها شخصيات رئيسية لا نعرفها لا بأسمائها ولا ملاحمها وحضورها الجسدي ، عبر كسر السائد ، وكسر الصور النمطية.
في النص أريع شخصيات لا نعرفها بأسمائها ، وكذا الابتعاد عن الإفراط في رسمها ووصفها ، لأن المحكي الوجيز لا يقبل “ الكلاشيهات” المعتادة التي تقدم لنا خطابا واصفا ومسهبا للشخصيات .
وعليه ، تقدم لنا القصة شخصيات ثابثة ذات البعد الواحد، كما هو حال الزعيم الحقوقي ، وتوابعه من قراءء ونقاد ، ثم شخصية متحولة ويجسدها الرجل الاستثنائي الخارج عن ثقافة القطيع ، مما جعله كائنا معارضا وله بصمته في إحداث التغيير بشقه لعصا الطاعة .
البنية اللغوية :
----
جاءت لغة القصة مكثفة وسريعة وعميقة، بتوظيفها لتراكم المعنى عبر تجويع اللفظ ، أي الانطلاق من مواد متراكمة والتخفيف من حمولتها وضغطها وتكثيفها بالانحياز إلى لغة الإيحاء ، وهي تقنية كتابية تنم عن لغة شعرية ورمزية ، تحيل من خلال هذه العملية إلى مدولالات عديدة .
وتبعا لذلك ، تحضر ايحالات لغوية متنوعة ، لغة السيلسي “ الديمقراطية ، حرية التعبير ، حق الاختلاف “ ، اللغة الأدبية “ النقاد ، القراء ، الرواية “ ، ليس بغاية تزيين المحكي ، ولكن بهدف الا انزياح نحو شعرية النص ، وأيضا انتقاد مظاهر الخطاب السياسي المغشوف الذي يعبر عكس ما يبطن ، والذي شبهه لينين بخطاب الفجل ، أخمر قاني من الخارج بيد أنه أبيض ناصعا من الداخل ، ولا يغيب غن القصة مايضمره الواقع من أقلية معارضة ومواجهة علنية لمظاهر الزيف لغة.
ومجمل القول ،كثيرة هي القصص الموجزة في “ قطوف مهاجر” جاءت للتعبير عن مواضيع ورؤى مسكوت عنها بالرمز والمعنى ، من خلال صناعة إبداعية مائزة تجعل من الحكائية عنصرا فعالا ، وأيضا استلهام شخوص من عوالم مختلفة من شأنها إحداث المفارقة ، وتشييد معالمها بلغة أدبية ساحرة .
ومن هذا المنطلق ، تكون رحلة أبو بكر العيادي من النصوص الروائية والقصصية القصيرة صوب النصوص الوجيزة والخاطفة موفقة بامتياز ، خاصة وأنه كاتب محترف وتجربة طويلة منفتحة على المغامرة او لتجريب والحداثة وما بعدها ، بما توفر لديه من مهارات وكفايات إبداعية مع رؤية جمالية وفكرية .
بقلم: عبد الله المتقي