Print this page

الاتفاق الأمريكي-الإيراني أية رهانات ؟ انعطافة جيوسياسية في مسار العلاقات الدولية بالشرق الأوسط

يشكل توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران اليوم

في سويسرا، منعطفا استثنائيا في مسار العلاقات الدولية بالشرق الأوسط. هذا الاتفاق، الذي يأتي في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب الثانية، يجسد محاولة لإعادة صياغة قواعد الاشتباك في منطقة شهدت سنوات من التصعيد المفتوح.

يأتي الاتفاق ليعكس تحولا من استراتيجية "الضغط الأقصى" إلى "الدبلوماسية المشروطة". تبرز في هذا الاتفاق عدة نقاط جوهرية أهمها الوقف الشامل للعمليات اي الانتقال من المواجهة المباشرة أو عبر الوكلاء إلى التهدئة الفورية، وهو ما يهدف بالدرجة الأولى إلى تأمين الممرات الملاحية الحيوية (مضيق هرمز).
وفيما يتعلق ببند الملف النووي فقد تعمد الاتفاق تأجيل المعضلة النووية المعقدة إلى "مفاوضات نهائية" خلال 60 يوما، مكتفيا بتعهدات إيرانية بالحد من التخصيب تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مما يمنح الجانبين متنفسا سياسيا.
اما بالنسبة الى المقايضة الاقتصادية فهو يتضمن إطارا لإعادة الإعمار بقيمة 300 مليار دولار، بكل ما يمثله ذلك من ربط استقرار إيران باقتصادها، في محاولة لتحويلها من دولة مواجهة إلى شريك إقليمي محتمل.
على الرغم من الترحيب الدولي، يواجه الاتفاق تحديات وجودية، يأتي في مقدمتها التصعيد الصهيوني في الملف اللبناني. اذ تبرز الفجوة بوضوح بين الرغبة الأمريكية في خفض التصعيد، والتمسك الإسرائيلي – بقيادة مجرم الحرب بنيامين نتنياهو – باستمرار العمليات العسكرية ضد المقاومة اللبنانية .
هذا "التنافر" في الرؤى بين واشنطن وتل أبيب قد يجعل من الاتفاق "مظلة هشة"، فإيران تربط التزامها بأمن الممر المائي بالانسحاب الإسرائيلي، بينما ترفض تل أبيب أي صيغة لا تتضمن نزع سلاح حزب الله، مما يضع الاتفاق في حالة "اختبار دائم" أمام أي خرق ميداني.
ويترك الاتفاق تأثيرات إقليمية ودولية كبيرة أهمها إعادة رسم توازنات الطاقة وذلك عبر إعادة فتح مضيق هرمز وتأمين الملاحة والذي يمثل انتصارا للأسواق العالمية، ويهدف إلى تهدئة المخاوف من أزمات طاقة عالمية كانت تلوح في الأفق.
علاوة على ذلك ، يواجه الرئيس ترامب داخليا انتقادات حادة من "صقور" الحزب الجمهوري الذين يرون في الاتفاق تكرارا لتجارب سابقة فاشلة، مما يجعل المسار التفاوضي القادم عبئا سياسيا يتطلب من إدارة ترامب وفانس إثبات مكاسب ملموسة سريعا.
وعلى جانب آخر ، يمنح الاتفاق فرصة للدول الإقليمية التي أرهقها الصراع مثل لبنان ودول الخليج لالتقاط الأنفاس، لكنه في الوقت ذاته يعيد طرح تساؤلات حول مدى القدرة على "ضبط" النهم الصهيوني للتوسع في ظل التحولات الراهنة.
يبدو أن اتفاق جوان 2026 هو "اتفاق ضرورة" أكثر من كونه "اتفاق رغبة". فالولايات المتحدة تحت إدارة ترامب تسعى لتحقيق إنجازات اقتصادية وتجنب التورط في حروب استنزاف، بينما تسعى طهران لإنقاذ اقتصادها من الانهيار.
ويبدو ان نجاح هذا المسار يتوقف على اختبار الـ 60 يوما"، فإذا نجحت آليات المراقبة في منع الانزلاق نحو صراعات ميدانية جديدة، فقد نكون أمام بداية واقع سياسي جديد. أما إذا غلبت الحسابات الصهيونية لنتنياهو أو الضغوط المعارضة داخل واشنطن، فقد يظل الاتفاق مجرد حبر على ورق، وتعود المنطقة سريعا إلى مربع الصفر.
الأزمة بالأرقام
عند التوصل إلى أول اتفاق هدنة لأسبوعين في 8 افريل الماضي، بلغت الحصيلة الرسمية للخسائر الأمريكية 385 قتيلا ومصابا.
في 21 افريل انخفض عدد الجنود الجرحى في العمليات القتالية بمقدار 15 حالة - دون أي توضيح علني من البنتاغون- لتنخفض الخسائر البشرية إلى 413.

المشاركة في هذا المقال